مهاجرون من أصول مغربية، بلد الأصل والمستقبل

العرائش أنفو
مهاجرون من أصول مغربية، بلد الأصل والمستقبل
الجزء الرابع
محمد السلامي -هولندا
الهوية والانتماء
بدأ العمال المهاجرون القادمون من المغرب بالوصول إلى هولندا منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي عبر قنوات متعددة؛ فبعضهم مرّ عبر إسبانيا إلى فرنسا ثم بلجيكا قبل الوصول إلى هولندا، بينما غادر آخرون المغرب دون معرفة مسبقة بوجهتهم النهائية. وكان أغلب هؤلاء المهاجرين من أصول أمازيغية وينحدرون من منطقة الريف وشمال المغرب، وذلك في مرحلة كان فيها المغرب حديث الاستقلال (1956)، وما تزال عملية بناء الدولة الوطنية فيه في طور التشكل. ففي تلك الفترة كان المغرب يعاني من انقسامات سياسية حادة وتفاوتات اجتماعية وثقافية كبيرة، خاصة بين المناطق الفقيرة كمنطقة الريف والمدن الغنية في غرب البلاد.
وصل معظم العمال المغاربة إلى هولندا دون أي استعداد مسبق أو معرفة بالمجتمع الهولندي. فقد هاجروا تاركين وراءهم أسرهم ودوائرهم الاجتماعية وقراهم الأصلية. وبسبب الحاجة الكبيرة إلى اليد العاملة في هولندا آنذاك، تمكنوا بسرعة من إيجاد العمل. أما فيما يتعلق بالسكن والمعيشة، فقد كان العمال المهاجرون يساعدون بعضهم البعض، وغالبًا ما كانوا يتقاسمون غرفًا صغيرة، وهو أمر كان شائعًا في تلك الفترة.
إن جهلهم بالمجتمع الجديد دفعهم إلى التمسك ببعضهم البعض، وجعل وجودهم الجماعي وسيلة للتخفيف من شعور الغربة. فلم تكن لديهم أي معرفة أو تجربة تساعدهم على الاندماج أو بناء علاقة مع المجتمع الهولندي. وفي المقابل، كانت المسافة النفسية والعاطفية بينهم وبين بلدهم الأصلي كبيرة جدًا، مما ولّد لديهم إحساسًا قويًا بالفقدان والحنين. لقد اختفت البيئة الاجتماعية المألوفة بالنسبة لهم، ولذلك سعوا جاهدين إلى الحفاظ على روابطهم مع أسرهم ومجتمعاتهم الأصلية. كانوا يعيشون جسديًا في هولندا، لكنهم نفسيًا وعاطفيًا ظلوا مرتبطين بالمغرب. ولهذا السبب، لم يبذل كثير منهم جهودًا كبيرة لبناء علاقات مع المجتمع الهولندي، بل انصبّ اهتمامهم على الحفاظ على تماسكهم الداخلي. وحتى المبادرات التي قاموا بها حتى الثمانينيات، مثل تأسيس الجمعيات أو التعليم الديني أو الزواج، كانت تهدف أساسًا إلى ضمان الاستقرار والبقاء داخل المجتمع الجديد.
حتى بداية الثمانينيات، ظل مفهوم “الإقامة المؤقتة” هو التصور السائد سواء لدى المهاجرين أنفسهم أو لدى الدولة الهولندية. فقد حافظ العمال المهاجرون على ارتباطهم ببلدهم الأصلي وأسرهم، وكان ذلك يخفف عنهم شعور الغربة. كما أن الحكومات الهولندية آنذاك لم تكن ترغب في أن تتحول هولندا إلى “بلد هجرة”، ولذلك تم توزيع ملفات المهاجرين على عدة مؤسسات وإدارات بدل إنشاء سياسة هجرة متكاملة.
في النصف الثاني من السبعينيات بدأت أولى الدراسات حول العمال المغاربة والأتراك في هولندا، وركزت أساسًا على ظروفهم المعيشية الصعبة. كما أُنجزت لاحقًا دراسات تناولت دوافع الهجرة وتأثيرها النفسي والاجتماعي على المهاجرين. وخلال تلك الفترة وفرت الدولة الهولندية ظروفًا تشجع العمال على الحفاظ على ارتباطهم بالمغرب، بل إن العودة إلى الوطن كانت تُعتبر حقًا مشروعًا. لذلك لم يكن الابتعاد عن بلد الأصل أمرًا مرغوبًا فيه، بل بدا أحيانًا وكأن السلطات الهولندية تدفع المهاجرين المغاربة إلى البقاء تحت تأثير الدولة المغربية، خاصة لأسباب إدارية وتنظيمية.
لكن مرحلة لمّ الشمل العائلي في الثمانينيات شكّلت نقطة تحول مهمة. فقد بدأ حلم العودة إلى المغرب يتراجع، وأصبح الاستقرار في هولندا أكثر واقعية. الأطفال الذين جاؤوا مع أسرهم أو وُلدوا في هولندا أصبح مطلوبًا منهم الاندماج السريع في المجتمع الهولندي. ومع ذلك، كان على هذه الأسر مواجهة ما اعتُبر “تأخرًا اجتماعيًا وثقافيًا” مقارنة بالمجتمع الهولندي.
وفي هذه المرحلة بدأت المجتمعات المغربية في هولندا تبني شبكاتها الخاصة ومؤسساتها الاجتماعية والدينية للحفاظ على ثقافتها وهويتها. وأظهرت الأبحاث آنذاك أهمية هذه التنظيمات في مساعدة المهاجرين على التكيف مع واقعهم الجديد، والحفاظ على شعورهم بالانتماء.
تحوّل الانتماء: من الثقافة إلى الدين
منذ الثمانينيات بدأت المجتمعات المغربية في هولندا تتحول تدريجيًا إلى تجمعات اجتماعية أكثر تماسكًا، حيث أصبح الإسلام والهوية الدينية عنصرًا أساسيًا في الربط بينها. وتراجعت تدريجيًا أهمية الهوية الثقافية والعرقية التي كانت حاضرة بقوة في الستينيات والسبعينيات.
ومع هذا التحول من الثقافة إلى الدين، انتقل شعور الانتماء لدى كثير من المغاربة من “القرية والعائلة” في المغرب إلى “الجماعة الدينية” التي تشكلت في هولندا. وأصبح عدد كبير من المغاربة يعرّفون أنفسهم أولًا كمسلمين أكثر من كونهم مغاربة، وهو ما تؤكده عدة دراسات.
وقد ظهر هذا التحول بشكل أوضح لدى الجيل الثاني من المغاربة الهولنديين، الذين نشأوا أو وُلدوا في هولندا. فقد تبنّى كثير منهم الهوية الدينية باعتبارها هويتهم الأساسية، ليس فقط كوسيلة للانتماء، بل أيضًا كطريقة للمطالبة بالاعتراف بمكانتهم داخل المجتمع الهولندي.
في البداية، اعتُبر هذا التطور خطوة إيجابية نحو اندماج الإسلام والمسلمين داخل المجتمع الهولندي، وشُبّه بوضع الكاثوليك الهولنديين الذين اندمجوا تدريجيًا في المجتمع عبر مؤسساتهم الخاصة. لكن مع مرور الوقت ظهرت ردود فعل معاكسة داخل المجتمع، حيث بدأ البعض يرى في التشبث بالإسلام علامة على الابتعاد عن القيم الهولندية الحديثة.
وبعد أحداث 11 سبتمبر 2001، أصبح الإسلام محورًا أساسيًا في النقاشات المتعلقة بالاندماج، وازدادت النظرة الأمنية تجاه المسلمين والمؤسسات الإسلامية. كما بدأ الخطاب السياسي والإعلامي يربط أحيانًا بين الهوية الإسلامية وبين مفاهيم مثل “الانعزال” أو “عدم الولاء” للمجتمع الهولندي.
الانتماء والهوية الهولندية
مع تصاعد النقاش حول الاندماج بعد أحداث 11 سبتمبر، تغيّرت النظرة إلى العمال المهاجرين ومكانتهم في هولندا. فقد أصبح الانتماء إلى بلد الأصل أو التمسك بالهوية الثقافية والدينية يُنظر إليه أحيانًا كعائق أمام الاندماج الكامل في المجتمع الهولندي.
ومنذ عام 2010 تقريبًا، بدأت الحكومات الهولندية تؤكد بشكل أكبر على ضرورة “التكيّف” مع القيم والثقافة الهولندية، وأصبح يُطلب من المهاجرين تبني مبادئ مثل الديمقراطية، والمساواة، وفصل الدين عن الدولة، والتسامح، باعتبارها معايير أساسية للاندماج.
لكن هذا التوجه خلق أيضًا شعورًا بالرفض داخل بعض المجتمعات المسلمة، التي رأت فيه محاولة لفرض التخلي عن هويتها الدينية والثقافية. ومع مرور الوقت، أصبح الجدل حول الهوية والانتماء أكثر حدة، خاصة في ظل تصاعد الخطابات القومية والشعبوية في أوروبا.
