بين السياسة وكرة القدم… حين تترك الهزيمة غصة أكبر من نتيجة مباراة

العرائش أنفو
بين السياسة وكرة القدم… حين تترك الهزيمة غصة أكبر من نتيجة مباراة
بقلم: محمد اعبيدو
لم تكن هزيمة المنتخب المغربي أمام فرنسا في ربع نهائي كأس العالم 2026 مجرد خسارة في مباراة لكرة القدم بالنسبة إلى ملايين المغاربة، بل كانت لحظة مشحونة بالمشاعر والرمزية، أعادت إلى الأذهان ذكريات نصف نهائي مونديال قطر 2022، حين توقف الحلم المغربي مرة أخرى أمام المنتخب الفرنسي.
ولعل ما زاد من حجم التساؤلات هو تزامن الإعلان عن الزيارة الرسمية لرئيس الحكومة الفرنسية إلى المغرب، والمقررة يومي 15 و16 يوليوز، مع أجواء هذه المباراة التي استأثرت باهتمام الرأي العام. فمن الطبيعي أن يثير هذا التزامن نقاشاً واسعاً لدى المتابعين، غير أن الإعلان عن زيارة دبلوماسية أو توقيتها لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وجود علاقة بنتيجة مباراة كرة القدم. فالأحداث السياسية والرياضية تسير عادة وفق مسارات مستقلة، ولا ينبغي الخلط بينهما دون معطيات أو أدلة.
لكن الحقيقة الأخرى، التي لا يمكن إنكارها، هي أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة. إنها أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية للشعوب، ومن وجدان الأمم، ومن صورة الدول أمام العالم. ولذلك فإن بعض المباريات تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، وتتحول إلى لحظات تختلط فيها الرياضة بالتاريخ، والعاطفة بالهوية، والإنجاز الوطني بالإحساس الجماعي بالفخر أو بالألم.
لقد دخل المنتخب المغربي هذه البطولة وهو يحمل أحلام شعب بأكمله. منتخب يضم نجوماً يتألقون في أكبر الأندية الأوروبية، وجهازاً تقنياً محترماً، وجماهير استثنائية لا تتوقف عن الإيمان. ولهذا جاءت الهزيمة قاسية، ليس لأن المغرب خسر مباراة فقط، بل لأن الجميع كان يؤمن بأن هذا الجيل قادر على الذهاب بعيداً، وربما إلى أبعد نقطة في تاريخ الكرة المغربية.
الهزيمة أمام فرنسا تحمل أيضاً حملاً رمزياً خاصاً في وجدان كثير من المغاربة، بالنظر إلى التاريخ المشترك بين البلدين. غير أن المنافسة الرياضية ينبغي أن تبقى في إطارها الرياضي، فلا يتحول الخصم في الملعب إلى خصم في العلاقات بين الدول، ولا تُختزل العلاقات السياسية والثقافية والاقتصادية في نتيجة مباراة، مهما كانت مؤلمة.
ورغم مرارة الخروج، فإن الحقيقة التي لا يمكن أن تمحوها نتيجة واحدة هي أن المغرب أصبح رقماً صعباً في كرة القدم العالمية. فالمنتخب المغربي لم يعد ذلك الفريق الذي يشارك من أجل المشاركة، بل أصبح منافساً يحسب له الجميع ألف حساب. وهذا التحول لم يأت صدفة، وإنما هو ثمرة سنوات من العمل والتكوين والاستثمار في البنية الرياضية.
ومع ذلك، فإن هذه الخسارة يجب أن تكون مناسبة لطرح أسئلة رياضية هادئة ومسؤولة: هل استثمر المنتخب جميع إمكاناته؟ هل كانت الاختيارات التقنية والتكتيكية في مستوى التطلعات؟ هل استُغلت جودة اللاعبين بأفضل صورة؟ وكيف يمكن تحويل هذا الجيل الذهبي إلى مشروع دائم لا يتوقف عند بطولة واحدة؟
إن الأمم الكبرى لا تُقاس بعدد انتصاراتها فقط، وإنما أيضاً بطريقة تعاملها مع لحظات الانكسار. والهزائم، مهما كانت موجعة، قد تكون بداية لمراجعات عميقة تفتح الطريق أمام نجاحات أكبر.
أما الجماهير المغربية، فقد منحت العالم درساً جديداً في الوفاء والانتماء. فقد وقفت خلف منتخبها في السراء والضراء، وآمنت بالحلم حتى اللحظة الأخيرة. ومن حقها اليوم أن تشعر بالحزن، وأن تعبر عن ألمها، لأن من يحب بصدق يتألم بصدق.
قد يقرر بعض المشجعين الابتعاد عن متابعة بقية مباريات كأس العالم، لأن وقع الخروج كان ثقيلاً على نفوسهم. وهذا شعور إنساني مفهوم. لكن ما يبقى هو أن الانتماء الحقيقي لا ينتهي مع صافرة النهاية، وأن دعم المنتخب لا يرتبط فقط بلحظات الانتصار، بل يمتد أيضاً إلى أوقات الخيبة.
ويبقى الأمل قائماً في المستقبل. فالمغرب يمتلك المواهب، ويمتلك الإرادة، ويمتلك طموح شعب لا يقبل إلا أن يرى رايته بين الكبار. وربما تكون هذه الهزيمة صفحة مؤلمة، لكنها ليست نهاية الحكاية، بل فصل جديد من مسيرة منتخب صنع لنفسه مكانة محترمة بين عمالقة العالم.
فالكرة قد تخذل، لكن الأوطان لا تُقاس بنتيجة مباراة. والأحلام قد تتعثر، لكنها لا تموت. وسيظل المغرب، بتاريخ شعبه، وإرادة شبابه، وإيمان جماهيره، قادراً على النهوض من جديد، لأن الأمم العظيمة لا تُهزم بخسارة رياضية، بل تنهض في كل مرة أكثر قوة، وأكثر عزيمة، وأكثر إصراراً على كتابة مستقبلها بيدها.
