طنجة… المدينة التي يصعب مغادرتها : حين تتحول “عروس الشمال” إلى اختيار عائلي دائم

العرائش أنفو
طنجة… المدينة التي يصعب مغادرتها : حين تتحول “عروس الشمال” إلى اختيار عائلي دائم

لم تعد مدينة طنجة مجرد محطة مهنية للمسؤولين أو الموظفين الذين يُعيّنون بها لفترات محددة، بل أصبحت بالنسبة لكثير من الأسر فضاءً للاستقرار ونمطًا للحياة يصعب التخلي عنه. ومع كل حركة انتقال أو تنقيل إداري نحو مدن أخرى، تتكرر قصص لعائلات اختارت البقاء في طنجة، حتى وإن اضطر رب الأسرة إلى مباشرة عمله في مدينة أخرى.

وتتحدث مصادر متطابقة عن حالات فضلت فيها زوجات مسؤولين وموظفين عدم مرافقة أزواجهن بعد صدور قرارات تنقيلهم، وكثيرا ما وصل الحال إلى الطلاق، مبررات ذلك بما توفره طنجة من جودة عيش، ومناخ معتدل، وبنيات تعليمية وصحية، إلى جانب موقعها الجغرافي المطل على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وما تمنحه المدينة من فرص اجتماعية واقتصادية لأفراد الأسرة.

وفي طنجة قصص كثيرة ،حين تعود الأحلام مكسورة.. قصص فتيات غادرن طنجة صغيرات وعدن إليها بحثًا عن حياة جديدة، قصصًا إنسانية متباينة. فمن بين من غادرها في طفولته رفقة أسرته بعد انتقال الآباء إلى مدن داخلية، من عاد إليها بعد سنوات وهو يحمل حلمًا ببداية جديدة، لكن الواقع لم يكن دائمًا كما تمنّى.
وتكشف شهادات اجتماعية أن بعض الفتيات اللواتي عدن إلى المدينة بعد بلوغهن سن الرشد وجدن أنفسهن في أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، دفعت بعضهن إلى السقوط في شبكات الاستغلال أو ممارسة الدعارة في بعض الفضاءات المعروفة بالمدينة، في مشهد يعكس هشاشة اجتماعية أكثر مما يعكس اختيارًا حرًا.

ويرى مختصون أن هذه الحالات، مهما كان عددها، تستدعي تعزيز سياسات الإدماج الاجتماعي، وتوفير فرص الشغل والدعم النفسي، إلى جانب محاربة شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر، حفاظًا على كرامة النساء وصورة المدينة.

وتبقى طنجة، رغم هذه القصص المؤلمة، مدينة للأمل والفرص، وهو ما يجعل معالجة مثل هذه الظواهر مسؤولية جماعية تتطلب مقاربة اجتماعية وتنموية شاملة.

ويرى متابعون أن التحولات التي عرفتها طنجة خلال العقدين الأخيرين جعلتها من أكثر المدن المغربية استقطابًا للسكان، بعد المشاريع الكبرى التي شهدتها في مجالات الصناعة والاستثمار والسياحة والبنيات التحتية، وهو ما انعكس على جاذبيتها كمدينة للإقامة والاستقرار.

ولا يقتصر الأمر على الموظفين والمسؤولين، بل يمتد أيضًا إلى بعض الأسر التي ارتبط أحد أفرادها بمسؤوليات رسمية داخل المدينة. فبعد انتهاء تلك المهام أو انتقال المسؤول إلى مدينة أخرى، تفضل بعض العائلات، بحسب روايات متداولة، البقاء في طنجة، خاصة عندما يكون الأبناء قد استقروا في مدارسهم أو جامعاتهم، أو أصبحت الأسرة مرتبطة بعلاقات اجتماعية ومهنية داخل المدينة.

وتاريخيًا، ارتبط اسم طنجة بكونها مدينة ذات سحر خاص، استقطبت عبر القرون أدباء وفنانين ودبلوماسيين ورجال أعمال من مختلف أنحاء العالم، حتى أطلق عليها العديد من الأوصاف التي تعكس مكانتها، من بينها “عروس الشمال” و”بوابة إفريقيا نحو أوروبا”. ويعتبر كثيرون أن هذا الإرث التاريخي، إلى جانب المؤهلات الطبيعية والاقتصادية، يفسر تعلق عدد كبير من المقيمين بها وصعوبة اتخاذ قرار مغادرتها.


ويؤكد مختصون في علم الاجتماع أن الاستقرار الأسري لم يعد مرتبطًا فقط بمكان عمل رب الأسرة، بل أصبح يتأثر بعوامل متعددة، منها جودة الحياة، ومستوى الخدمات، وفرص التعليم، والاندماج الاجتماعي، وهي عناصر تدفع العديد من الأسر إلى تفضيل البقاء في المدينة التي اعتادت العيش فيها، حتى وإن استدعى الأمر تنقل أحد أفرادها بشكل دوري بين مقر العمل ومقر الإقامة….خاصة مع ظهور القطار الفائق السرعة.
وهكذا، تواصل طنجة تكريس صورتها كمدينة تستقطب القلوب قبل الاستثمارات، وتحتفظ بسكانها قبل زوارها، لتظل بالنسبة لكثيرين أكثر من مدينة… إنها أسلوب حياة يصعب التفريط فيه.
كادم بوطيب
