ads980-90 after header
الإشهار 1

حين تختبر الأزمات معنى الانتماء

شمال المغرب بين ذاكرة الريف وجبالة وأسئلة الولاء والمال العام

الإشهار 2

العرائش أنفو

حين تختبر الأزمات معنى الانتماء

شمال المغرب بين ذاكرة الريف وجبالة وأسئلة الولاء والمال العام

بقلم: محمد اعبيدو

ليست كل اللقاءات العابرة عابرة في معناها. فبعض اللقاءات تأتي في لحظة تبدو عادية، ثم تترك في النفس أسئلة ثقيلة، وتفتح أبوابًا من التفكير في الوطن والتاريخ والذاكرة والانتماء ، مساء الخميس 20 غشت 2026، بمدينة العرائش، التقيت صدفة بأحد الأشخاص المغاربة الحاملين للجنسية المغربية والإسبانية، وهو إمام مسجد بمدينة مدريد، كان يمكن أن ينتهي اللقاء كما تبدأ وتنتهي لقاءات كثيرة، لولا أن الحديث انتقل إلى قضايا تتجاوز الأشخاص، وتتصل بتاريخ المغرب، وبالخصوص تاريخ شمال المغرب، من الريف إلى جبالة، وبالأحداث الأخيرة المرتبطة بالهجرة الجماعية، وبصورة المغرب في الخارج، وبالدعم الذي تقدمه المؤسسات المغربية لبعض الأطر والمؤسسات الدينية خارج الوطن، ومن هنا بدأت الأسئلة ، لم تكن أسئلة خصومة.

ولم تكن رغبة في إدانة شخص ، كانت أسئلة وطنية، وإنسانية، وتاريخية، وأخلاقية، أسئلة أعتقد أن من حق كل مغربي أن يطرحها.

شمال المغرب… ذاكرة لا يجوز أن تموت

حين نقول شمال المغرب، فإننا لا نتحدث عن جغرافيا صامتة ،نتحدث عن ذاكرة حية ،نتحدث عن الريف وجبالة، عن جبال وقرى ومدن وقبائل حملت عبر التاريخ معنى المقاومة والصمود والدفاع عن الأرض والكرامة ، نتحدث عن العرائش وطنجة وتطوان وشفشاون ووزان، وعن الحسيمة والناظور ومختلف مناطق الريف، وعن فضاء جبالة الذي ظل شاهدًا على مراحل تاريخية عميقة من تاريخ المغرب ،هذه الأرض لم تكن هامشًا في التاريخ المغربي، كانت دائمًا في قلبه ، ومن ترابها خرج رجال ونساء قاوموا الاحتلال، ودفعوا أثمانًا باهظة من أجل أن تبقى راية الوطن مرفوعة ، ولهذا فإن ذاكرة شمال المغرب ليست ملكًا لجيل واحد ، إنها أمانة في أعناقنا جميعًا.

الأسلحة الكيميائية… من حق الذاكرة أن تسأل

خلال حديثي مع الإمام، طرحت سؤالًا حول ملف الانتهاكات التي شهدها شمال المغرب خلال الحقبة الاستعمارية الإسبانية، ولا سيما ما ارتبط تاريخيًا بما تورد المصادر والدراسات حول استخدام الأسلحة الكيميائية والغازات السامة خلال حرب الريف ،كان سؤالي: هل آن الأوان لكي يحظى هذا الملف بما يستحقه من بحث علمي وأرشيفي وتاريخي؟ إن طرح هذا السؤال لا يعني الدعوة إلى الكراهية ، ولا يعني تحميل أجيال اليوم مسؤولية أفعال الماضي ، ولا يعني الرغبة في الانتقام ، بل يعني ببساطة: أن للشعوب حقًا في معرفة تاريخها ، وأن للضحايا حقًا في أن تبقى ذاكرتهم حاضرة ، وأن المصالحة بين الدول لا ينبغي أن تعني محو الذاكرة ،يمكن للمغرب وإسبانيا أن يتعاونا اليوم في الاقتصاد والأمن والثقافة والهجرة، وأن يبنيا علاقات استراتيجية، وفي الوقت نفسه يمكنهما أن يكونا أكثر شجاعة في دراسة الصفحات المؤلمة من الماضي، فالتاريخ الذي نواجهه بشجاعة يتحول إلى درس، أما التاريخ الذي نخاف من مواجهته فقد يتحول إلى جرح مفتوح.

الهجرة الجماعية… حين يتحول الألم الإنساني إلى مادة سياسية

انتقل الحديث إلى الأحداث الأخيرة المرتبطة بالهجرة الجماعية للمغاربة نحو إسبانيا، وهي الأحداث التي خلفت صدمة كبيرة داخل المجتمع المغربي، وطرحت أسئلة عميقة حول أسبابها وخلفياتها ومن يستفيد من توظيفها، بالنسبة إليّ، لا يمكن اختزال الهجرة في أرقام ، وراء كل شاب قصة ، وراء كل قاصر أم وأب ، وراء كل امرأة أو طفل حلم وخوف ومستقبل مجهول ، لكن الهجرة الجماعية، في الوقت نفسه، لا يمكن أن تُقرأ بعيدًا عن السياق السياسي والإعلامي الذي يحيط بها ، وقد كشفت هذه الأحداث عن مواقف مختلفة داخل المجتمع المغربي، وعن أصوات تعاملت مع ما وقع بطريقة جعلتني أتساءل: هل أصبحت بعض الأزمات الوطنية مناسبة لدى البعض لتصفية الحساب مع الوطن بدل البحث عن الحقيقة؟ ، وهل يمكن أن يتحول ألم الشباب المغربي إلى مادة لتسجيل نقاط سياسية ضد المغرب؟ ، وهل يمكن أن تستغل جهات معادية للمغرب مثل هذه الأزمات للإساءة إلى صورته، وإضعاف الثقة في مؤسساته، وإظهار الدولة وكأنها عاجزة أمام مواطنيها؟ ، هذه الأسئلة لا تعني اتهام كل من انتقد المغرب ، فالانتقاد حق، لكن الفرق كبير بين النقد الذي يريد إصلاح الوطن، والخطاب الذي يتحول إلى ازدراء للوطن أو تبرير دائم لمواقف خصومه.

الجنسية المزدوجة ليست تهمة

ومن الضروري هنا أن أكون منصفًا ، حمل الجنسية الإسبانية إلى جانب الجنسية المغربية ليس جريمة، ولا يمكن أن يكون دليلًا على انعدام الوطنية ، هناك آلاف المغاربة مزدوجي الجنسية الذين يمثلون بلدهم أفضل تمثيل، ويستثمرون في المغرب، ويساعدون أبناء وطنهم، ويدافعون عن صورة المغرب، ويعملون من أجل التقارب بين المغرب والبلدان التي يعيشون فيها ،هؤلاء مصدر اعتزاز ، لكن الإشكال ليس في الجنسية المزدوجة ، الإشكال يبدأ عندما تتحول، لدى بعض الأفراد، إلى ازدواجية في المعايير والمواقف ،أن ترى خطأ وطنك وتنتقده، فهذا حق ، وأن ترى خطأ الطرف الآخر وتنتقده، فهذا عدل ، لكن أن تصبح أخطاء الوطن وحدها مرئية، بينما تختفي أخطاء الآخرين، فهنا يبدأ السؤال ، ليس السؤال: أي جواز تحمل؟ بل السؤال: أي ضمير تحمل؟.

حين تصبح المصلحة الشخصية أقوى من الوطن

لقد كشفت بعض الأحداث الأخيرة، في نظر كثير من المغاربة، عن مواقف لدى بعض مزدوجي الجنسية بدت فيها المصالح الشخصية والارتباطات الخارجية أكثر حضورًا من الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن الأم،مرة أخرى، لا يجوز تعميم ذلك على الجميع، ولا يجوز تحويل الانطباعات إلى أحكام قضائية، لكن من حق المجتمع أن يناقش الظاهرة،فقد يعيش الإنسان سنوات طويلة في المغرب، ويستفيد من مؤسساته، ومن استقراره، ومن سوقه، ومن الفرص التي يوفرها، ثم ينجح في بناء ثروة أو مكانة في الخارج.وهذا نجاح مشروع ومحمود،لكن المؤلم أن يتحول بعض الناجحين إلى أشخاص ينظرون إلى الوطن فقط باعتباره مصدرًا للفرص والثروة، ثمعندما تتعارض المصالح، يصبح الوطن في نظرهم دائمًا هو المخطئ، ويصبح الآخر دائمًا هو المحق،وهنا يجب أن نتوقف،الثروة ليست جريمة، والنجاح في الخارج ليس خيانة، لكن نسيان فضل الوطن، واحتقاره، أو التعامل معه بمنطق المصلحة وحدها، مسألة أخلاقية تستحق النقاش.

من أين جاءت الثروة؟

هناك ثروات مغربية كبيرة في الداخل والخارج، وراءها عمل واجتهاد واستثمار ومخاطرة،لكن وراء جانب كبير من هذه الثروات أيضًا سوق مغربية، ومؤسسات مغربية، ومستهلك مغربي، واستقرار اجتماعي، وبنية اقتصادية، وفرص أتاحها الوطن،ولهذا فإن المال لا ينبغي أن يقطع الحبل الأخلاقي بين الإنسان ووطنه، من استفاد من الوطن ليس مطلوبًا منه أن يصمت عن أخطائه، بل أن يكون أكثر إنصافًا في نقده،
فالوطن لا يريد أبناءً يصفقون له في كل الظروف. إنما يريد أبناءً يقولون له الحقيقة، لكنهم لا يتخلون عنه عندما تشتد العواصف.

وماذا عن المال العام؟

هنا نصل إلى نقطة شديدة الحساسية،إذا كانت الدولة المغربية تقدم دعمًا ماليًا لمؤسسات أو أطر دينية في الخارج، فإن هذا الدعم يجب أن يكون محكومًا بالشفافية والمراقبة والمسؤولية،ولذلك فإن السؤال الذي أطرحه ليس ضد شخص بعينه: كيف يتم تدبير الدعم المالي المغربي الموجه إلى بعض المؤسسات الدينية في الخارج؟،ما هي شروط الاستفادة؟،من يراقب الأموال؟،هل توجد تقارير مالية؟، هل يتم تقييم النتائج؟،
هل توجد آليات واضحة لمنع تضارب المصالح؟،وهل يتم التأكد من أن المال العمومي يستعمل في الأهداف التي خصص من أجلها؟،هذه ليست أسئلة تشكيك،إنها أسئلة دولة حديثة.فالمال العام ليس مال وزير، وليس مال مؤسسة، وليس مال مسؤول، نه مال المغاربة، ومن حق المغاربة أن يعرفوا كيف ينفق.

الإمام… مسؤولية قبل أن يكون منصبًا

حين يكون الإنسان إمامًا لمسجد في الخارج، فإن مسؤوليته تصبح أكبر،لأن الإمام لا يحمل فقط وظيفة،يحمل رسالة،والمسجد ليس مكانًا للصراع السياسي،إنه مكان للعبادة، والرحمة، والأخوة، والعدل، والتسامح، والإمام الحقيقي هو الذي يجمع القلوب ولا يفرقها، ويطفئ نار الكراهية بدل إشعالها، ويقول كلمة الحق حتى عندما تكون صعبة،ليس مطلوبًا من الإمام أن يتحول إلى مدافع أعمى عن المغرب،ولا أن يتحول إلى خصم لإسبانيا،بل المطلوب أن يكون عادلًا،إذا أخطأ المغرب، يقول إنه أخطأ،وإذا أخطأ غيره، يقول إنه أخطأ،وإذا كان الحق مع المغرب، فلا يخشى الدفاع عنه،فالعدل لا جنسية له.

ذاكرة الريف وجبالة مسؤولية جماعية

من العرائش، ومن قلب شمال المغرب، لا يمكنني أن أتحدث عن هذه القضايا دون استحضار الريف وجبالة، هذه المناطق ليست مجرد أسماء على الخريطة،إنها ذاكرة مقاومة،إنها ذاكرة آباء وأجداد،إنها ذاكرة شهداء وضحايا،إنها ذاكرة قرى ومدن حملت آثار مراحل تاريخية قاسية،ولهذا فإننا نحتاج اليوم إلى مشروع وطني متكامل لحفظ ذاكرة شمال المغرب:ذاكرة الريف،ذاكرة جبالة،ذاكرة المقاومة.ذاكرة الاحتلال،ذاكرة الضحايا،والهدف ليس الانتقام من أحد،بل أن يعرف أبناؤنا من أين جاؤوا،فالشعب الذي يجهل تاريخه يصبح أكثر عرضة لأن يكتب الآخرون تاريخه نيابة عنه.

لا نريد عداوة مع إسبانيا… نريد احترامًا متبادلًا

أنا لا أدعو إلى العداء مع إسبانيا،بل على العكس، المغرب وإسبانيا جاران، وبين الشعبين علاقات إنسانية واقتصادية وثقافية عميقة،لكن الصداقة الحقيقية لا تقوم على الصمت عن التاريخ،ولا تقوم على أن ينسى طرف ذاكرته،نريد علاقات قوية مع إسبانيا،لكننا نريدها علاقات ندية ومحترمة،نريد التعاون، لكن نريد أيضًا أن تحترم الذاكرة المغربية،نريد المستقبل، لكن لا نريد أن ندفع ثمنه من تاريخ أجدادنا.

رسالة إلى مغاربة العالم

إلى كل مغربي ومغربية يحملون جنسيتين أو يعيشون خارج الوطن:أنتم لستم خارج المغرب،أنتم جزء من امتداده الإنساني،أنتم سفراء له، شاء من شاء وأبى من أبى،اجعلوا من وجودكم في الخارج فرصة للتقارب،
دافعوا عن المغرب عندما يتعرض للظلم،وانتقدوه عندما يخطئ،ولا تجعلوا اختلافكم مع الحكومة أو الدولة سببًا في كراهية الوطن،ولا تجعلوا مصالحكم الشخصية فوق كرامة بلدكم،كونوا جسورًا… لا خنادق.

إلى مؤسساتنا المغربية: لا تصنعوا الولاءات بالمال

إنني أوجه أيضًا رسالة إلى مؤسسات الدولة:الدعم العمومي يجب ألا يكون وسيلة لصناعة الولاءات الشخصية، ولا ينبغي أن يكون حضور المناسبات الرسمية أو القرب من المسؤولين معيارًا للاستفادة، المعيار يجب أن يكون:الكفاءة، والاستحقاق، والشفافية، والنتائج، وخدمة المواطن.ومن يستفيد من المال العمومي يجب أن يكون مستعدًا دائمًا لتقديم الحساب،هذه ليست قسوة،هذه هي دولة المؤسسات.

الوطن ليس حكومة… والوطن ليس شخصًا

يمكن أن نختلف مع الحكومة،يمكن أن نعارض مسؤولًا،يمكن أن ننتقد سياسة،يمكن أن نطالب بإصلاحات عميقة،لكن يجب ألا نخلط بين الوطن والحكومة،الحكومة تتغير، المسؤولون يتغيرون، الأحزاب تتغير، أما الوطن فيبقى، المغرب أكبر من الجميع، أكبر من الأشخاص،أكبر من المناصب،أكبر من المصالح،وأكبر من أي جواز سفر آخر.

كلمة من العرائش إلى الضمير المغربي

في مساء الخميس 20 غشت 2026، بمدينة العرائش، بدأت حديثًا عابرًا مع إمام مغربي يعيش في مدريد، وانتهى بي الأمر أمام أسئلة أكبر بكثير من ذلك اللقاء.أسئلة عن التاريخ،عن الريف،عن جبالة،عن شمال المغرب،عن الهجرة،عن المال العام،عن مغاربة العالم،عن معنى الانتماء،وعن ذلك الشيء العميق الذي لا يظهر في بطاقة الهوية ولا في جواز السفر: الضمير.فالإنسان قد يحمل جنسيتين،وقد يعيش في بلدين،
وقد يمتلك منزلًا في بلد وآخر في بلد ثانٍ،وقد تتعدد أوراقه ووثائقه وعناوينه،لكن قلبه لا ينبغي أن يصبح بلا عنوان،الوطن ليس ورقة في ملف إداري،الوطن ذاكرة،الوطن كرامة، الوطن وجدان، الوطن أمٌّ وأبٌ وأجداد، الوطن تراب مشى عليه الذين سبقونا، وأمانة سنتركها لمن سيأتي بعدنا،ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس:هل يحمل الإنسان جوازين؟،السؤال الحقيقي هو:عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع مصلحة الوطن… إلى أين يميل القلب؟،وهنا فقط يُختبر الانتماء،وهنا فقط تظهر حقيقة الإنسان،وهنا فقط يتكلم الضمير،فليس كل من يحمل جوازًا مغربيًا يحمل المغرب في قلبه، وليس كل من يعيش بعيدًا عن المغرب بعيد عن الوطن،والفارق بين الاثنين…يصنعه الموقف،ويكشفه الزمن ،وتحكم عليه الأفعال،ويبقى المغرب من الريف إلى جبالة، ومن شماله إلى جنوبه، أكبر من كل الأشخاص والمصالح والحسابات،وطنًا نختلف من أجله، لا وطنًا نختلف عليه،وطنًا ننتقده حبًا، لا نحتقره مصلحة،وطنًا نحمل ذاكرته في عقولنا، ونضع كرامته في قلوبنا، ونترك مستقبله أمانة في ضمائرنا.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5