طنجة… مدينة التعايش والسلام، حيث يلتقي البحر بالتاريخ وتتصافح الحضارات

العرائش أنفو
طنجة… مدينة التعايش والسلام، حيث يلتقي البحر بالتاريخ وتتصافح الحضارات
بقلم: محمد اعبيدو
هناك مدن تُبنى بالحجارة، وهناك مدن تُبنى بالذاكرة، وهناك مدن تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح فكرةً ورسالةً وجسراً بين الشعوب والحضارات،وطنجة واحدة من هذه المدن النادرة،إنها ليست مجرد مدينة مغربية تقع في أقصى الشمال، ولا مجرد بوابة تفصل بين ضفتين؛ إنها مدينة وُلدت عند ملتقى البحار والحضارات، واستمدت من موقعها الجغرافي ومن تاريخها المتعدد روافدَ جعلتها، عبر القرون، فضاءً للقاء الإنساني والتبادل الثقافي والتعايش بين الأديان والشعوب.
طنجة هي المدينة التي يقف فيها البحر الأبيض المتوسط في مواجهة المحيط الأطلسي، وكأن الطبيعة نفسها أرادت أن تجعل منها نقطةَ مصافحة بين عالمين، وجسرًا بين قارتين، وممرًا بين ثقافات مختلفة.
طنجة… بوابة المغرب إلى العالم
من يقرأ تاريخ طنجة يدرك أن موقعها لم يكن مجرد امتياز جغرافي، بل كان قدرًا تاريخيًا،فهي تطل على مضيق جبل طارق، ذلك الممر البحري الذي يفصل أفريقيا عن أوروبا، لكنه في الوقت نفسه يصل بينهما. ومن هنا اكتسبت طنجة مكانتها كواحدة من أهم البوابات الجغرافية والحضارية للمغرب،لقد كانت طنجة، على امتداد تاريخها، محطةً للتجار والبحارة والرحالة والدبلوماسيين والمثقفين والفنانين، ومكانًا عبرت منه الأفكار والبضائع واللغات والثقافات،ولهذا فإن الحديث عن طنجة ليس حديثًا عن مدينة مغربية فحسب، بل عن مدينة متوسطية وأطلسية وأفريقية وأوروبية في آن واحد؛ مدينة تستطيع أن تحمل في ذاكرتها أكثر من حضارة، وفي وجدانها أكثر من ثقافة، وفي فضائها الإنساني أكثر من لغة،إنها مدينة لا ترى الاختلاف تهديدًا، وإنما تراه ثراءً.
طنجة… مدينة الحضارات الإنسانية
من الفينيقيين إلى الرومان، ومن الحضارة الإسلامية إلى التأثيرات الأندلسية والأوروبية، ظلت طنجة فضاءً تتقاطع فيه الحضارات،لكن عظمة طنجة لا تكمن فقط في عدد الحضارات التي مرت بها، بل في قدرتها على تحويل التعدد إلى ذاكرة مشتركة،فالحضارات التي مرت من طنجة لم تترك وراءها آثارًا مادية فقط، بل تركت طبقات من الذاكرة الإنسانية، جعلت المدينة أشبه بكتاب مفتوح، كل حي من أحيائها، وكل معلم من معالمها، وكل زقاق من أزقتها، يحمل صفحة من صفحات التاريخ،ومن هنا فإن الحفاظ على طنجة لا يعني فقط الحفاظ على المباني والأسوار والمعالم التاريخية؛ بل يعني الحفاظ على ذاكرة إنسانية عالمية.
طنجة… مدينة التعايش بين الأديان والثقافات
في زمنٍ يزداد فيه العالم انقسامًا، تحتاج البشرية إلى مدن تذكرها بأن الإنسان يستطيع أن يختلف مع أخيه في الدين أو اللغة أو الثقافة، دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة،وهنا تظهر طنجة كرسالة،فالمساجد والكنائس والمعابد والمقابر التاريخية، والذاكرة اليهودية والمسيحية والإسلامية، كلها تشهد على تاريخ طويل من الحضور والتفاعل الإنساني،طنجة تستطيع أن تقول للعالم: يمكن للإنسان أن يكون مختلفًا دون أن يكون عدوًا، وأن يكون متمسكًا بهويته دون أن يغلق قلبه أمام الآخر،وهذه ليست مجرد عبارة جميلة؛ إنها فلسفة مغربية راسخة، تجد في طنجة فضاءً طبيعيًا للتجسد،فالتعايش الحقيقي ليس أن نلغي الاختلاف، وإنما أن نحوله إلى معرفة واحترام وحوار،والسلام الحقيقي ليس مجرد غياب الحرب، وإنما هو أن يشعر كل إنسان بأن له مكانًا وكرامة وصوتًا في هذا العالم.
طنجة في الرؤية الملكية… مدينة تتجه نحو العالمية
لقد حظيت طنجة بعناية خاصة في إطار الرؤية التنموية والاستراتيجية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، الذي جعل من شمال المملكة ومن مدينة طنجة جزءًا أساسيًا من مشروع المغرب الحديث والمنفتح على العالم،وقد شهدت المدينة خلال العقود الأخيرة تحولات كبرى في بنيتها التحتية، ومرافقها، وموانئها، وطرقها، ومناطقها الاقتصادية والصناعية والسياحية، بما عزز موقعها كواحدة من أهم الحواضر المغربية على المستوى الدولي،إن ميناء طنجة المتوسط وما ارتبط به من منظومة لوجستية وصناعية وتجارية، إلى جانب مشاريع البنية التحتية والتأهيل الحضري، جعلت طنجة ليست فقط بوابة للمغرب، بل منصة تربط المغرب بمختلف القارات والأسواق العالمية،وهكذا أصبح الموقع الجغرافي الذي كان يمنح طنجة قيمة تاريخية، يتحول اليوم إلى قوة اقتصادية واستراتيجية وحضارية.
من بوابة أوروبا إلى جسر بين القارات
لكن طنجة لا ينبغي أن تُختزل في وظيفتها الاقتصادية،فإذا كانت الجغرافيا جعلتها بوابة أوروبا على أفريقيا، فإن التاريخ والثقافة قادران على جعلها جسرًا إنسانيًا بين أفريقيا وأوروبا والعالم العربي والمتوسط،وهنا يمكن لطنجة أن تقدم للمجتمع الدولي نموذجًا مختلفًا للعلاقات بين الشعوب،نموذجًا يقوم على الحوار بدل الصراع، وعلى المعرفة بدل الأحكام المسبقة، وعلى التواصل بدل الانغلاق،فالموقع الاستراتيجي وحده لا يصنع مدينة عالمية،المدينة العالمية الحقيقية هي التي تصنع من موقعها رسالة، ومن تاريخها جسراً، ومن تنوعها قوة، ومن ذاكرتها مشروعًا للمستقبل.
طنجة والديبلوماسية الثقافية
تملك طنجة كل المقومات لتصبح واحدة من أهم عواصم الدبلوماسية الثقافية والحوار بين الحضارات في المنطقة،ولماذا لا تتحول المدينة إلى فضاء دائم لاحتضان مؤتمرات ومنتديات عالمية حول الحوار بين الأديان ، التعايش والسلام، الأخوة الإنسانية، الهجرة والاندماج،حوار أفريقيا وأوروبا، العلاقات المتوسطية،حماية التراث المشترك، مواجهة خطاب الكراهية والتطرف، دور الشباب في بناء السلام، الثقافة كأداة للدبلوماسية الدولية،إن تنظيم مثل هذه المبادرات في طنجة لن يكون مجرد نشاط ثقافي؛ بل سيكون امتدادًا طبيعيًا لهوية المدينة ورسالتها التاريخية.
طنجة… ورسالة إلى الشباب
ولعل من أهم الرهانات التي تواجه طنجة اليوم أن تجعل من شبابها سفراء لهذه الرسالة، فالشباب هم من سيحملون طنجة إلى المستقبل،وإذا كانت المدينة قد عرفت في الماضي لقاء الحضارات، فإن أبناءها اليوم يستطيعون أن يجعلوا منها مختبرًا عالميًا للابتكار والحوار والثقافة والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر،إن الاستثمار في الشباب لا يعني فقط توفير فرص العمل، بل يعني أيضًا بناء الإنسان، وتعزيز ثقته في وطنه، وتعليمه ثقافة الاختلاف، وتحصينه من خطاب الكراهية واليأس والتطرف،طنجة التي تفتح ذراعيها للبحر يجب أن تفتح أيضًا أبواب الأمل أمام شبابها.
طنجة… مدينة تستحق أن تُروى للعالم
هناك حاجة اليوم إلى إعادة تقديم طنجة للعالم،ليس باعتبارها مدينة سياحية فقط، ولا باعتبارها مركزًا اقتصاديًا فقط، وإنما باعتبارها مدينة ذات رسالة إنسانية عالمية،مدينة يمكن أن تقول للعالم إن أفريقيا ليست هامشًا، وإن المغرب ليس مجرد نقطة عبور بين القارات، وإن المتوسط ليس بحرًا يفصل الشعوب، بل يمكن أن يكون بحرًا يجمعها،يمكن لطنجة أن تصبح عنوانًا عالميًا للتعايش، ومركزًا للحوار بين الثقافات، وملتقى دائمًا للمفكرين ورجال الدين والمثقفين والفنانين والشباب وصناع القرار.
حماية الذاكرة… شرط لصناعة المستقبل
غير أن بناء طنجة العالمية لا ينبغي أن يكون على حساب طنجة التاريخية،فالمدينة التي تريد أن تكون عالمية يجب أن تعرف كيف تحمي روحها،وهذا يعني حماية المدينة القديمة، وترميم معالمها، وصيانة ذاكرتها اليهودية والمسيحية والإسلامية، والاهتمام بموروثها الأندلسي والمتوسطي، وتوثيق تاريخها، وتعريف الأجيال الجديدة به،فالأمم التي تنسى ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على صناعة المستقبل،
أما طنجة، فإن ذاكرتها ليست ملكًا لأهلها وحدهم؛ إنها جزء من التراث الإنساني المشترك.
طنجة… من الجغرافيا إلى الرسالة
إن أعظم ما يمكن أن تقدمه طنجة للعالم ليس ميناءً ولا طريقًا ولا مبنىً ولا مشروعًا اقتصاديًا فقط، أعظم ما يمكن أن تقدمه هو الإنسان،الإنسان الذي يستطيع أن يعيش مع الآخر دون أن يفقد ذاته، الإنسان الذي يحترم دينه ويحترم دين غيره، الإنسان الذي يحب وطنه دون أن يكره أو يحتقر أوطان الآخرين، الإنسان الذي يرى في الاختلاف فرصة للتعارف، وفي الحوار طريقًا إلى السلام، وهذه هي الروح التي يمكن أن تجعل من طنجة مدرسةً إنسانية مفتوحة على العالم.
طنجة… رسالة المغرب إلى العالم
في النهاية، تبدو طنجة وكأنها اختصار جميل للمغرب نفسه، أفريقية في جذورها، متوسطية في موقعها، أطلسية في انفتاحها، عربية وإسلامية في هويتها، أندلسية في ذاكرتها، ومغربية في روحها،ولهذا فإن طنجة ليست مجرد مدينة عند طرف المغرب،إنها قلبٌ مفتوح على العالم،مدينة تقف على شاطئ المتوسط وتطل على الأطلسي، وتنظر إلى أوروبا دون أن تدير ظهرها لأفريقيا، وتستقبل العالم دون أن تتخلى عن هويتها،ومن هنا فإن مشروع طنجة الحقيقي لا ينبغي أن يكون مشروع مدينة عالمية فقط، وإنما مشروع مدينة عالمية تحمل رسالة إنسانية،مدينة تقول لكل من يأتي إليها:هنا يمكن أن نختلف دون أن نتخاصم،
هنا يمكن أن نتحاور دون أن نتنازل عن هوياتنا،هنا يمكن أن تتجاور الأديان دون خوف،هنا يمكن للحضارات أن تلتقي دون أن تلغي إحداها الأخرى،هنا يمكن للبحر أن يكون جسرًا لا حاجزًا،وهنا يمكن للإنسان أن يكتشف أن السلام ليس حلمًا بعيدًا، بل خيارًا يمكن أن يبدأ من مدينة تلك هي طنجة… مدينة التعايش، مدينة السلام، مدينة الحضارات، مدينة اللقاء، مدينة المغرب المفتوحة على العالم،وإذا كان التاريخ قد منح طنجة موقعها، وإذا كانت الجغرافيا قد جعلتها بوابةً بين قارتين، فإن مسؤولية الحاضر هي أن تمنحها رسالتها،طنجة لا ينبغي أن تكون فقط بوابة المغرب إلى العالم؛ بل يمكن أن تكون بوابة العالم إلى ثقافة التعايش والسلام والأخوة الإنسانية،وهذه، في جوهرها، ليست مهمة مدينة وحدها، بل رسالة وطن بأكمله؛ رسالة مغرب يؤمن بأن قوة الحضارات لا تُقاس بقدرتها على إقصاء الآخر، وإنما بقدرتها على التعارف معه، والحوار معه، والعيش معه، وبناء المستقبل معه،طنجة… حين يصبح الموقع رسالة، والتاريخ ذاكرة، والتنوع قوة، والتعايش قدرًا إنسانيًا.
