ads980-90 after header
الإشهار 1

الشعب يريد…» من يتحدث باسم الشعب؟

بين مشروعية الاحتجاج وقدسية الإرادة الشعبية

الإشهار 2

العرائش أنفو

الشعب يريد…» من يتحدث باسم الشعب؟

بين مشروعية الاحتجاج وقدسية الإرادة الشعبية

هناك عبارات تتحول، مع مرور الزمن، من مجرد كلمات تُقال في الشوارع إلى رموز تختزن مرحلة كاملة من التاريخ. ومن بين أكثر العبارات التي ارتبطت بالاحتجاجات العربية خلال العقد الأخير عبارة: «الشعب يريد…».

عبارة قصيرة، لكنها ثقيلة الدلالة. تبدأ بـ«الشعب»، وتنتهي غالباً بمطلب سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، وكأن من يرددها يمتلك تفويضاً شاملاً للحديث باسم ملايين المواطنين، وكأن الصوت المرتفع في الشارع أصبح بالضرورة هو صوت الأمة كلها.

وقد اكتسبت هذه العبارة حضوراً واسعاً منذ أحداث ما سمي بـ«الربيع العربي»، الذي انطلقت شرارته من تونس الخضراء، أرض الياسمين، قبل أن تنتقل الاحتجاجات إلى عدد من الدول العربية، حاملة معها شعارات وأحلاماً ومطالب مختلفة، ومفتوحة في الوقت نفسه على نتائج وتحولات كبرى ما زالت المنطقة تعيش بعض آثارها إلى اليوم.

لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه بهدوء، بعيداً عن الانفعال والحسابات السياسية، هو:عندما يهتف عدد من المواطنين: «الشعب يريد…»، هل يتحدثون فعلاً باسم الشعب كله؟ أم أنهم يتحدثون باسم أنفسهم، وباسم الفئة التي خرجت معهم، وباسم مطالب يؤمنون بها؟.

إن طرح هذا السؤال ليس تشكيكاً في حق المواطنين في الاحتجاج، ولا انتقاصاً من مشروعية المطالب الاجتماعية والسياسية، ولا دعوة إلى إسكات الأصوات المختلفة. بل هو دفاع عن معنى أعمق للديمقراطية، وعن حق الشعب نفسه في ألا يُختزل في مظاهرة، أو مسيرة، أو حزب، أو جماعة، أو تيار، أو مجموعة من الأشخاص مهما كان عددهم.

«الشعب يريد»… عبارة أكبر من الذين يرددونها

حين يخرج عشرات أو مئات أو آلاف الأشخاص في وقفة أو مسيرة، فإنهم يمثلون أنفسهم ومن يشاركهم موقفهم ومطالبهم، وقد يمثلون شريحة مهمة من المجتمع، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أنهم يمثلون الشعب بأكمله،فالشعب المغربي، مثلاً، ليس مجموعة واحدة متجانسة في آرائها ومواقفها وتطلعاتها،هو ملايين المواطنين، في المدن والقرى والجبال والسهول والصحراء، من النساء والرجال، من الشباب وكبار السن، من العمال والفلاحين والموظفين والتجار والمهنيين والمثقفين والطلبة، ومن مختلف المناطق والانتماءات والتوجهات،وهؤلاء جميعاً قد تكون لهم آراء مختلفة حول القضية نفسها،لذلك، فإن القول «الشعب يريد» يحتاج إلى أكثر من مكبر صوت، وأكثر من لافتة، وأكثر من حشد في شارع،يحتاج إلى سؤال ديمقراطي بسيط وعميق:كيف عرفتم أن الشعب يريد ذلك؟،من حق المتظاهر أن يتحدث باسمه،من حق أي مواطن أن يقول:«أنا أريد…»،ومن حق مجموعة من المواطنين أن تقول:«نحن نريد…» ومن حق تنظيم سياسي أو نقابي أو مدني أن يقول: «نحن نطالب بـ…»،ومن حق المتظاهرين أن يرفعوا شعاراتهم، ما دامت في إطار القانون والسلم واحترام المؤسسات وحقوق الآخرين،لكن عندما تتحول عبارة «نحن نريد» إلى «الشعب يريد»، فإننا ننتقل من التعبير عن موقف جماعي محدود إلى ادعاء تمثيل الإرادة العامة،وهنا تبدأ المسؤولية.
فالاحتجاج وسيلة من وسائل التعبير، لكنه ليس وحده مؤسسة لقياس الإرادة الشعبية،والشارع فضاء مهم من فضاءات الديمقراطية، لكنه ليس الديمقراطية كلها.

في المغرب أيضاً… لا أحد يملك احتكار الحديث باسم الشعب

في بلادنا، كما في غيرها، نسمع أحياناً في بعض الوقفات والمسيرات عبارة «الشعب يريد…»، وقد تقف خلف بعض هذه التحركات حسابات سياسية أو تنظيمية أو أيديولوجية، وقد تكون لبعض المشاركين فيها مطالب حقيقية ومشروعة، بينما قد تكون لآخرين أهداف أخرى،وهنا ينبغي التمييز بين المواطن الذي يحتج وبين الجهة التي قد تحاول توظيف الاحتجاج ،فليس كل من خرج إلى الشارع مسيساً، وليس كل من رفع شعاراً يعرف بالضرورة من يقف خلف المشهد، كما أن وجود خلفية سياسية لدى بعض المنظمين لا يعني أن جميع المشاركين يتحركون وفق أجندة واحدة،الديمقراطية الناضجة لا تنظر إلى الشارع بعين الريبة، لكنها أيضاً لا تنظر إليه بعين السذاجة، تسمع صوته، وتحترم حقه، وتفهم مطالبه، لكنها تسأل كذلك: من نظم؟،من موّل؟،من دعا؟،ما هي المطالب الحقيقية؟،هل هي مطالب اجتماعية خالصة؟، هل توجد خلفيات سياسية؟، وهل يمثل المشاركون أنفسهم أم يقدمون أنفسهم باعتبارهم ممثلين للشعب كله؟، هذه الأسئلة ليست اتهاماً، بل جزء من الوعي الديمقراطي.

الشعب لا يُختزل في صورة واحدة

من أخطر الأخطاء السياسية أن يتعامل أي طرف مع نفسه باعتباره «الشعب»، وأن يتعامل مع خصومه باعتبارهم خارج الشعب،فهذا منطق يقسم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، ثم يمنح «نحن» حق الكلام باسم الجميع،لكن الحقيقة أبسط وأعمق: المختلف معك مواطن أيضاً،والذي لم يشارك في مسيرتك مواطن أيضاً،والذي يرفض شعارك مواطن أيضاً،والذي يفضل التعبير عبر الانتخابات مواطن أيضاً، والذي يختار العمل الجمعوي أو النقابي أو الحزبي مواطن أيضاً،والذي يلتزم الصمت لأنه غير مقتنع بالمشاركة في الاحتجاج مواطن أيضاً،بل حتى المواطن الذي يختلف مع الجميع ويحتفظ برأيه لنفسه، هو جزء من الشعب، وهنا تكمن عظمة الديمقراطية: الشعب ليس صوتاً واحداً، وإنما أصوات متعددة تتعايش داخل وطن واحد.

الانتخابات أيضاً من آليات التعبير عن الإرادة الشعبية

إذا كانت بعض الوقفات والمسيرات تعبر عن جزء من المجتمع، فإن الانتخابات تتيح، من حيث المبدأ، آلية أوسع لاختبار الاختيارات السياسية، لأنها تمنح المواطنين فرصة التصويت والاختيار بين برامج ومرشحين واتجاهات مختلفة،وهذا لا يعني أن الانتخابات وحدها تكفي، ولا أن نتائجها تلغي حق المعارضة أو الاحتجاج أو النقد،لكنها تذكرنا بحقيقة أساسية:الإرادة الشعبية لا تُقاس فقط بعدد الحناجر في الشارع، وإنما كذلك بصوت المواطن داخل المؤسسات، وباختياره في صناديق الاقتراع، وبمشاركته في الحياة العامة، وبقدرته على محاسبة من انتخبهم.

الديمقراطية ليست يوم المسيرة فقط

الديمقراطية أيضاً يوم الانتخابات، ويوم النقاش، ويوم الاختلاف، ويوم المحاسبة، ويوم احترام القانون، ويوم قبول النتيجة، ويوم الاعتراف بحق الآخر في أن يكون مختلفاً،

لا ينبغي أن نخاف من الاحتجاج… ولا أن نقدسه،الاحتجاج السلمي ظاهرة صحية عندما يكون تعبيراً عن قناعة حقيقية ومطالب واضحة، وعندما يتم في إطار القانون واحترام الممتلكات وحقوق المواطنين والمؤسسات ، لكن الخطأ يبدأ عندما يتحول الاحتجاج إلى غاية في ذاته، أو عندما تصبح الشعارات أهم من القضايا، أو عندما يتحول المواطن إلى مجرد رقم في حشد، أو عندما تصبح المشاعر وسيلة لتعطيل العقل،
وكما لا ينبغي للدولة أن تخاف من كل صوت ناقد، لا ينبغي للمجتمع أن يمنح كل شعار قداسة لمجرد أنه قيل وسط حشد،الشعار ليس حقيقة لمجرد أنه مرتفع ،والحشد ليس إجماعاً لمجرد أنه كبير،والغضب ليس برنامجاً لمجرد أنه صادق.

بين «صوت الشارع» و«صوت الوطن»

هناك فرق كبير بين صوت الشارع وصوت الوطن،صوت الشارع مهم، لأنه يكشف أحياناً عن آلام لا تصل إلى مكاتب المسؤولين، وعن مطالب اجتماعية حقيقية، وعن اختلالات تستوجب الإصلاح،لكن صوت الوطن أوسع،الوطن هو الشارع، والقرية، والمدينة، والمدرسة، والمصنع، والإدارة، والجامعة، والمسجد، والمزرعة، والمقهى، والبيت، ومؤسسات المجتمع المدني، والأحزاب، والنقابات، والبرلمان، وكل مواطن يعيش داخل هذا الوطن.ولهذا، فإن الحكمة السياسية تقتضي ألا نضع الشارع في مواجهة الوطن، ولا المؤسسات في مواجهة الشعب،بل المطلوب هو بناء جسر دائم بين المجتمع والمؤسسات، بين المطالب والقرارات، بين النقد والإصلاح، وبين الحرية والمسؤولية،أخطر ما في عبارة «الشعب يريد» هو أن تتحول إلى «أنا الشعب»
المشكلة ليست في العبارة بذاتها،المشكلة في اللحظة التي يعتقد فيها شخص أو تنظيم أو تيار أنه أصبح المتحدث الوحيد باسم الشعب،عندها يصبح كل اختلاف معه خيانة، وكل نقد له عداءً للشعب، وكل موقف مخالف لموقفه خروجاً عن الإرادة الشعبية،وهذا منطق خطير على الديمقراطية،فلا حزب يملك الشعب،
ولا جمعية تملك الشعب،ولا حركة احتجاجية تملك الشعب،ولا شخصية سياسية تملك الشعب،ولا حتى الدولة، بمؤسساتها، ينبغي أن تختزل الشعب في رؤية واحدة،الشعب أكبر من الجميع،والشعب ليس ملكاً لأحد،لنجعل السؤال أكبر من الشعار،بدلاً من أن نسأل فقط: «ماذا يريد الشعب؟» علينا أن نسأل أيضاً: أي شعب؟ وأي مطالب؟ وكيف تم قياسها؟ وهل هناك اختلاف حولها؟، وما البدائل؟،وما تكلفة تنفيذها؟،
ومن سيتحمل المسؤولية؟،وكيف ننتقل من الشعار إلى البرنامج؟،هذه الأسئلة هي التي تنقلنا من سياسة الانفعال إلى سياسة العقل،فليس صعباً أن نقول: «الشعب يريد»،الصعب أن نحدد ماذا يريد الشعب، وكيف نحققه، وبأي وسائل، وضمن أي إمكانات، وبأي ضمانات، وبأي مسؤولية.

المغرب يحتاج اليوم إلى ثقافة جديدة في الاختلاف

إن قوة المغرب ليست في غياب الاختلاف، وإنما في قدرته على إدارة الاختلاف،نحتاج إلى ثقافة تقول: يمكن أن أختلف معك دون أن أكرهك،ويمكن أن أنتقد الدولة دون أن أكره الوطن،ويمكن أن أعارض الحكومة دون أن أعارض المغرب،ويمكن أن أحتج دون أن أعتدي،ويمكن أن أطالب بالإصلاح دون أن أهدم ما يجمعنا،
ويمكن أن أحب الوطن وأطالب في الوقت نفسه بتصحيح أخطائه،هذه هي الوطنية الناضجة،فالوطنية ليست التصفيق الدائم، كما أن المعارضة ليست الشتيمة الدائمة،الوطنية موقف مسؤول،والاحتجاج مسؤولية، والحكم مسؤولية، والكلمة مسؤولية، والشعار مسؤولية، الشعب المغربي لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى من يصغي إليه،ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس:من يتحدث باسم الشعب؟،بل:من يصغي إلى الشعب؟،الشعب يريد مدرسة أفضل،يريد مستشفى يحفظ كرامته،يريد إدارة أكثر عدلاً وسرعة،يريد فرصاً حقيقية للشباب،يريد محاربة الفساد والريع،يريد عدالة اجتماعية،يريد اقتصاداً يوفر فرص العمل،يريد حماية كرامته،ويريد في الوقت نفسه الأمن والاستقرار والطمأنينة، ويريد أن يرى وطنه قوياً متقدماً محفوظ السيادة والكرامة،لكن هذه المطالب لا ينبغي أن تتحول إلى ملكية سياسية لأي طرف.
إنها مطالب إنسانية ووطنية مشتركة، وكل من يعمل من أجلها ينبغي أن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.

كلمة إلى الذين يرددون «الشعب يريد»

قولوا ما شئتم، وطالبوا بما شئتم، واختلفوا كما شئتم، فالوطن الذي يتسع للاختلاف هو وطن قوي،لكن لا تقولوا «الشعب يريد» إلا إذا كنتم مستعدين لاحترام المواطن الذي يقول:«أنا لا أريد ما تريدون.»،فهذا أيضاً صوت من أصوات الشعب لا تجعلوا من أنفسكم أوصياء على الناس، لا تحولوا مطالبكم إلى صك تمثيل حصري للمجتمع،ولا تجعلوا من الشارع بديلاً عن كل المؤسسات،فالسياسة ليست فقط أن ترفع صوتك، وإنما أن تسمع صوت الآخر أيضاً.

كلمة إلى المؤسسات

وفي المقابل، فإن المؤسسات مطالبة بأن تسمع جيداً عندما يتكلم الشارع،

فالمواطن لا يخرج دائماً لأنه يريد الفوضى،
أحياناً يخرج لأنه لم يجد من يسمعه،
وأحياناً يكون الاحتجاج جرس إنذار، وليس إعلان حرب،

والدولة القوية ليست التي لا تسمع النقد، بل التي تستطيع أن تستمع إليه، وأن تميز بين المطالب المشروعة والمناورات السياسية، وبين الغضب العابر والمشكلات العميقة، ثم تتعامل مع كل حالة بما تستحقه من حكمة ومسؤولية،«الشعب يريد» يجب أن تصبح بداية سؤال لا نهاية جواب،ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في هذه العبارة،بدلاً من أن تكون:«الشعب يريد…»فلنجعلها: «الشعب يريد أن يُسمع صوته… فهل نسمعه؟»،«الشعب يريد الإصلاح… فهل نصلح؟» «الشعب يريد الكرامة… فهل نصونها؟» «الشعب يريد العدالة… فهل نحققها؟»،«الشعب يريد المستقبل… فهل نبنيه؟»،عندها تصبح العبارة جسراً بين المواطن والمسؤول، لا سلاحاً سياسياً في وجه الآخر.

خاتمة: الوطن أكبر من الهتاف،في نهاية المطاف، تبقى الأوطان أكبر من الشعارات، وأبقى من المسيرات، وأعمق من الحسابات الحزبية والسياسية،قد ينتهي الهتاف، وقد تتفرق المسيرة، وقد تُطوى اللافتات، وقد يعود الناس إلى بيوتهم،لكن الوطن يبقى،والسؤال الذي يبقى بعد انتهاء كل الأصوات هو:ماذا فعلنا من أجل هذا الوطن؟،هل تركنا وراءنا مزيداً من الانقسام أم مزيداً من التفاهم؟،هل رفعنا منسوب الكراهية أم رفعنا منسوب الأمل؟،هل جعلنا المواطن يخاف من أخيه المواطن، أم جعلناه يؤمن بأن الاختلاف يمكن أن يكون طريقاً إلى القوة؟،إن المغرب لا يحتاج إلى من يدّعي امتلاك الشعب، بل يحتاج إلى رجال ونساء يؤمنون بأن الشعب شريك في بناء المستقبل،ولا يحتاج إلى من يصرخ باسمه فقط، بل إلى من يعمل من أجله، فالشعب ليس هتافاً.،والشعب ليس حشداً،والشعب ليس شعاراً،الشعب هو الإنسان المغربي، بكرامته، وحريته، وحقوقه، وواجباته، وأحلامه، وقلقه، وأمله، وحقه في أن يختلف، وحقه في أن يختار، وحقه في أن يُسمع صوته.ولهذا، فإن أصدق عبارة يمكن أن نختم بها ليست:«الشعب يريد…»بل:«الشعب يستحق أن نسمعه جميعاً… وأن نعمل جميعاً من أجله… وأن نحمي جميعاً الوطن الذي يجمعنا»،لأن الوطن، في النهاية، ليس ملكاً لمن يرفع صوته أكثر، وإنما أمانة في أعناق الجميع.

محمد اعبيدو

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5