بني عروس… أرض الأشراف وموطن الأولياء وحيث تُكتب أسماء الرجال في سجل الخلو

العرائش أنفو
بني عروس… أرض الأشراف وموطن الأولياء وحيث تُكتب أسماء الرجال في سجل الخلو
بقلم : محمد اعبيدو
هناك بقاع يمر عليها الزمن، وهناك بقاع تصنع الزمن.
وهناك أوطان تُعرف بحدودها، وأوطان تُعرف برجالها. أما بني عروس، فهي من تلك الأرض التي لم تصنع مجدها السيوف ولا القصور، وإنما صنعته القلوب العامرة بالإيمان، والرجال الذين باعوا الدنيا طلباً لرضوان الله، حتى أصبحت منارة للعلم والولاية، ومهوى أفئدة المحبين، ومفخرة للمغرب عبر العصور.
إن بني عروس ليست مجرد قبيلة في شمال المملكة المغربية، بل هي أرض الأشراف العلميين، وأرض أولياء الله الصالحين، وأرض تمتزج فيها قداسة التاريخ بجلال الطبيعة، حيث تتعانق الجبال والغابات والينابيع مع النفحات الإيمانية التي ما تزال تعبق بها ربوعها إلى يوم الناس هذا.
ومن هذه الأرض المباركة بزغ نور القطب الرباني، والعارف بالله، مولانا سيدي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، الذي أصبح مدرسة روحية خالدة، ومنه استمد الإمام أبو الحسن الشاذلي، وسائر رجال الطريقة الشاذلية، أنوار التربية والإحسان، لتنتشر رسالته في مشارق الأرض ومغاربها، قائمة على محبة الله ورسوله، وعلى تزكية النفوس، وإحياء معاني الرحمة والتواضع والإخلاص.
وقبل ذلك بقرون، شاء الله أن تستقر بهذه الربوع أسرة شريفة مباركة، يتقدمها الولي الصالح الشريف سيدي أحمد مزوار بن علي حيدرة الإدريسي الحسني، الجد الأكبر للشرفاء العلميين، والجد الأعلى لمولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه.
وتذكر المصادر التاريخية أن سيدي أحمد مزوار غادر مدينة فاس في مطلع القرن الرابع الهجري، هرباً من الاضطرابات السياسية التي استهدفت الأشراف، حتى استقر في قلعة حجر النسر، وهي قلعة تاريخية تقع بقبيلة سوماتة، وتبعد بحوالي ثلاثين كيلومتراً عن جبل العلم، حيث يوجد اليوم الضريح المبارك للقطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه. وقد شكل هذان المكانان، على امتداد التاريخ، معلمين بارزين في الذاكرة الروحية والعلمية لشمال المغرب.
وفي تلك القلعة المنيعة عاش سيدي أحمد مزوار حياة الزهد والورع والعفاف، بعيداً عن صخب الدنيا، منشغلاً بتربية أبنائه على مكارم الأخلاق، حتى أصبحت أسرته منارة للشرف والعلم والصلاح.
وتتناقل الأجيال في بني عروس رواية شعبية جميلة تفسر سبب تسمية القبيلة بهذا الاسم، وهي رواية متجذرة في الذاكرة المحلية، وإن كان الباحثون لا يجمعون على أنها التفسير التاريخي الوحيد للتسمية.
وتحكي الرواية أن أعيان القبيلة قصدوا سيدي أحمد مزوار في قلعة حجر النسر، يلتمسون منه أن يختار لهم أحد أبنائه ليتولى تدبير شؤون القبيلة، لما لمسوه في هذا البيت الشريف من حكمة وعدل وتقوى، ومحبة صادقة لآل بيت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجمع الولي الصالح أبناءه، وسألهم سؤالاً صار درساً خالداً في الأخلاق والسياسة والحكمة:
“من أحسن إليكم، ماذا تصنعون؟ ومن أساء إليكم، كيف يكون جوابكم؟”
فاختلفت الأجوبة، حتى جاء دور ابنه سلام، وكان في تلك الأيام على أهبة الزواج، أي عريساً.
فقال سلام:
“من أحسن إليّ، ضاعفت له الإحسان، ومن أساء إليّ، قابلت إساءته بالإحسان، حتى يغلب خيري شره، وتنتصر الرحمة على الكراهية، ويعلو الصفح على الانتقام.”
فأشرق وجه الأب، وعلم أن القيادة الحقيقية لا تقوم على البطش، وإنما على الأخلاق، وأن أعظم من يقود الناس هو من يقود نفسه أولاً.
ثم التفت إلى أعيان القبيلة وقال:
“إني أهديت إليكم ابني عروساً، فخذوه ليسوس أموركم بالعدل والإحسان.”
ومنذ ذلك اليوم، ووفق هذه الرواية المتوارثة، عرفت القبيلة باسم بني عروس، ليبقى الاسم عنواناً للمحبة، ورمزاً لقيادة أساسها الرحمة والعدل وحسن الخلق.
وسواء أكانت هذه الرواية تمثل الأصل التاريخي للاسم أم كانت من المرويات الشعبية التي حفظها وجدان الناس، فإنها تعكس حقيقة ثابتة، وهي أن هذه الأرض قامت على احترام العلم، وتعظيم الأشراف، وتقديم أهل الصلاح والفضيلة لخدمة المجتمع.
واليوم، وبعد مرور قرون طويلة، ما تزال بني عروس تحمل رسالة حضارية وروحية عظيمة، لكنها تحتاج إلى عناية أكبر بتراثها المادي واللامادي. فمن الواجب تثمين قلعة حجر النسر، وتأهيلها باعتبارها معلماً تاريخياً، وربطها بمسار ثقافي وروحي مع جبل العلم، والعناية بالموروث الشفهي للمنطقة، وتشجيع الدراسات الأكاديمية حول تاريخ الشرفاء العلميين، وإنشاء مراكز للتوثيق والبحث، وتنمية السياحة الروحية والبيئية والثقافية بما يحفظ أصالة المكان ويعود بالنفع على ساكنته.
إن بني عروس ليست مجرد صفحة من الماضي، بل هي رسالة للمستقبل؛ رسالة تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ بالأخلاق، وأن المجتمعات لا تنهض إلا بالعدل والعلم والإحسان، وأن محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ولا تزال من أعظم الروابط التي جمعت المغاربة عبر التاريخ.
سلام على بني عروس… أرض الأشراف، وأرض الأولياء، وأرض البركة، وأرض الرجال الذين كتبوا تاريخهم بأعمالهم، لا بأسمائهم، وجعلوا من المحبة منهجاً، ومن الإحسان طريقاً، ومن خدمة الناس عبادة يتقربون بها إلى الله تعالى.
