الغش في الامتحانات المدرسية: الشجرة التي تخفي الغابة

العرائش أنفو
الغش في الامتحانات المدرسية: الشجرة التي تخفي الغابة
يبدو الغش في الامتحانات المدرسية، في ظاهره، مجرد سلوك فردي منحرف يقوم به بعض التلاميذ الباحثين عن النجاح السريع بأقل مجهود ممكن. غير أن اختزال الظاهرة في بعدها الأخلاقي الفردي يجعلنا نرى “الشجرة” ونغفل “الغابة” التي تنتمي إليها. فالغش ليس حادثاً معزولاً، بل عرضٌ يكشف أزمة أعمق تطال المدرسة والمجتمع ومنظومة القيم والسياسات التعليمية معاً. فما هي دواعي الغش لدى المتعلمين؟ وكيف يساهم نظام التقويم الحالي في ترسيخ ثقافة الغش؟ وهل ما نُقَّوِّمُه حاليا لازال صالحا لإنسان يعيش زمن الثورات الاعلامية والتكنولوجية وخاصة في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي على مناحي المعرفة الانسانية؟ ثم هل يمكن محاربة الغش في الامتحانات المدرسية بشكل معزول عن أنواع الغش الأخرى بالمجتمع؟
إن التركيز المفرط على مراقبة التلاميذ، وتشديد العقوبات، واستعمال أجهزة التشويش والمنع، قد يعطي الانطباع بأن المشكلة أخلاقية، تقنية أو أمنية فقط، بينما الحقيقة أن الغش هو نتاج بنية تربوية مأزومة. فحين تتحول المدرسة إلى فضاء لحفظ المعلومات واسترجاعها بدل التفكير والإبداع، يصبح الامتحان مجرد لعبة للذاكرة فقط، ويصبح الغش امتداداً منطقياً لمنظومة قائمة على التلقين لا على الفهم. إن المتتبع للشأن التعليمي بالمغرب يعرف جيدا أننا انتقلنا رسميا من التدريس القائم الأهداف الذي تم إقراره موسم 1985/1986 والذي بدوره عوض المقاربة بالمحتوى والمضامين الذي عمر منذ 1956م، لكن مع اعتماد الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999م والذي دعا إلى تبني المقاربة بالكفايات مع أنه بقي نظريا حتى سنتي 2002 و2003م عندها بدأت الوزارة بتطبيق المقاربة ميدانياً عبر إصدار الكتاب الأبيض وإدماجها تدريجياً في المناهج والمقررات الدراسية، ومرة أخرى سيتم التأكيد على هذا التوجه في الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 واعتبار الكفايات كنسق متكامل من المعارف والقدرات. لكن للأسف الواقع يبين أن هناك شرخ وتباين كبيرين بين التنظير الخاص ببيداغوجيا الكفايات والممارسة الفعلية لنظام التقويم. فرغم تبني المنظومة التعليمية المغربية للكفايات رسمياً، إلا أن نظام التقويم ظَلَّ تقليدياً في أغلبه، حيث يركز على قياس الحفظ والاستظهار بدل تقييم قدرة التلميذ على تجنيد موارده لحل “وضعية-مشكلة”، وهذا بَيِّنٌ في الفروق الكبرى بين فلسفة الكفايات، التي تهدف إلى تكوين متعلم قادر على تعبئة معارفه، مهاراته، ومواقفه لمواجهة وضعيات معقدة وحلها، وبين واقع التقويم الحالي خاصة الإشهادي النهائي، وأقصد بالخصوص امتحانات الباكالوريا سواء الجهوية منها أو الوطنية الموحدة المعتمدة على التقويمات الكمية، الشيء الذي يحول العملية إلى سباق نحو “النقطة العددية”، وذلك عبر التشجيع على الحفظ الآلي الذي يتعارض مع التعلم النشط.
وقد أفرزت أنظمة التقويم التقليدية هذه التي لم تساير المقاربة الجديدة رغم ما يشوبها من عيوب، نوعاً من الانفصام بين ما يُدرَّس وما يُقوَّم، فالتلميذ يُطالَب داخل الفصل بالبحث والتفكير والتحليل وإبداء الرأي وإعداد المشروع الشخصي وغيرها من الأنشطة الصفية المنصوص عليها في هذه المقاربة الجديدة، لكنه يُفاجأ في الامتحان بمنطق يبحث عن “الجواب النموذجي” لا عن الفكر الحر. هنا بالضبط يتحول النجاح من قيمة معرفية، إلى مجرد رقم وشهادة، وتصبح الوسيلة أقل أهمية من النتيجة.
لذلك أحد مداخل محاربة الغش هو الانتقال إلى تقويم متنوع ومستمر ينسجم وبيداغوجيا الكفايات، من ثقافة الحفظ إلى ثقافة التفكير عبر:
1 ــ اعتماد المشاريع الفردية والجماعية للمتعلمين.
2 ــ العروض الشفوية.
3 ــ تحليل المشكلات من خلال وضع المتعلم في إطار “الوضعيةـالمشكلة”
4 ــ إنجاز البحوث عبر الملف التراكمي.
5 ــ تقييم تطور التلميذ لا فقط نتائجه النهائية القائمة على الاستظهار.
وهذا يقتضي من المدرسة أن تربي على النزاهة لا أن تُخَوِّف من العقوبة، كما انها مطالبة بإعادة التفكير في التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي، فبدل محاربة التكنولوجيا، ينبغي توظيفها تربوياً.، لأن المدرسة المستقبلية ليست تلك التي تمنع الأدوات الذكية، بل تلك التي تعلم المتعلم، كيف يفكر نقدياً، وكيف يتحقق من المعلومات، وكيف يوظف التكنولوجيا أخلاقياً، وكيف ينتج معرفة شخصية لا مجرد نسخ آلي. لذلك عندما يصبح التعلم مساراً متكاملاً وليس مجرد لحظة امتحان معزولة، سيفقد الغش قدرته على الحسم.
كما أن الغش المدرسي لا ينمو في فراغ، بل يتغذى من ثقافة اجتماعية أوسع تُطبع مع أشكال متعددة من الغش السياسي والاقتصادي والإعلامي. فكيف نطالب التلميذ بالنزاهة في مجتمع يشاهد فيه يومياً التلاعب والفساد والريع والمحسوبية دون مساءلة حقيقية؟ إن المدرسة لا تستطيع وحدها إنتاج مواطن نزيه داخل بيئة تكافئ أحياناً الوصوليين والانتهازيين أكثر مما تكافئ المجتهدين.
ثم إن التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي زادت من تعقيد المشهد. فالأدوات الذكية لم تعد فقط وسائل للمعرفة، بل صارت كذلك وسائل متطورة للغش، الأمر الذي يكشف محدودية أنظمة التقويم الحالية. ففي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي كتابة المقالات وحل التمارين في ثوانٍ، لم يعد ممكناً الاستمرار في امتحانات تقيس فقط قدرة الذاكرة على الاسترجاع. لذلك فإن المدرسة التي لا تعيد تعريف معنى التعلم ستجد نفسها عاجزة عن مواجهة هذا التحول الحضاري.
من هنا، فإن محاربة الغش لا يمكن أن تنجح عبر المقاربة الزجرية وحدها، لأن العقوبة قد تمنع الفعل مؤقتاً لكنها لا تعالج أسبابه العميقة. المطلوب هو إصلاح جذري يعيد الاعتبار للمعرفة باعتبارها بناءً للفكر لا مجرد وسيلة للانتقاء الاجتماعي. ويتطلب ذلك مراجعة فلسفة التقويم، والانتقال من امتحانات الحفظ إلى وضعيات تقيس الفهم والتحليل والقدرة على حل المشكلات والإبداع. كما أن مواجهة الغش تقتضي بناء ثقافة تربوية جديدة تجعل من النزاهة قيمة معيشة لا مجرد شعار أخلاقي. فالتلميذ الذي يشعر بأن المدرسة تمنحه معنى وكرامة وأفقاً، أقل ميلاً إلى الغش من تلميذ يرى أن المؤسسة التعليمية مجرد آلة لإنتاج الشهادات والبطالة والإقصاء.
خلاصة القول إن الغش في الامتحانات ليس أصل الأزمة فقط، ولا مجرد أحد أعراضها فحسب، بل هو مرآة تعكس اختلال العلاقة بين المعرفة والقيم والمجتمع والمدرسة نفسها المطالبة بأن تتغير من مدرسة الخوف والمراقبة إلى مدرسة الحرية والمسؤولية، مدرسة تجعل التعلم تجربة إنسانية عميقة لا سباقاً نحو النقاط. وحينما يشعر التلميذ أن المعرفة تَبْنِي ذاته وتَفْتَح أُفَقه وتَمْنَحه القدرة على فهم العالم، يصبح الغش مجرد فعل فارغ، لأن الإنسان لا يغش في شيء يؤمن بقيمته حقاً. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس، كيف نمنع التلميذ من الغش؟ بل كيف نبني مدرسة تجعل الغش بلا معنى؟
شفيق العبودي
العرائش 22 ماي 2026
