ads980-90 after header
الإشهار 1

إلى الصحافة الإسبانية: لا تجعلوا الذاكرة الاستعمارية لغةً للحاضر

رسالة مفتوحة إلى الصحافة الإسبانية

الإشهار 2

العرائش أنفو

إلى الصحافة الإسبانية: لا تجعلوا الذاكرة الاستعمارية لغةً للحاضر

رسالة مفتوحة إلى الصحافة الإسبانية

عن تنسيقية الريف وجبالة – شمال المغرب
محمد اعبيدو

إلى الصحافة الإسبانية، إلى الصحفيين والكتاب والمحررين، إلى كل من يحمل القلم ويؤمن بأن الصحافة ليست مجرد صناعة للخبر، وإنما مسؤولية أمام الحقيقة والتاريخ والإنسان: نكتب إليكم اليوم من شمال المغرب، من الريف وجبالة، من أرضٍ تحمل في جبالها ووديانها وذاكرتها صفحات طويلة من الألم والمقاومة والاستعمار،نكتب إليكم لا لنزرع الكراهية بين الشعب المغربي والشعب الإسباني، ولا لنحول التاريخ إلى وقود للصراع، وإنما لنقول كلمة ربما لا ترغب بعض الأوساط السياسية والإعلامية في سماعها: لا يمكن أن نطالب شعوباً باحترام الحاضر، ثم نطلب منها في الوقت نفسه أن تنسى الماضي،ولا يمكن أن نتحدث عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، ثم نسمح للغة «الغزو» و«الاجتياح» و«الخطر المغربي» بأن تتحول إلى قاموس دائم في تناول كل أزمة مرتبطة بالهجرة أو الحدود،لقد تابعنا، كما تابع العالم، بعض التغطيات الإعلامية الإسبانية لأحداث التدفق الجماعي للمهاجرين نحو سبتة، ولاحظنا كيف لجأت بعض المنابر إلى لغة أمنية وعسكرية شديدة التصعيد، وكأننا أمام جيش يعبر الحدود، لا أمام بشر، بينهم شباب وقاصرون وأطفال ونساء، دفعتهم ظروف مختلفة إلى المخاطرة بحياتهم،ونحن هنا لا نبرر الهجرة غير النظامية، ولا نقلل من حق إسبانيا في حماية حدودها، ولا نرفض حق الصحافة في النقد والمساءلة. لكننا نسأل:أين تبدأ المسؤولية الصحفية وأين تنتهي صناعة الخوف؟،المهاجر ليس غازياً، حين يعبر شاب مغربي البحر أو يسبح نحو سبتة، قد يكون مخالفاً للقوانين الإسبانية، وقد يكون معرضاً للخطر، وقد يكون ضحية لشبكات الهجرة أو لليأس أو لأوهام صنعتها وسائل التواصل الاجتماعي،لكنه لا يصبح بسبب ذلك جندياً،والطفل لا يصبح مقاتلاً،والمرأة لا تصبح قوة اقتحام.،والمهاجر لا يتحول إلى «جيش»،إن الإنسان الذي يبحث عن مستقبل أفضل لا يجوز أن يُقدَّم للرأي العام باعتباره عدواً عسكرياً،وهنا نطرح سؤالاً آخر أكثر حساسية:ماذا لو كان بعض هؤلاء المهاجرين يرون سبتة ومحيطها، في وعيهم التاريخي والجغرافي، جزءاً من أرضٍ يعتبرها المغرب أرضاً مغربية؟، هذه المسألة لا يمكن فصلها عن التاريخ،سبتة ومليلية والجزر… قضية لم تُغلق في الوعي المغربي،نحن ندرك أن مدريد ترفض الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية والجزر الخاضعة للإدارة الإسبانية، وتعتبرها جزءاً من إسبانيا ، لكننا ندرك أيضاً أن المغرب يعتبر هذه الثغور والجزر جزءاً من ترابه الوطني، وأن موقعها الجغرافي في القارة الأفريقية يجعل قضية وضعها السياسي جزءاً من النقاش المغربي الإسباني التاريخي،ومن هنا، فإن التعامل مع القضية وكأنها مجرد «حدود إسبانية تتعرض لهجوم مغربي» يتجاهل عمق النزاع التاريخي والسياسي،فالمغرب لا ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما أرضاً أوروبية في القارة الأوروبية، وإنما باعتبارهما أجزاءً من المجال الجغرافي المغربي في شمال أفريقيا، وهذه ليست مسألة يمكن للصحافة أن تتجاهلها إذا أرادت تقديم صورة كاملة للقارئ الإسباني. بل إن السؤال الأعمق هو: لماذا تتحول كل مطالبة مغربية بالحديث عن سبتة ومليلية إلى قضية أمنية، بينما يمكن أن تُناقش باعتبارها قضية تاريخية وسياسية وجغرافية؟، نحن لا ندعو إلى فرض أي حل بالقوة، بل نؤكد أن القضايا التاريخية بين الدول لا تعالج بالتحريض ولا بالتهديد، وإنما بالحوار السياسي والقانوني والدبلوماسي، وهل يحن بعض الساسة إلى الماضي الاستعماري؟، هنا نصل إلى جوهر رسالتنا. إننا نلاحظ، في بعض الخطابات السياسية والإعلامية الإسبانية، حنيناً أو استدعاءً لصور من الماضي الاستعماري، وكأن شمال المغرب لم يكن يوماً أرضاً عانت من الاستعمار والحرب والمقاومة، إن استحضار لغة «المورو»، و«الغزو»، و«الاجتياح»، و«الخطر القادم من المغرب»، في سياق أزمة الهجرة، يثير في الذاكرة المغربية صوراً تاريخية مؤلمة،ونحن نسأل بكل احترام ولكن بوضوح: هل تغيرت الجغرافيا، أم تغيرت فقط أسماء الخطابات؟، هل نسي البعض أن شمال المغرب كان أرضاً استعمارية خاض فيها الجيش الإسباني حروباً طويلة؟، هل نسي البعض الريف؟، هل نسي جبالة؟، هل نسي الضحايا؟، هل نسي الأطفال الذين عاشوا الحرب؟، هل نسي القرى التي عاشت تحت القصف؟، هل نسي آلاف الرجال الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة آلة عسكرية استعمارية؟، الريف وجبالة لا تنسيان، إن الريف وجبالة لا تستحضران الماضي من أجل الانتقام. نستحضره لأن الذاكرة التي لا تجد اعترافاً تتحول إلى جرح مفتوح.

وقد تناولت دراسات تاريخية وأكاديمية موضوع استخدام الأسلحة الكيميائية في حرب الريف، كما بحثت في الأرشيفات والدور العسكري الإسباني في المنطقة خلال عشرينيات القرن الماضي،إن ملف الحرب الكيميائية ليس مجرد مادة للدعاية السياسية، وإنما موضوع تاريخي يحتاج إلى مزيد من البحث العلمي وفتح الأرشيفات ومناقشته بعيداً عن الإنكار والتوظيف،لقد عانت المنطقة من حرب قاسية، وتظل آثار تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الجماعية لشمال المغرب،ولهذا فإننا نقول: لا يمكن بناء صداقة حقيقية بين شعبين على ذاكرة أحادية الجانب. وحين احتاج فرانكو إلى المغاربة… ماذا حدث؟، ثمة مفارقة تاريخية تستحق أن تتوقف عندها الصحافة الإسبانية، لقد كان أبناء شمال المغرب، ومن بينهم أبناء الريف ومناطق جبالة، جزءاً من القوات المغربية التي جندتها السلطات الاستعمارية الإسبانية، وكان لهذه القوات حضور مهم في الحرب الأهلية الإسبانية إلى جانب قوات الجنرال فرانكو، فكيف يمكن للتاريخ أن يقدم المغربي في لحظة باعتباره «مورو» أو «خطراً»، ثم يستدعي أبناء المغرب عندما تحتاج الدولة الإسبانية أو القوى العسكرية إلى رجال يقاتلون في حروبها؟،كيف تحول المغربي من «عدو» في خطابٍ ما إلى «جندي» في خطاب آخر؟،وكيف يُنسى أن هؤلاء الرجال كانوا أبناء أرضٍ كانت خاضعة للنظام الاستعماري الإسباني؟،إننا لا نحاكم أحفاد الإسبان على أفعال أجدادهم ولا نحمل الشعب الإسباني مسؤولية كل ما ارتكبته الدولة الاستعمارية،لكننا نرفض أن يُمحى التاريخ عندما يصبح inconvenientاً، ثم يُستدعى عندما يخدم رواية سياسية معينة. أولئك المغاربة لم يكونوا «مورو» فقط… كانوا أبناء الريف وجبالة،لقد كان لهم آباء وأمهات،
وكان لهم أطفال ينتظرون عودتهم،وكان لهم وطن وقرى وجبال،وكانت لهم حياة قبل أن يصبحوا جنوداً في حرب لا تدور على أرضهم،وهنا يجب أن تكون الصحافة أكثر إنصافاً،فالتاريخ لا يحتمل الصور النمطية،والإنسان لا يمكن أن يتحول إلى «مورو» في لحظة، وإلى «جندي حليف» في لحظة أخرى،أيها الصحفي الإسباني… انظر إلى الصورة كاملة،حين ترى شاباً مغربياً يحاول الوصول إلى سبتة، لا تنظر فقط إلى السور،انظر إلى التاريخ خلف السور،انظر إلى الجغرافيا،انظر إلى عائلات عاشت على جانبي المتوسط،انظر إلى الريف وجبالة،انظر إلى آلاف المغاربة الذين عاشوا تاريخاً طويلاً مع إسبانيا،ثم اسأل:هل يمكن اختزال كل ذلك في كلمة «غزو»؟،وهل يمكن أن يكون البحر الذي يفصلنا هو نفسه البحر الذي يجمع تاريخنا؟،نحن لا نطلب من الصحافة الإسبانية أن تتبنى الرواية المغربية،نحن نطلب شيئاً أبسط وأصعب في الوقت نفسه:أن تبحث عن الحقيقة كاملة،أن تستمع إلى المؤرخ المغربي والإسباني.أن تفتح الأرشيف.أن تقرأ الوثائق.أن تستحضر الضحايا.أن تسأل عن الاستعمار.أن تسأل عن الحرب الكيميائية.أن تسأل عن تجنيد المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية.أن تسأل عن سبتة ومليلية والجزر.وأن تسأل أيضاً عن أسباب الهجرة.فالصحافة التي تسأل عن كل هذه العناصر تكون صحافة،أما الصحافة التي تختزل المشهد كله في «المغاربة يهاجمون إسبانيا»، فإنها لا تقدم الحقيقة، وإنما تقدم جزءاً منها،لا تجعلوا الأطفال جنوداً في معركة سياسية،إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول صور الأطفال والمراهقين الذين يحاولون الوصول إلى سبتة إلى أدوات في حرب الخطابات،هؤلاء الأطفال ليسوا مسؤولين عن تاريخ الدول،ليسوا مسؤولين عن الاستعمار،ليسوا مسؤولين عن الخلافات السياسية،وليسوا مسؤولين عن فشل الحكومات في معالجة جذور الهجرة،إنهم بشر،والصحافة التي تحترم الإنسان يجب أن ترى الإنسان أولاً.إلى السياسيين الإسبان،إذا كانت إسبانيا تريد أن تبني علاقة استراتيجية حقيقية مع المغرب، فإن عليها أن تدرك أن المغرب ليس مجرد جار جنوبي،إنه جار تاريخي وجغرافي،وأن شمال المغرب ليس هامشاً من التاريخ الإسباني،إنه جزء من تاريخ إسبانيا نفسها،وأن سبتة ومليلية والجزر الخاضعة للإدارة الإسبانية ليست مجرد نقاط على الخريطة بالنسبة إلى الذاكرة المغربية، بل قضية سيادية وتاريخية عميقة،وقد تختلف مدريد والرباط حول هذه القضية،وهذا أمر سياسي يمكن مناقشتها لكن تحويل النقاش إلى كراهية شعبية أو خطاب عسكري لن يقربنا من الحل،الاعتراف بالماضي لا يعني كراهية المستقبل،نحن نريد أن تكون هناك علاقة مغربية إسبانية جديدة،علاقة لا تقوم على عقدة الاستعمار،ولا على عقدة التفوق،ولا على الخوف،ولا على الصور النمطية،ولا على «المورو» و«الغزو» و«الاجتياح»،بل على الاحترام المتبادل،إن الاعتراف بالماضي لا يعني إعلان الحرب على الحاضر،والاعتذار عن أخطاء تاريخية لا يعني إهانة الشعب الإسباني،بل يمكن أن يكون جسراً بين الشعوب،ولذلك نطالب: إن تنسيقية الريف وجبالة – شمال المغرب، تدعو إلى:

1. الابتعاد عن خطاب الكراهية والتنميط في التغطية الإعلامية للهجرة والمغاربة.

2. فتح نقاش تاريخي وأكاديمي جاد حول الوجود الاستعماري الإسباني في شمال المغرب.

3. فتح الأرشيفات العسكرية والسياسية الإسبانية المتعلقة بحرب الريف واستخدام الأسلحة الكيميائية أمام الباحثين.

4. تشجيع لجنة علمية مستقلة تضم مؤرخين وباحثين مغاربة وإسباناً لدراسة الذاكرة المشتركة.

5. بحث الآثار الإنسانية والبيئية والصحية التي خلفتها الحروب الاستعمارية، وفق منهج علمي مستقل.

6. الاعتراف بضحايا الاستعمار وتخليد ذاكرتهم باعتبارها جزءاً من التاريخ المشترك للمتوسط.

7. إطلاق حوار مغربي إسباني جاد حول سبتة ومليلية والجزر بعيداً عن لغة التهديد والتصعيد.

8. معالجة الهجرة باعتبارها قضية إنسانية واجتماعية وسياسية وليس باعتبارها حرباً أو غزواً.

9. رفض استغلال الأطفال والمراهقين في الحملات الإعلامية والسياسية.

10. بناء صحافة للجوار والسلام، لا صحافة للخوف والتحريض.

رسالتنا ليست ضد إسبانيا،نقولها بوضوح:هذه الرسالة ليست ضد الشعب الإسباني،الشعب المغربي والشعب الإسباني جاران،بينهما ملايين العلاقات الإنسانية،بينهما تاريخ وثقافة واقتصاد وأسرة وذاكرة مشتركة،ونحن نرفض أن يتحول الخلاف السياسي بين الحكومات إلى عداوة بين الشعوب،لكننا في الوقت نفسه نرفض أن يُطلب من المغاربة أن يصمتوا عن تاريخهم،نحن لا نكره إسبانيا،لكننا نرفض أن يُطلب منا أن ننسى نحن لا نريد الانتقام،لكننا نريد الحقيقة،نحن لا نريد حرباً،لكننا نريد الكرامة،نحن لا نريد الكراهية،لكننا نريد احترام الذاكرة.

كلمة أخيرة إلى الصحافة الإسبانية

أيها الصحفي الإسباني،حين تكتب عن المغرب، تذكر أن خلف الخبر إنساناً،وحين تكتب عن الريف، تذكر أن خلف الجبال ذاكرة،وحين تكتب عن جبالة، تذكر أن خلف القرى تاريخاً،وحين تكتب عن سبتة، تذكر أن خلف السور قضية تاريخية وسياسية وجغرافية عميقة،وحين تكتب عن مليلية، تذكر أن وراء الاسم ذاكرة مغربية لا يمكن إلغاؤها،وحين تكتب عن المهاجر، لا تراه فقط من خلف كاميرا الأمن،اقترب منه،اسمع قصته،اسأل عن حلمه، اسأل عن خوفه،ثم اكتب،اكتب الحقيقة كلها،لا تجعلوا البحر المتوسط مقبرة للذاكرة،ولا تجعلوا الإعلام جسراً تعبر فوقه الكراهية،ولا تجعلوا التاريخ سلاحاً في أيدي السياسيين،فالشعوب لا تتصالح عندما تنسى، وإنما تتصالح عندما تعرف الحقيقة وتملك الشجاعة للنظر إليها،إننا نؤمن أن المغرب وإسبانيا قادران على بناء مستقبل مختلف،مستقبل لا يكون فيه الماضي سجناً،ولا تكون فيه الجغرافيا سبباً للعداء ،ولا تكون فيه الهجرة ذريعة للكراهية،ولا تكون فيه الصحافة أسيرة للخطاب السياسي،إننا نريد متوسّطاً يجمع ولا يفرق،وحدوداً تحمي الإنسان ولا تهينه،وصحافة تبحث عن الحقيقة ولا تصنع عدواً،وتاريخاً يُقرأ كاملاً، لا حسب الحاجة السياسية،فالريف لا ينسى،وجبالة لا تنسى،وذاكرة الشعوب لا تموت،لكننا نؤمن أيضاً أن المستقبل يجب ألا يكون رهينةً للماضي،ولهذا فإننا نمد أيدينا إلى كل إسباني يؤمن بالسلام، وإلى كل صحفي يؤمن بالحقيقة، وإلى كل مؤرخ يرفض تزوير الذاكرة، وإلى كل إنسان يؤمن بأن كرامة الإنسان فوق الحدود والأعلام،فلا نريد حرباً بين المغرب وإسبانيا،نريد حرباً واحدة فقط: حرباً على النسيان، وعلى الكراهية، وعلى التزييف، وعلى الصور النمطية،ولن يكون السلام الحقيقي بين ضفتي المتوسط ممكناً إلا عندما يصبح التاريخ جسراً للحوار، لا جداراً للصمت،والسلام على الضمير الإنساني حين يستيقظ.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5