ads980-90 after header
الإشهار 1

تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا… بين إرث الماضي الاستعماري وصعود الشراكات الجديدة: أين يتموقع المغرب في التحولات الكبرى؟

الإشهار 2

العرائش أنفو

تراجع النفوذ الفرنسي في إفريقيا… بين إرث الماضي الاستعماري وصعود الشراكات الجديدة: أين يتموقع المغرب في التحولات الكبرى؟

بقلم: محمد اعبيدو

تشهد القارة الإفريقية اليوم لحظة تاريخية فارقة، لحظة تتجاوز حدود الخلافات الدبلوماسية العابرة، لتلامس جوهر العلاقة بين إفريقيا والقوى الاستعمارية السابقة، وفي مقدمتها فرنسا. فقرار بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية مع باريس، بعد خطوات مشابهة اتخذتها دول أخرى في منطقة الساحل، يعكس تحولاً سياسياً واستراتيجياً عميقاً، ويثير تساؤلات حول مستقبل النفوذ الفرنسي في القارة، وحول ملامح النظام الإفريقي الجديد.

غير أن قراءة هذه التحولات لا تكتمل دون العودة إلى التاريخ. فقد ارتبط الوجود الاستعماري الفرنسي في أجزاء واسعة من إفريقيا بفترة اتسمت بالسيطرة السياسية والاقتصادية، واستغلال الموارد الطبيعية، وفرض أنماط من الإدارة والاقتصاد تركت آثاراً طويلة الأمد. ويشير كثير من الباحثين والمؤرخين إلى أن هذا الإرث لا يزال حاضراً في النقاشات الإفريقية المعاصرة، وإن كانت تقييماته تختلف باختلاف المدارس التاريخية والسياسية.

واليوم، ترتفع في عدد من العواصم الإفريقية أصوات تدعو إلى إعادة بناء العلاقات الدولية على أساس السيادة الكاملة، والندية، والاحترام المتبادل، بما يضمن للدول الإفريقية حرية اختيار شركائها ومساراتها التنموية.

لكن وسط هذه التحولات، يبرز نموذج مغاير في شمال إفريقيا، هو المملكة المغربية، التي اختارت، بقيادة جلالة الملك محمد السادس محمد السادس، نهجاً يقوم على بناء الشراكات لا على صناعة المحاور، وعلى التعاون لا المواجهة، وعلى الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الثروات.

لقد جعل المغرب من العمق الإفريقي خياراً استراتيجياً ثابتاً، وليس مجرد توجه ظرفي. فالحضور المغربي في إفريقيا لم يُبنَ على منطق الهيمنة أو البحث عن النفوذ، وإنما على مشاريع للتنمية، والاستثمار، والتكوين، والتعاون الاقتصادي، وتبادل الخبرات، بما يحقق المنفعة المشتركة ويحترم سيادة الدول.

غير أن ما يمنح التجربة المغربية خصوصيتها لا يقتصر على البعد الاقتصادي أو الدبلوماسي، بل يمتد إلى بعدها الروحي والإنساني.

ففي عالم تتصاعد فيه خطابات التطرف والكراهية والانقسام، تواصل إمارة المؤمنين بالمغرب أداء دورها في ترسيخ الإسلام الوسطي المعتدل، القائم على الرحمة والمحبة والاعتدال واحترام كرامة الإنسان، دون تمييز أو إقصاء.

ومن خلال تكوين الأئمة والمرشدين، وتعزيز التعاون الديني مع عدد من الدول الإفريقية، يسهم المغرب في نشر قيم الوسطية والاعتدال، ومواجهة الفكر المتطرف، وترسيخ ثقافة السلام والحوار والتعايش بين الأديان والثقافات، انطلاقاً من الإرث الروحي العريق الذي تمثله المدرسة المالكية والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.

لقد أدرك المغرب أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل يبدأ من بناء الإنسان، وإحياء الضمير، وصون الكرامة، وترسيخ ثقافة التسامح. ولذلك أصبحت الدبلوماسية الروحية المغربية إحدى أهم أدوات التقارب مع الشعوب الإفريقية، لأنها تخاطب الإنسان قبل المؤسسات، والقلب قبل المصالح.

وفي الوقت الذي تعيد فيه قوى دولية عديدة رسم خرائط نفوذها في إفريقيا، يقدم المغرب رؤية مختلفة، عنوانها أن مستقبل القارة لا ينبغي أن يقوم على استبدال نفوذ بنفوذ، بل على تمكين الشعوب الإفريقية من بناء مستقبلها بإرادتها الحرة، وبشراكات عادلة ومتوازنة.

إن إفريقيا اليوم لا تطالب بإعادة كتابة تاريخها فحسب، بل بصناعة مستقبلها أيضاً. ومستقبل القارة لن يبنى على استحضار جراح الماضي وحدها، بل على تحويل دروس التاريخ إلى قوة دافعة للتنمية والوحدة والتكامل.

ولذلك، فإن التحولات التي تشهدها القارة ليست مجرد تراجع لنفوذ قوة دولية، بل هي تعبير عن ميلاد وعي إفريقي جديد، يرفع راية السيادة، ويؤمن بأن الثروات الإفريقية يجب أن تكون في خدمة شعوبها، وأن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

وفي هذا المشهد المتغير، يواصل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، ترسيخ حضوره الإفريقي من خلال رؤية تجمع بين السياسة والاقتصاد، وبين التنمية والبعد الروحي والإنساني، لتؤكد أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد القواعد العسكرية، ولا بحجم المصالح الاقتصادية وحدها، بل بقدرة الدول على كسب ثقة الشعوب، واحترام سيادتها، والمساهمة في بناء السلام والاستقرار والازدهار.

وهكذا، تقف إفريقيا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، لا يكون فيها الماضي الاستعماري منطلقاً للأحقاد، ولا الحاضر ساحةً لصراعات النفوذ، بل يكون المستقبل فضاءً لشراكات متوازنة، ولتعاون يقوم على الكرامة الإنسانية، والعدالة، والاحترام، والتنمية المشتركة، حتى تبقى القارة السمراء قارةً للحياة والأمل، لا ساحةً للتنافس على الثروات.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5