الوجه الآخر لحقول “ويلبا” الإسبانية: صرخات عاملات الفراولة المنسية خلف جدار المصالح الشخصية

العرائش أنفو
الوجه الآخر لحقول “ويلبا” الإسبانية: صرخات عاملات الفراولة المنسية خلف جدار المصالح الشخصية
أمين أحرشيون
تُعيد المشاهد المؤلمة المتداولة مؤخراً في مقطع الفيديو والتي توثق لحظات نقل جثمان عاملة مغربية فارقت الحياة في حقول الفراولة بمدينة “ويلبا” (Huelva) الإسبانية وسط حسرة وصدمة زميلاتها—فتح ملف يفوح بمرارة المعاناة الإنسانية التي تكابدها هذه الفئة في جنوب غرب إسبانيا دون أن يجرؤ أحد على كسر جدار الصمت المحيط بهن. هذا المشهد، الذي يجسد فصلاً جديداً من فصول ما يُسمى “اتفاقيات عاملات الفراولة” أو الهجرة الدائرية، يطرح تساؤلات حارقة حول الشروط الحقيقية التي تعيش في ظلها هؤلاء النساء في مزارع “ويلبا” المعروفة بإنتاج “الفريسة”، ولماذا يلوذ الجميع بالصمت تجاه ملف يمتزج فيه وجع الغربة بشبهات الاستغلال وسرقة المستحقات المالية بطرق معقدة يصعب تتبع خيوطها أو معرفة كيف يُدار “اللعب الخفي” في كواليسها. ورغم أن هذه الاتفاقيات الثنائية تُسوّق علناً كنموذج للهجرة المنظمة لتوفير لقمة عيش لنساء قادمات من أوساط قروية هشة، إلا أن الواقع المرير الذي توثقه التقارير الحقوقية يكشف عن تجاوزات هيكلية تبدأ من فرض ساعات عمل إضافية غير مدفوعة، وتصل إلى ظروف سكن مهينة تسلب العاملة كرامتها الإنسانية، وهو ما يجعل هذه الممارسات تقترب في عمقها—وفق توصيف القانون الدولي—من “الاستغلال بغرض العمل القسري” الذي يُعد ركيزة أساسية من ركائز الاتجار بالبشر، حتى وإن تم إلباسه ثوب العقود الرسمية.
وفي خضم هذه الفواجع المستمرة، يتجه النقد المباشر واللاذع نحو النخب السياسية والجمعوية التي تدّعي تمثيل الجالية المغربية في إسبانيا والدفاع عن حقوقها داخل قبة البرلمان المغربي، حيث يتضح للكثير من المراقبين أن ملفات المهاجرين الحارقة تحولت لدى البعض إلى مجرد “أوراق رابحة” لتسلق المناصب وتحقيق المآرب الذاتية. وتبرز هنا المفارقة الصارخة في مسار برلمانية مغربية إسبانية، عُرف عنها سابقاً لعب دور محوري ونشيط في إقليم كتالونيا عبر تنقلها بنشاطات ثقافية وحقوقية بين مدينتي طراغونة وطراسة، وتأسيسها لجمعية حقوقية في طراغونة تدعي حماية المغاربة في كل شبر من إسبانيا؛ إذ تبين مع الوقت—بحسب قراءات نقدية للواقع—أن هذا الغطاء الحقوقي والعمل الجمعوي لم يكن سوى أداة تسلق مدروسة بعناية، وتذكرة عبور شخصية للوصول إلى مقعد وثير داخل قبة البرلمان المغربي ممثلةً لما يُعرف بـ “الجهة 13” الخاصة بمغاربة العالم. إن تلك التحركات الميدانية والدينامية بين طراغونة وطراسة لم تكن تهدف يوماً لخدمة قضايا المستضعفين أو تبني هموم عاملات الحقول، بل كانت تحركات مصلحية لنسج العلاقات وبناء التحالفات مع شركاء القرار داخل الأحزاب والجمعيات النافذة، مستغلةً علاقاتها الوثيقة وصداقتها بأحد الوزراء الإسبان المعروفين قضائياً لترسيخ نفوذها الشخصي بدل الضغط لفتح تحقيقات حقيقية.
إن غياب الإرادة السياسية والتشريعية في إثارة شبهات الاتجار بالبشر واستغلال النساء يعود بالأساس إلى هذه المنظومة المصلحية المبنية على تبادل المنافع بين سياسيين يبحثون عن تلميع صورهم وحماية أصدقائهم النافذين هنا وهناك، وبين مقاولين وشركات إسبانية في “ويلبا” تبحث عن اليد العاملة الرخيصة وتتقن التغطية على تجاوزاتها المالية عبر عقود تبدو مستوفية للشروط ظاهرياً، مستغلين جهل العاملات بحقوقهن وخوفهن الشديد من التبليغ الذي قد يحرمهن من عقود المواسم المقبلة أو يؤدي إلى ترحيلهن. ولهذا، فإن رحيل أي عاملة مغربية في بلاد الغربة—كما يظهر بوضوح في الفيديو هو إدانة صريحة وصرخة بوجه كل من تسلق على أكتاف المهاجرين واستغل مآسيهم ليصل إلى مراكز القرار، وتأكيد على أن تصحيح هذا الوضع المشين لن يأتي من برلمانيين يخدمون أجندات أصدقائهم السياسيين، بل عبر فضح هذه الممارسات الانتهازية وفرض رقابة نقابية وحقوقية مستقلة تماماً داخل الحقول لحماية دماء وعرق نساء لا يطلبن سوى عيش كريم يحفظ كرامتهن.
