إكس ليبان… حين خرج الاستعمار من الباب وعاد من النافذة

العرائش أنفو
إكس ليبان… حين خرج الاستعمار من الباب وعاد من النافذة
بقلم : محمد اعبيدو
ليس أخطر ما تتعرض له الأمم أن تُحتل أراضيها بالقوة العسكرية، بل أن يُعاد تشكيل مستقبلها من وراء الستار، وأن تُصاغ مصائرها عبر اتفاقات وترتيبات تجعل الهيمنة تستمر بأشكال جديدة بعدما يرحل المحتل عن أرضها.
ومن هذا المنظور، تظل محطة إكس ليبان واحدة من أكثر المحطات إثارة للأسئلة في التاريخ المغربي المعاصر؛ ليس لأنها أنهت مرحلة الحماية الفرنسية فحسب، بل لأنها فتحت الباب أمام نقاش عميق حول طبيعة الاستقلال الذي تحقق، وحول ما إذا كان المغرب قد استعاد سيادته كاملة أم أن جزءاً من النفوذ الاستعماري استمر بوسائل أخرى أكثر نعومة وأشد تأثيراً.
لقد قدم الشعب المغربي، من شمال البلاد إلى جنوبها، تضحيات جساماً في سبيل الحرية والاستقلال. وسقط آلاف الشهداء في ساحات المقاومة وجيش التحرير وهم يحلمون بمغرب حر، سيد على قراره، كامل السيادة، تُوجَّه فيه الثروات الوطنية لخدمة أبنائه، وتُدار شؤونه وفق مصالحه العليا، بعيداً عن كل أشكال الوصاية والتبعية الأجنبية.
غير أن كثيراً من الأصوات الوطنية ما تزال تتساءل: هل انتهى النفوذ الاستعماري فعلاً مع رحيل الإدارة الاستعمارية؟ أم أن الاستعمار خرج من الباب ليعود من النافذة؟
إن جوهر هذا التساؤل لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بالمنظومات. فالتاريخ يعلمنا أن القوى الاستعمارية لا تراهن فقط على الجيوش، بل تراهن أيضاً على المصالح الاقتصادية، وعلى النخب التي تتولى إدارة تلك المصالح بعد رحيلها.
ومن هنا يرى عدد من الباحثين والمهتمين بالشأن الوطني أن مرحلة ما بعد الاستقلال شهدت صعود فئات اجتماعية وسياسية واقتصادية ارتبطت مصالحها باستمرار النفوذ الفرنسي داخل عدد من القطاعات الحيوية، فتحول الاستقلال السياسي إلى مشروع لم يكتمل باستقلال اقتصادي وثقافي ومعرفي شامل.
لقد أصبحت اللغة والثقافة والتعليم والاقتصاد والإدارة مجالات يتجلى فيها هذا النفوذ بأشكال متعددة. فبينما كانت الجماهير تتطلع إلى بناء نموذج وطني مستقل، تشكلت تدريجياً نخب تلقت تكوينها في المؤسسات الفرنسية، واستمرت في الارتباط بالمجال الثقافي والاقتصادي الفرنسي، الأمر الذي جعل جزءاً من القرار الوطني يتحرك داخل دائرة المصالح المشتركة بين قوى داخلية نافذة ومراكز نفوذ خارجية.
والأخطر من ذلك أن هذا النفوذ لم يبق ظرفياً أو مؤقتاً، بل تحول مع مرور الزمن إلى منظومة متكاملة لإعادة إنتاج الامتيازات. فالمواقع الحساسة، والثروات الكبرى، ومراكز التأثير الثقافي والإعلامي والاقتصادي، انتقلت في كثير من الأحيان من الآباء إلى الأبناء، ومن جيل إلى جيل، حتى بدا وكأن البلاد تعيش نوعاً من التوريث غير المعلن للنفوذ والسلطة والامتياز.
وهكذا نشأت طبقة من أصحاب المصالح العابرة للحدود، بعض أفرادها يرتبطون بشبكات اقتصادية وثقافية خارجية، ويملكون من أدوات التأثير ما يجعلهم قادرين على توجيه مسارات الاقتصاد والتعليم والثقافة والإعلام بما يخدم استمرار مواقعهم ونفوذهم.
إن القضية هنا ليست قضية جنسيات أو أصول أو أسماء، وإنما قضية ولاء للمصلحة الوطنية. فالوطن لا يقاس بما يحمله الإنسان من وثائق، بل بما يحمله من إخلاص لبلده، وما يقدمه من خدمة للصالح العام، وما يتحمله من مسؤولية تجاه شعبه وتاريخه ومستقبله.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب اليوم ليس استحضار الماضي من أجل الانتقام منه، بل استحضاره من أجل فهمه وتصحيحه. فالشعوب الحية لا تخاف من مراجعة تاريخها، ولا تخشى فتح الملفات الكبرى، ولا تعتبر البحث عن الحقيقة نوعاً من التمرد، بل تعتبره شرطاً من شروط البناء الديمقراطي والنهضة الوطنية.
إن المطلوب اليوم هو تحرير الإرادة الوطنية من كل أشكال الارتهان، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وإصلاح منظومة التعليم بما يجعلها أكثر ارتباطاً بهوية المغرب وحاجاته التنموية، وترسيخ ثقافة الاستحقاق والكفاءة بدل ثقافة الامتيازات الموروثة، وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز أو احتكار.
كما أن من حق الأجيال الجديدة أن تطالب بفتح الأرشيفات التاريخية المرتبطة بالمرحلة الاستعمارية ومرحلة الانتقال إلى الاستقلال، حتى يعرف المغاربة حقيقة ما جرى، بعيداً عن الأساطير السياسية، وبعيداً عن التقديس الأعمى أو الشيطنة المطلقة.
فالحقيقة لا تهدد الأوطان، بل تحميها.
والمصارحة لا تضعف الدول، بل تقويها.
أما الصمت عن الأسئلة الكبرى فإنه لا يلغيها، وإنما يؤجلها.
إن المغرب الذي حلم به المقاومون والشهداء هو مغرب السيادة والكرامة والعدالة والحرية والتنمية. مغرب يكون فيه القرار الوطني نابعاً من المصلحة الوطنية وحدها، وتكون فيه الثروة الوطنية في خدمة جميع المواطنين، ويكون فيه التعليم والثقافة والاقتصاد أدوات لبناء المستقبل لا وسائل لإعادة إنتاج التبعية.
لقد تغير العالم، وتغيرت موازين القوى، وأصبحت الشعوب أكثر وعياً بفضل ثورة المعرفة والمعلومات. وما كان يخفى بالأمس أصبح قابلاً للنقاش اليوم، وما كان يعتبر من المحرمات السياسية أصبح موضوعاً مشروعاً للبحث والدراسة والحوار.
إن المستقبل لا يصنعه الحنين إلى الماضي، ولا تصنعه الأحقاد، بل تصنعه الحقيقة والوعي والإرادة الوطنية الصادقة.
ولهذا فإن المعركة الكبرى التي تنتظر الأجيال الحالية والقادمة ليست معركة ضد أشخاص أو فئات، وإنما معركة من أجل استكمال شروط الاستقلال الحقيقي؛ استقلال الإرادة، واستقلال القرار، واستقلال الاقتصاد، واستقلال المعرفة.
فذلك هو الوفاء الحقيقي لتضحيات الشهداء، وذلك هو المعنى العميق للسيادة الوطنية، وذلك هو الطريق نحو مغرب قوي، عادل، متضامن، ومتصالح مع تاريخه، وواثق من مستقبله.
