ads980-90 after header
الإشهار 1

العرائش و”اللونخة”.. حين يصبح السمك بعيدًا عن موائد أبناء المدينة

الإشهار 2

العرائش أنفو

العرائش و”اللونخة”.. حين يصبح السمك بعيدًا عن موائد أبناء المدينة

بقلم محمد اعبيدو

يتجه المغرب اليوم إلى إرساء إطار قانوني جديد لتنظيم تجارة المنتجات البحرية بالجملة، من خلال مشروع القانون رقم 36.23، الذي يشكل محطة مهمة لإعادة هيكلة قطاع طالما ظل يشكو من اختلالات بنيوية أثرت على المنتج والمستهلك على حد سواء. ويهدف المشروع إلى توسيع نطاق التنظيم ليشمل جميع المنتجات البحرية، وإحداث نظام جديد للترخيص، وتشديد المراقبة، ورفع العقوبات على المخالفين، في خطوة تروم تعزيز الشفافية ومحاربة كل أشكال المضاربة والاحتكار.

غير أن هذا الإصلاح التشريعي لن يحقق أهدافه الحقيقية ما لم يلامس واقع أسواق السمك المحلية، وفي مقدمتها سوق الجملة للسمك بمدينة العرائش، المعروف لدى ساكنة المدينة باسم “اللونخة”، والذي يمثل جزءًا من ذاكرة العرائش الاقتصادية والاجتماعية، ورمزًا لارتباط أهل المدينة بالبحر الذي عاشوا من خيراته عبر الأجيال.

لقد كانت “اللونخة” في الماضي فضاءً يضمن لتجار السمك المحليين حصصًا من المنتوج البحري بأثمان تفضيلية، تراعي القدرة الشرائية لساكنة العرائش، وتضمن وصول السمك الطازج إلى موائد الأسر بأسعار معقولة، انسجامًا مع خصوصية المدينة باعتبارها إحدى أهم الحواضر البحرية بالمغرب.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل يثير القلق. فتكاثر المضاربين، وتعدد الوسطاء، وغياب آليات ناجعة للحد من السمسرة، جعل أسعار السمك ترتفع بصورة غير مبررة، حتى أصبحت العرائش، وهي المدينة التي يجاورها البحر وتستقبل سفن الصيد يوميًا، تعرف أثمانًا تفوق أحيانًا مدنًا بعيدة عن مصادر الإنتاج.

إن تعدد الوسطاء لا يضيف أي قيمة حقيقية للمنتوج، بل يضيف فقط حلقات جديدة من الأرباح على حساب المواطن البسيط. فكل وسيط يرفع الثمن، حتى يصل السمك إلى المستهلك وقد أثقلته المضاربات، بينما يظل الصياد يعاني، ويظل المواطن هو الحلقة الأضعف الذي يؤدي فاتورة هذا الخلل.

إن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على تغيير النصوص القانونية، بل يقتضي إعادة الاعتبار لأسواق الجملة، وإخضاعها لحكامة شفافة، والحد من هيمنة المضاربين، وضمان الأولوية لتجار المدينة، وتشجيع البيع المباشر، وتكثيف المراقبة، حتى تصل خيرات البحر إلى المواطنين بأسعار عادلة تحفظ كرامتهم وقدرتهم الشرائية.

فالعرائش، التي طالما كانت مدينة البحر والصيد، لا يليق بها أن يصبح السمك فيها سلعة فاخرة يعجز الكثير من أبنائها عن اقتنائها. وليس من المقبول أن يعيش سكان مدينة بحرية على وقع أسعار تفوق مدنًا لا تطل على البحر.

إن مشروع القانون الجديد يمثل فرصة تاريخية لتصحيح هذا الوضع، وإعادة الثقة إلى قطاع تجارة المنتجات البحرية، وترسيخ مبدأ العدالة التجارية، حتى تتحقق الغاية النبيلة من الإصلاح، وهي حماية المستهلك، وصون حقوق المهنيين، وضمان أن تبقى خيرات البحر في متناول أبناء الوطن، لا رهينة للمضاربة والاحتكار والوساطة المفرطة.

فالسمك ليس مجرد سلعة تباع وتشترى، بل هو نعمة من نعم الله، وثروة وطنية ينبغي أن يستفيد منها الجميع بعدل وإنصاف، وأن تظل “اللونخة” بالعرائش عنوانًا للرزق الكريم، لا رمزًا لغلاء الأسعار ومعاناة المواطنين.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5