حين تصبح الخوارزميات مخرجا خفيا للفن

العرائش أنفو
حين تصبح الخوارزميات مخرجا خفيا للفن
السيناريست والكاتب سعيد ودغيري حسني
هل لو كان شارلي شابلن بيننا اليوم سيقف أمام الكاميرا ليصنع الدهشة أم سيجلس أمام شاشة صغيرة يراقب نسب المشاهدة ويحاول إرضاء الخوارزميات،هل كان سيظل ذلك الإنسان الذي جعل العالم يضحك ويبكي بصمت أم كان سيصبح أسيرا لعناوين سريعة ومحتويات تركض بلا روح خلف أزرار الإعجاب،سؤال ظل يرافقني وأنا أعبر فضاءات الملتقى السنوي للتفتح والإبداع حيث كانت الأرواح تسبق الخطوات وكانت الكلمة تبحث عن معناها الحقيقي وسط زمن رقمي يتغير بسرعة الضوء.
في هذه التظاهرة التربوية والثقافية الراقية التي احتضنتها مؤسسة التفتح للتربية والتكوين الأمل بسيدي البرنوصي ارتفعت الأصوات الجميلة التي تؤمن بأن الأنشطة الموازية ليست ترفا عابرا ،بل جسرا نحو إنسان أكثر وعيا وأكثر قدرة على الحلم والإبداع .
كان لي شرف التدخل إلى جانب دكاترة وباحثين ومهتمين بمجال السمعي البصري ،حيث تحولت القاعات إلى فضاءات مفتوحة للأسئلة الكبرى ، كيف يمكن للسينما أن تحافظ على بعدها الإنساني داخل عالم افتراضي متسارع ، كيف أصبحت التكنولوجيا جزءا من تفاصيل الصورة والصوت والكتابة، وكيف غيرت الرقمنة مفهوم التلقي والإبداع وصناعة المحتوى.
كانت المداخلات تنبض بحب الفن وبالقلق الجميل على مستقبل الأجيال القادمة،وكانت الورشات المتنوعة أشبه بنوافذ مضيئة تطل على عوالم المسرح والقراءة والسينما والتعبير الجسدي والكتابة والإبداع الرقمي ،حيث بدا التلاميذ وهم يكتشفون ذواتهم كأنهم يعيدون اكتشاف العالم للمرة الأولى.
هناك أدركت أن المدرسة ليست جدرانا وسبورات فقط بل ذاكرة تصنع المستقبل وأن الطفل الذي يمنح فرصة للتعبير قد يصبح غدا مبدعا يضيء عتمة هذا العالم،وكان واضحا أن الرهان الحقيقي لم يكن مجرد تنظيم أنشطة عابرة ، بل بناء إنسان قادر على التفكير والحلم والاختلاف الجميل.
كل الشكر والتقدير للمديرية الإقليمية ولكل الساهرين على هذا العرس الثقافي والتربوي الذين اشتغلوا بإخلاص ومحبة حتى خرجت هذه الفعاليات بصورة تليق بمدينة تؤمن بأن الثقافة والتربية جناحان لا يمكن أن يحلق أحدهما دون الآخر، تحية لكل من حضر وناقش وأطر وشارك وآمن بأن الإبداع مازال قادرا على إنقاذ أرواحنا من الضجيج
وفي النهاية بقي السؤال معلقا في داخلي،هل سنصنع مستقبلا تقود فيه التكنولوجيا الإنسان أم سنترك الإنسان يذوب داخل آلة لا تتذكر سوى الأرقام،ورغم كل شيء ظل الفن هناك واقفا مثل شمعة صغيرة تقاوم الريح وتؤمن أن الإنسان سيبقى دائما أكبر من الخوارزمية.
