بعد سنوات من العطش.. مياه سد الحسن الثاني تعيد الحياة إلى صنابير ميسور وتفتح صفحة جديدة للأمن المائي
ميسور – عودة المياه إلى الصنابير تنهي معاناة سنوات من الانقطاعات المتكررة

العرائش أنفو
بعد سنوات من العطش.. مياه سد الحسن الثاني تعيد الحياة إلى صنابير ميسور وتفتح صفحة جديدة للأمن المائي
ميسور – عودة المياه إلى الصنابير تنهي معاناة سنوات من الانقطاعات المتكررة
عاشت مدينة ميسور، خلال السنوات الأخيرة، على وقع أزمة مائية متصاعدة، فرضتها ندرة الموارد المائية وتراجع الفرشة الجوفية وتوالي فترات الجفاف، الأمر الذي جعل انقطاع الماء الصالح للشرب يتكرر بين الفينة والأخرى، ويشكل مصدر قلق دائم لساكنة المدينة، خصوصاً خلال فترات ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع الطلب على هذه المادة الحيوية.
غير أن المشهد بدأ يعرف تحولاً لافتاً خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما عادت المياه إلى صنابير المنازل بشكل أكثر استقراراً، في خطوة أعادت الأمل إلى سكان ميسور وفتحت صفحة جديدة في تدبير واحد من أكثر الملفات حساسية بالإقليم. ويأتي هذا التحول ثمرة تعبئة مؤسساتية وتقنية شاركت فيها السلطات الإقليمية ببولمان والشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس، في إطار البحث عن حل هيكلي ومستدام لمعضلة التزود بالماء الشروب.
ويتمثل الحل الأبرز في المشروع الاستراتيجي الرامي إلى تزويد مدينة ميسور، إلى جانب أوطاط الحاج ومناطق أخرى بالإقليم، بالماء انطلاقاً من سد الحسن الثاني بإقليم ميدلت، عبر منشآت وتجهيزات مائية جديدة. وتبلغ الكلفة الإجمالية للمشروع، وفق معطيات منشورة، حوالي 251 مليون درهم، ما يعكس حجم الاستثمار المرصود لمعالجة إشكالية الأمن المائي بالمنطقة ووضع حد للاعتماد المفرط على الموارد التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة الحاجيات المتزايدة.
من أزمة الانقطاعات إلى منطق الحل المستدام:
ولم تكن معاناة ميسور مع الماء وليدة اليوم، إذ فرضت محدودية الموارد الجوفية وتوالي سنوات الجفاف تحديات متزايدة على منظومة التزويد، وهو ما دفع السلطات الإقليمية والشركة الجهوية متعددة الخدمات إلى اعتماد مجموعة من التدابير الاستعجالية، بالتوازي مع الاشتغال على مشاريع مهيكلة قادرة على تأمين حاجيات السكان على المدى المتوسط والبعيد.
وفي هذا السياق، شهد الإقليم تعبئة ميدانية متواصلة لتتبع وضعية التزود بالماء، حيث عقدت اجتماعات تقنية وإقليمية بحضور مسؤولي الشركة الجهوية متعددة الخدمات والمصالح التقنية والسلطات المحلية، بهدف تسريع الحلول وضمان استمرارية الخدمة، إلى حين دخول مشروع الربط بمياه السد مرحلة الاستغلال الفعلي.
وإذا كانت الإجراءات الاستعجالية قد ساهمت في التخفيف من حدة الأزمة، فإن جلب المياه من سد الحسن الثاني يمثل، بحسب المعطيات المتوفرة، الانتقال من تدبير أزمة ظرفية إلى بناء حل مائي استراتيجي، من شأنه أن يعزز قدرة المدينة على مواجهة تحديات السنوات المقبلة.
الشركة الجهوية متعددة الخدمات.. رهان على الاستثمار والبنيات المائية:
ويبرز في هذا الورش الدور الذي تضطلع به الشركة الجهوية متعددة الخدمات فاس-مكناس، باعتبارها الفاعل المكلف بتدبير خدمات الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل على مستوى الجهة، والتي دخلت منذ سنة 2025 مرحلة جديدة في تدبير هذه الخدمات.
وقد جعلت الشركة من تأمين الماء وتعزيز البنيات التحتية المرتبطة به أحد محاور تدخلها الأساسية، خاصة في المناطق التي تواجه ضغطاً مائياً متزايداً، حيث أطلقت واستكملت عدداً من المشاريع الرامية إلى رفع مستوى الإنتاج والتخزين وتحسين شبكات التوزيع.
وفي ميسور، لم يقتصر التدخل على مشروع جلب المياه من السد، إذ سبق للمدينة أن استفادت، في مارس الماضي، من محطة لتحلية المياه الجوفية الأجاجة، في إطار حلول مبتكرة تهدف إلى تعزيز الموارد المتاحة وتخفيف الضغط على منظومة التزويد. وتصل الطاقة الإنتاجية لهذه المحطة إلى نحو 3 لترات في الثانية، بما يسمح بتغطية حاجيات آلاف السكان.
الماء يعود.. والساكنة تستعيد شيئاً من الطمأنينة:
عودة المياه إلى الصنابير في مختلف أحياء ميسور لا تمثل مجرد تحسن في خدمة عمومية، بل تحمل بالنسبة للساكنة معنى أكبر بكثير؛ فهي تعني استعادة الاستقرار في الحياة اليومية، بعدما كان السكان يضطرون إلى تدبير احتياجاتهم المنزلية على وقع هاجس الانقطاع وانتظار عودة المياه.
فالماء ليس خدمة عادية يمكن الاستغناء عنها أو تأجيلها، بل هو أساس الحياة والصحة والنظافة والاستقرار الاجتماعي. ولذلك فإن ضمان وصوله بشكل منتظم إلى المنازل يشكل مؤشراً مهماً على نجاح التدخلات العمومية في معالجة واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في المناطق المتضررة من الإجهاد المائي.
وتكتسب هذه العودة أهمية أكبر في مدينة ميسور، بالنظر إلى خصوصية المنطقة وموقعها الجغرافي والظروف المناخية التي تجعل تدبير الموارد المائية تحدياً دائماً، الأمر الذي يجعل أي مشروع لتأمين التزويد بالماء استثماراً في مستقبل المدينة وليس مجرد استجابة لحاجة آنية.
صفحة جديدة.. لكن الرهان مستمر:
ورغم الأهمية الكبيرة التي يكتسيها وصول مياه سد الحسن الثاني إلى منظومة التزويد بميسور، فإن نجاح المشروع على المدى الطويل سيظل مرتبطاً باستمرار الصيانة، وتأهيل شبكات التوزيع، ومحاربة التسربات، وترشيد الاستهلاك، فضلاً عن مواصلة الاستثمار في الموارد المائية البديلة.
وتؤكد التجربة التي عاشتها ميسور خلال السنوات الماضية أن أزمة الماء لا يمكن مواجهتها فقط بالحلول الاستعجالية، بل تحتاج إلى رؤية استباقية تقوم على تنويع مصادر المياه، وتحديث الشبكات، ورفع قدرات التخزين، والاستثمار في التقنيات الحديثة.
وبينما بدأت المياه تستعيد حضورها في صنابير ميسور، يبدو أن المدينة تدخل مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من انتظار الماء إلى ضمانه، في مشروع يحمل بالنسبة للساكنة أكثر من مجرد أرقام واستثمارات؛ إنه استعادة لحق أساسي في خدمة عمومية مستقرة، ورسالة مفادها أن سنوات العطش يمكن أن تتحول، بالإرادة والاستثمار والتنسيق المؤسساتي، إلى بداية لمرحلة جديدة من الأمن المائي والتنمية المحلية.
كادم بوطيب
