حين تُغتال الثروة السمكية في المهد… من يحمي مستقبل البحر؟

العرائش أنفو
حين تُغتال الثروة السمكية في المهد… من يحمي مستقبل البحر؟
شهد ميناء العرائش، صباح اليوم الاثنين،29يونيو 2026 تدخلاً للدرك الملكي البحري، بتنسيق مع مصالح المندوبية الإقليمية للصيد البحري، أسفر عن حجز عدد من مراكب الصيد التقليدي، بعد ضبطها وهي تقوم بصيد كميات من سمك السردين صغير الحجم، في مخالفة صريحة للقوانين المنظمة لقطاع الصيد البحري، وللضوابط التي وُضعت لحماية الثروة السمكية وضمان استدامتها.
ورغم أهمية هذه العملية، فإنها تعيد إلى الواجهة سؤالاً مؤرقاً: إلى متى سيستمر استنزاف البحر قبل أن نستوعب أن حماية الثروة السمكية ليست خياراً، بل قضية أمن غذائي واقتصادي ووطني؟
إن صيد الأسماك الصغيرة ليس مجرد مخالفة إدارية، بل هو اعتداء على دورة الحياة البحرية بأكملها. فالسمكة الصغيرة التي تُنتزع من البحر قبل أن تبلغ مرحلة التكاثر تعني ضياع آلاف الأسماك في المستقبل، وتعني إفقار البحر، وحرمان الأجيال القادمة من مورد رزق كان ينبغي أن يبقى متجدداً.
إن البحر ليس منجماً يُستنزف، بل أمانة في أعناق الجميع. وما نشهده من تكرار عمليات صيد الأسماك صغيرة الحجم، سواء السردين أو غيره من الأنواع، يدل على أن بعض ضعاف النفوس ما زالوا يفضلون الربح السريع على حساب مستقبل الوطن وثرواته الطبيعية.
ولا يمكن أن تتحمل السلطات وحدها مسؤولية حماية البحر، فالمسؤولية مشتركة بين المهنيين، والبحارة، وأرباب المراكب، والوسطاء، والأسواق، والمستهلكين، والمجتمع المدني، والإعلام. فكل حلقة تتهاون في أداء واجبها تساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرار هذا النزيف البيئي والاقتصادي.
ومن هنا، فإن عملية الحجز التي نُفذت اليوم تستحق التقدير، لكنها ينبغي أن تكون جزءاً من رؤية شاملة تقوم على:
– تشديد المراقبة داخل البحر والموانئ ونقط التفريغ.
– التطبيق الصارم للقانون دون أي تمييز أو تساهل.
– تكثيف حملات التوعية لفائدة البحارة والمهنيين حول مخاطر صيد الأسماك الصغيرة.
– مراقبة مسارات تسويق هذه الأسماك، لأن وجود مشترين يشجع على استمرار هذه الممارسات.
– تعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والإدارية والرقابية لحماية الثروة البحرية.
إن مدينة العرائش، بتاريخها البحري العريق، تستحق أن تكون نموذجاً في الصيد المسؤول، لا أن تتحول إلى محطة يتكرر فيها استنزاف الموارد البحرية. فالبحر الذي منح الخير لأجيال متعاقبة يحتاج اليوم إلى من يرد له الجميل بالحماية والرعاية.
إن حماية الثروة السمكية ليست دفاعاً عن السمك فقط، بل دفاع عن لقمة عيش آلاف الأسر، وعن الاقتصاد الوطني، وعن التوازن البيئي، وعن حق أطفالنا وأحفادنا في بحر غني بالحياة والخير.
فليكن ما حدث اليوم رسالة واضحة للجميع: لا مستقبل لقطاع الصيد البحري دون احترام القانون، ولا تنمية مستدامة مع استمرار صيد الأسماك الصغيرة، ولا وفاء للوطن إلا بصون ثرواته وحماية خيراته.
فالبحر لا يطلب الكثير… إنه فقط يطلب أن نترك للحياة فرصةً كي تستمر، وللأسماك فرصةً كي تكبر، وللوطن فرصةً كي يحفظ ثرواته للأجيال القادمة.
