زلزال سياسي في الأندلس: صناديق الاقتراع تخلط الأوراق وتنهي عهد الأغلبية المطلقة للأحزاب التقليدية

العرائش أنفو
زلزال سياسي في الأندلس: صناديق الاقتراع تخلط الأوراق وتنهي عهد الأغلبية المطلقة للأحزاب التقليدية
أمين أحرشيون
شهد المشهد السياسي في إقليم الأندلس تحولاً بارزاً أعاد رسم خارطة التحالفات، وسلط الضوء على عمق الفجوة المتزايدة بين توجهات الأحزاب التقليدية وتطلعات الناخبين اليومية. ولم تعد صناديق الاقتراع مجرد وسيلة لاختيار الممثلين، بل تحولت إلى أداة لتوجيه رسائل قوية ومباشرة تكشف عن رغبة واضحة في التغيير، وتنهي عهد الأغلبية المطلقة التي طالما وفرت الاستقرار المريح للحكومات السابقة، حيث أفرزت عملية فرز الأصوات بنسبة تناهز تسعة وتسعين فاصل أربعة وأربعين بالمئة واقعاً برلمانياً جديداً يتوزع على مئة وتسعة مقاعد، وتغيب عنه القوة المهيمنة بمفردها بعدما باتت عتبة الأغلبية المطلقة المحددة بخمسة وخمسين مقعداً بعيدة المنال دون تقديم تنازلات وبناء تفاهمات مشتركة.
وتوضح الأرقام تراجع الحزب الشعبي وفقدانه لسيطرتة الكاملة بعد خسارته لخمسة مقاعد ليستقر عند ثلاثة وخمسين مقعداً، ورغم نيله المرتبة الأولى وحصوله على مليون وسبعمئة وستة وعشرين ألفاً وثمانمئة وسبعة أصوات بنسبة تبلغ واحد وأربعين فاصل ثمانية وخمسين بالمئة، إلا أن هذه الإحصائيات أثبتت أن استراتيجية التماهي مع مواقف أطراف مختلفة لكسب الرهان الانتخابي لم تمنحه الأمان الكامل، بل أفقدت اليمين المعتدل جزءاً من هويته وقاعدته المحافظة، رغم محاولاته المستمرة لفرض الذات والتركيز على السياسة الداخلية كبديل مستقر. وفي المقابل، استمر نزيف الأصوات لدى الحزب الاشتراكي الأندلسي الذي حل ثانياً بثمانية وعشرين مقعداً بعدما فقد مقعدين إضافيين، مسجلاً تسعمئة وثلاثة وأربعين ألفاً وأربعمئة وسبعة أصوات بنسبة تعادل اثنين وعشرين فاصل اثنين وسبعين بالمئة، وهو ما يعكس شرخاً حقيقياً بين أولويات رئيس الحكومة بيدرو سانشيز القائمة على تعزيز مكانة إسبانيا في السياسة العالمية ودعم القضايا الدولية، وبين الاهتمامات المادية المباشرة للمواطن الإسباني الذي عبّرت أصواته عن أولويات معيشية مغايرة داخل مراكز الاقتراع.
هذا التراجع للأقطاب التقليدية فتح الباب على مصراعيه أمام صعود قوى جديدة، حيث برز حزب فوكس اليميني المتطرف كأكبر رابح في هذه المرحلة من خلال قراءة الواقع بذكاء ونيله المرتبة الثالثة بخمسة عشر مقعداً، محققاً زيادة بمقدار مقعد واحد بعد كسبه خمسمئة وأربعة وسبعين ألفاً ومئة وثمانين صوتاً بنسبة وصلت إلى ثلاثة عشر فاصل Structural اثنين وثمانين بالمئة. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في مواقف زعيمه أباسكال الذي اعترف بالمغرب كجار وحليف استراتيجي لا غنى عنه في بوابة أفريقيا وله الحق في رسم سياسته، مع توجيه انتقادات حادة لضعف الحكومة الإسبانية في إدارة الملفات الأمنية ومراقبة الحدود، وهو خطاب يلقى صدى متزايداً لدى فئات شعرت بأن الأحزاب الكبرى لم تعد تمثلها بشكل كافٍ. وتكتمل الصورة الرقمية للبرلمان بصعود قوي لحزب أديلانتي أندلسيا الذي حقق قفزة نوعية بإضافة ستة مقاعد كاملة ليصبح في رصيده ثمانية مقاعد حصدها من خلال ثلاثمئة وتسعة وتسعين ألفاً وخمسمئة وسبعين صوتاً بنسبة تبلغ تسعة فاصل اثنين وستين بالمئة، بينما حافظ حزب بور أندلسيا على استقراره ونفس كتلته النيابية السابقة المتمثلة في خمسة مقاعد، حاز عليها بفضل مئتين واثنين وستين ألفاً وثلاثمئة وثلاثة وسبعين صوتاً بنسبة تعادل ستة فاصل واحد وثلاثين بالمئة.

وتفتح هذه المتغيرات والأرقام الدقيقة الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كنا سنشهد زلزالاً سياسياً أعمق أم تحالفات اضطرارية لحفظ توازن أسس الدولة بعد أن حصدت كتل اليمين واليمين المتطرف مجتمعة ثمانية وستين مقعداً مقابل توزع بقية المقاعد على قوى اليسار. ورغم أن فكرة التحالف الكبير بين اليمين المعتدل واليسار تُطرح دائماً كخيار لحماية استقرار المؤسسات من التيارات الراديكالية, إلا أن الاستقطاب الحاد في الثقافة السياسية الإسبانية يجعل هذا السيناريو مستبعداً في الوقت الراهن، لتصبح التفاهمات الصعبة والبحث عن معادلات جديدة قائمة على لغة الأرقام المباشرة هما العنوان الأبرز للمرحلة القادمة.
