ads980-90 after header
الإشهار 1

حين حاول الاستعمار اختراق روح المغرب

التصوف المغربي الأصيل ومقاومة الاحتلال ومعركة الدفاع عن الذاكرة والهوية

الإشهار 2

لعرائش أنفو

حين حاول الاستعمار اختراق روح المغرب

التصوف المغربي الأصيل ومقاومة الاحتلال ومعركة الدفاع عن الذاكرة والهوية

بقلم: محمد اعبيدو

لم يكن الاستعمار الأوروبي للمغرب مشروعاً عسكرياً هدفه احتلال الأرض والسيطرة على المدن والموانئ والثروات والمواقع الاستراتيجية فحسب، وإنما كان مشروعاً أوسع وأعمق استهدف الإنسان المغربي في وعيه وذاكرته وهويته ومصادر قوته الروحية والمعنوية، لأن المستعمر أدرك مبكراً أن المغرب ليس مجرد مساحة جغرافية يمكن إخضاعها بالجيوش، بل هو مجتمع متجذر في تاريخ طويل من الدين والعلم والتصوف والملكية والشرفاء والعلماء والزوايا والطرق الصوفية والأضرحة والقبائل والعلاقات الاجتماعية، وأن هذه المنظومة المتشابكة كانت تشكل حصناً معنوياً يحمي وحدة المجتمع ويمنحه القدرة على الصمود في وجه الاحتلال.

ولهذا فإن فهم تاريخ الاستعمار في المغرب لا ينبغي أن يتوقف عند المعارك العسكرية والاتفاقيات السياسية والاحتلال المباشر للأرض، بل يجب أن يتجاوز ذلك إلى دراسة معركة أكثر خفاءً وأشد عمقاً، هي معركة السيطرة على الذاكرة والوجدان والمجال الديني والروحي، لأن الاستعمار الذي يستطيع أن يسيطر على الأرض لكنه يفشل في السيطرة على عقل الإنسان وروحه وذاكرته، يظل عاجزاً عن تحقيق انتصار كامل، ولذلك حاول الاستعمار أن يعرف من هم العلماء المؤثرون، وأين توجد الزوايا القوية، ومن هم الشيوخ الذين يملكون ثقة الناس، وما هي الأضرحة التي تحظى بمكانة روحية ووطنية، وكيف يمكن مراقبة هذه الشبكات أو احتواؤها أو التأثير فيها.

التصوف المغربي الأصيل… مدرسة لصناعة الإنسان الحر

التصوف المغربي الأصيل لم يكن في جوهره عزلة عن المجتمع ولا هروباً من قضايا الإنسان، بل كان مدرسة لتزكية النفس وبناء الأخلاق وتربية الضمير وربط الإيمان بالسلوك والعمل وخدمة الناس، ولذلك ارتبط تاريخ الزوايا المغربية بالتعليم وتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية وإيواء عابر السبيل وإطعام الفقراء وإغاثة المحتاجين وإصلاح ذات البين وتعزيز التضامن الاجتماعي، فكانت الزاوية في كثير من المناطق مؤسسة دينية واجتماعية وإنسانية تؤدي أدواراً تتجاوز حدود العبادة الفردية لتصبح جزءاً من البنية الأخلاقية للمجتمع.

ومن هنا فإن التصوف المغربي، عندما كان وفياً لجوهره، لم يكن مشروعاً لصناعة الإنسان المستسلم، بل مشروعاً لصناعة الإنسان المتوازن الذي يعرف ربه ويحترم الإنسان ويحفظ كرامته ويخدم مجتمعه ويقف في وجه الظلم، ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول بعض الزوايا في فترات الاحتلال إلى فضاءات للمقاومة المعنوية والاجتماعية، وأن يصبح الشيخ والعالم والفقيه والمربي جزءاً من منظومة الصمود، لأن المقاومة ليست دائماً بندقية في يد رجل، وإنما قد تكون كلمة حق، أو درساً في القرآن، أو موقفاً شجاعاً، أو رفضاً للخضوع، أو حفاظاً على اللغة والهوية، أو إطعاماً لمحتاج، أو حمايةً لمطارد، أو استمراراً في تعليم أبناء الشعب رغم محاولات الاحتلال تغيير بنيته الثقافية.

إن المقاومة الروحية كانت، في كثير من الأحيان، الوجه الآخر للمقاومة المسلحة؛ فالمقاتل الذي يحمل السلاح يحتاج إلى معنويات، والمجتمع الذي يقاوم يحتاج إلى ذاكرة، والشعب الذي يواجه الاحتلال يحتاج إلى معنى يمنحه القدرة على الصمود، وهنا أدت الزوايا والعلماء والشرفاء والمؤسسات الدينية أدواراً مهمة في الحفاظ على الروح الجماعية للمجتمع.

المغرب… حين يصبح التصوف جزءاً من الهوية الوطنية

كان المغرب عبر قرون طويلة واحداً من أهم مراكز التصوف في الغرب الإسلامي، وتداخل فيه التصوف مع العلم والفقه والتربية والأخلاق، وبرزت فيه شخصيات روحية كبرى تركت آثاراً عميقة داخل المغرب وخارجه، وفي مقدمتها شخصية القطب الرباني مولانا عبد السلام بن مشيش الذي ارتبط اسمه بالسلسلة الشاذلية وأصبح مقامه في جبل العلم من أبرز الرموز الروحية في الذاكرة المغربية.

إن قيمة مولانا عبد السلام بن مشيش لا تختزل في مكانه الجغرافي أو في المقام الذي يحمل اسمه، وإنما تتجاوز ذلك إلى ما يمثله من حضور روحي ورمزي في الوجدان المغربي، لأن الأضرحة الكبرى لا تعيش في الحجارة وحدها، وإنما تعيش في ذاكرة الناس ووجدانهم، وتتحول عبر الزمن إلى رموز تتداخل فيها معاني الدين والصلاح والكرامة والانتماء والتاريخ.

ومن هنا يمكن فهم سبب اهتمام سلطات الاحتلال بالزوايا والأضرحة والرموز الدينية؛ فالمستعمر لم يكن ينظر إليها دائماً باعتبارها أماكن للعبادة فقط، وإنما باعتبارها مراكز محتملة للتأثير الاجتماعي والمعنوي، ومخازن للذاكرة الجماعية، وأماكن يمكن أن تستعيد فيها الجماعة ثقتها بنفسها وبماضيها وقدرتها على المقاومة.

من احتلال الأرض إلى محاولة اختراق الروح

كان الاحتلال يدرك أن إخضاع المغرب بالقوة العسكرية وحدها لن يكون كافياً، لأن المجتمع المغربي يمتلك بنية اجتماعية وروحية قادرة على إنتاج المقاومة، ولذلك فإن السيطرة على المجال الديني والروحي كانت جزءاً من معركة السيطرة الشاملة على المجتمع، ومن هنا يصبح ضرورياً أن ندرس كيف تعاملت الإدارة الاستعمارية مع العلماء والزوايا والشرفاء والطرق الصوفية، وكيف حاولت التعرف على شبكات النفوذ داخل المجتمع، وكيف تعاملت مع الشخصيات التي كانت قادرة على التأثير في الناس.

وقد سبقت التجربة الفرنسية في الجزائر فرض الحماية على المغرب بعقود طويلة، إذ بدأت فرنسا احتلال الجزائر سنة 1830، ثم فرضت الحماية على المغرب سنة 1912، وهو تسلسل تاريخي يجعل دراسة التجربة الجزائرية مهمة لفهم بعض أدوات الإدارة الاستعمارية الفرنسية في المغرب، خصوصاً أن فرنسا راكمت خلال وجودها في الجزائر خبرة واسعة في التعامل مع القبائل والعلماء والزوايا والشبكات الدينية والاجتماعية، غير أن المقارنة بين التجربتين يجب أن تتم بحذر علمي، لأن لكل بلد سياقه التاريخي والاجتماعي الخاص، ولأن الزوايا الجزائرية والمغربية لم تكن كلها في موقع واحد من الاستعمار، فقد ظهرت في الجزائر كما في المغرب شخصيات وزوايا ومؤسسات دينية لعبت أدواراً مهمة في مقاومة الاحتلال والدفاع عن الاستقلال.

ولهذا لا يجوز الوقوع في التعميم والقول إن الطرق الصوفية كانت أدوات استعمارية، لأن مثل هذا الحكم يظلم تاريخ التصوف ويطمس صفحات مشرقة من مقاومة العلماء والمتصوفة، وإنما السؤال التاريخي الحقيقي هو: هل حاولت الإدارة الاستعمارية في بعض الحالات احتواء بعض المؤسسات أو استمالة بعض الشخصيات أو التأثير في بعض شبكات النفوذ الديني؟ وهل استخدمت المال أو الامتيازات أو الحماية الإدارية أو العلاقات السياسية لتحقيق أهدافها؟ وهذه الأسئلة لا ينبغي أن تجيب عنها الخصومات الشخصية أو الروايات المتداولة، وإنما يجب أن تجيب عنها الوثائق والأرشيفات.

أخطر ما يفعله الاستعمار أن يجعل الاختراق يبدو من الداخل

إن الاحتلال المباشر واضح ويمكن للمجتمع أن يراه ويقاومه، لكن أخطر أشكال السيطرة هي تلك التي تدخل من الداخل وتظهر وكأنها جزء طبيعي من المجتمع، ولذلك فإن الاستعمار قد لا يحتاج دائماً إلى إغلاق الزاوية أو محاربة الشيخ، بل قد يحاول التأثير في الشيخ، أو استمالته، أو منحه امتيازات، أو دعم شخصية دينية على حساب أخرى، أو مراقبة مؤسسة مستقلة، أو إعادة ترتيب شبكة النفوذ داخل المجتمع، لأن السيطرة على المؤسسة من الداخل أكثر خطورة من هدمها من الخارج.

وفي هذه الحالة تصبح المعركة ليست بين مستعمر ومقاوم بصورة واضحة، وإنما بين استقلال روحي وتبعية ناعمة، بين زاوية تحفظ وظيفتها الأخلاقية والاجتماعية، وزاوية يمكن أن تتحول إلى أداة نفوذ، وبين شيخ يرى مهمته في تربية الإنسان وحماية المجتمع، وشيخ يمكن أن يصبح جزءاً من شبكة المصالح.

ولهذا فإن الدفاع عن التصوف المغربي لا يعني الدفاع عن كل ممارسة أو كل شخص أو كل مؤسسة تحمل اسم التصوف، وإنما يعني الدفاع عن التصوف الذي يقوم على العلم والتزكية والأخلاق والرحمة وخدمة الإنسان والاستقلال عن التوظيف السياسي والاستعماري.

السند الصوفي… ذاكرة لا يجوز العبث بها

من أهم القضايا التي تستحق البحث العلمي قضية الأسانيد والسلاسل الصوفية، لأن السند في التصوف ليس مجرد قائمة أسماء، وإنما يمثل امتداداً للذاكرة الروحية والتربوية، وعندما تنتسب طريقة أو زاوية إلى الشاذلية أو القادرية أو الدرقاوية أو غيرها، فإن من حق الباحث أن يسأل عن المؤسس والشيخ والسلسلة والإجازة وتاريخ الظهور ومكان الانتشار والوثائق التي تثبت هذا الاتصال.

إن طرح هذه الأسئلة لا يهدف إلى مهاجمة التصوف، بل إلى حمايته من التزييف، لأن التصوف المغربي الأصيل لا يحتاج إلى تاريخ مصطنع ولا إلى سند مختلق ولا إلى حماية سياسية، وإنما قوته في أصالته وفي أثره الأخلاقي والروحي وفي علم رجاله وفي شهادات التاريخ.

ومن هنا فإن أي حديث عن ظهور فروع أو طرق أو شبكات دينية خلال المرحلة الاستعمارية يجب أن يخضع للتحقيق العلمي الهادئ، من خلال مقارنة المخطوطات والإجازات والمراسلات والوثائق المحلية بالتقارير الفرنسية والإسبانية، حتى نميز بين ما هو أصيل وما هو طارئ، وبين ما هو تاريخي وما هو رواية متأخرة، وبين ما هو امتداد طبيعي وما قد يكون خضع لتأثيرات سياسية أو استعمارية.

مولانا عبد السلام بن مشيش… ذاكرة روحية تتجاوز حدود المكان

إن الحديث عن التصوف المغربي الأصيل لا يمكن أن يتجاوز شخصية مولانا عبد السلام بن مشيش، الذي أصبح مقامه في جبل العلم جزءاً من الذاكرة الروحية المغربية، وتجاوز حضوره حدود المكان ليصبح رمزاً من رموز التصوف المغربي والشاذلية.

وقد ارتبطت بمقامه وبشخصيته روايات ومرويات كثيرة في الذاكرة الشعبية والمحلية، كما ارتبط اسمه في الوجدان المغربي بمعاني الثبات والبركة والصلاح والارتباط بالأرض والهوية، ومن بين المرويات التي تحتاج إلى بحث وتوثيق ما يتعلق بما يروى عن أثر معنوي وروحي في سياقات المقاومة المغربية ومعركة وادي المخازن سنة 1578.

وهنا يجب أن نكون أمناء مع التاريخ ومع مقام الرجل في الوقت نفسه؛ فالمكانة الروحية لا تحتاج إلى إثبات عسكري، والرواية الشعبية لا ينبغي أن تقدم باعتبارها وثيقة تاريخية دون دليل، وفي المقابل لا يجوز أيضاً إلغاء القيمة الوجدانية والرمزية للروايات التي حفظتها الذاكرة المغربية عبر الأجيال، بل المطلوب هو جمعها ودراستها ومقارنتها بالمصادر المعاصرة للأحداث، حتى يصبح التاريخ أكثر قوة بالوثيقة، وتبقى الذاكرة محفوظة باحترام.

شمال المغرب… حين تصبح الزاوية جزءاً من مقاومة الاحتلال

في شمال المغرب، حيث فرض الاستعمار الإسباني وجوده العسكري والسياسي، لعبت البنية الدينية والاجتماعية دوراً مهماً في حياة السكان، وكانت الزوايا والأضرحة والعلماء والشرفاء جزءاً من منظومة الذاكرة المحلية، ولذلك فإن دراسة المقاومة في شمال المغرب لا يمكن أن تكتمل دون دراسة الدور الذي قامت به المؤسسات الدينية والروحية في الحفاظ على الهوية وفي رفع المعنويات وفي حماية الروابط الاجتماعية.

وتتداول الذاكرة المحلية روايات حول اهتمام سلطات الاحتلال الإسباني ببعض الأضرحة والمواقع الروحية، ومن بينها ضريح مولانا عبد السلام بن مشيش، كما تتحدث روايات محلية عن محاولات التأثير في محيط المقام عبر بعض الوسطاء والأعيان والشخصيات، غير أن هذه القضايا تحتاج إلى إخراجها من دائرة الرواية المتداولة إلى دائرة البحث الوثائقي، وذلك من خلال فحص الأرشيف الإسباني والمغربي ومراسلات السلطات وتقارير الإدارة الاستعمارية وشهادات المقاومة والمخطوطات المحلية.

فالتاريخ الحقيقي لا يحتاج إلى المبالغة، ولا يخاف من الأسئلة، بل إن قيمة أي قضية تاريخية تزداد عندما تنتقل من الرواية إلى الوثيقة ومن الذاكرة إلى التحقيق العلمي.

التصوف الذي يرفض الظلم

إن التصوف المغربي الأصيل لا يمكن أن يكون مشروعاً لتربية الإنسان على الخضوع للظلم، لأن جوهر التزكية هو تحرير النفس من الطمع والخوف والأنانية والكذب، ومن تحرر من هذه القيود يصبح أكثر قدرة على الدفاع عن الحق والكرامة.

ولهذا فإن التصوف الذي صنعته التجربة المغربية في أفضل صفحاتها كان تصوفاً يربي الإنسان على الرحمة لا القسوة، وعلى التواضع لا الاستعلاء، وعلى العلم لا الجهل، وعلى الصدق لا النفاق، وعلى خدمة الناس لا استغلالهم، وعلى الإحسان لا الإفساد.

ومن هنا نفهم العلاقة العميقة بين التصوف والمقاومة؛ فحين تكون الروح حرة، يصبح الإنسان أكثر استعداداً للدفاع عن حريته، وحين يكون الضمير حياً، يصبح من الصعب شراء صاحبه بالمال أو الامتياز، وحين تكون الهوية راسخة، يصبح الاحتلال عاجزاً عن تحويل الهزيمة العسكرية إلى هزيمة روحية.

الزوايا التي حافظت على الروح… جزء من تاريخ المقاومة

لقد آن الأوان لإعادة النظر في تاريخ المقاومة المغربية من منظور أكثر شمولاً، لأن المقاومة لم تكن فقط معارك مسلحة يخوضها الرجال في الجبال والسهول، وإنما كانت أيضاً شبكة واسعة من العلماء والفقهاء والشيوخ والزوايا والشرفاء والقبائل والأسر والمواطنين الذين حافظوا على تماسك المجتمع وعلى ذاكرته وعلى قيمه.

فالزاوية التي استمرت في تعليم القرآن في زمن الاحتلال كانت تؤدي دوراً في حماية الهوية، والشيخ الذي رفض بيع ولائه كان يمارس شكلاً من أشكال المقاومة، والعالم الذي حافظ على استقلال العلم كان يحمي استقلال الضمير، والأسرة التي حافظت على لغتها ودينها وعاداتها كانت تمنع الاحتلال من إتمام مشروعه الثقافي، والمجتمع الذي حافظ على روابطه وتكافله كان يقاوم محاولات تفكيكه.

إنها مقاومة لا تظهر دائماً في كتب المعارك، لكنها تظهر في استمرار المجتمع نفسه.

معركة اليوم… حماية التصوف من التوظيف

إذا كان الاستعمار قد حاول في بعض السياقات اختراق المجال الديني والروحي، فإن مسؤوليتنا اليوم هي ألا نسمح لأي توظيف سياسي أو تجاري أو شخصي بأن يحرف رسالة التصوف عن جوهرها.

فالتصوف ليس تجارة، ولا لقباً اجتماعياً، ولا وسيلة لبناء النفوذ، ولا مجالاً لاستغلال الفقراء والبسطاء، ولا منصة لتقديس الأشخاص، وإنما هو في جوهره تربية للإنسان على معرفة الله وحسن الخلق وخدمة الناس.

والتصوف الذي يستحق أن يبقى في المغرب هو التصوف الذي يخرج الإنسان من الأنانية إلى الرحمة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الكراهية إلى المحبة، ومن الخوف إلى الشجاعة، ومن التعلق بالأشخاص إلى التعلق بالقيم، ومن الاستغلال إلى الخدمة.

فإذا تحولت الزاوية إلى مكان للاستغلال فقد ضاعت رسالتها، وإذا تحول الشيخ إلى صاحب سلطة مطلقة فقد ابتعد عن روح التربية، وإذا تحول التصوف إلى شعارات بلا أخلاق فقد فقد جوهره.

المطلوب اليوم… مشروع وطني لكتابة تاريخ المقاومة الروحية

إننا في حاجة إلى مشروع علمي وطني كبير يفتح ملف التصوف والزوايا والمقاومة خلال مرحلة الاستعمار، بعيداً عن الخصومات بين الطرق وبعيداً عن الأحكام المسبقة، مشروع يجعل الوثيقة أساساً والبحث العلمي منهجاً والإنصاف غاية.

ويجب أن يشمل هذا المشروع دراسة وضع الزوايا قبل الحماية، وتجربة فرنسا في الجزائر وعلاقتها بالمجال الديني، وعلاقة الإدارة الفرنسية بالزوايا المغربية، وعلاقة الإدارة الإسبانية بالزوايا والأضرحة في شمال المغرب، ودور العلماء والمتصوفة في المقاومة، وتاريخ مقام مولانا عبد السلام بن مشيش، والمخطوطات والأسانيد والإجازات، ومصادر تمويل بعض المؤسسات الدينية خلال فترة الحماية، والطرق التي حافظت على استقلالها، والمؤسسات التي تعرضت لمحاولات الاحتواء، إضافة إلى جمع الروايات الشفوية ومقارنتها بالوثائق الفرنسية والإسبانية والمغربية.

ويجب أن تفتح أمام الباحثين خزائن الأرشيف، لأن الأرشيف الفرنسي والإسباني والمغربي يحتوي، بلا شك، على مادة تستحق الدراسة، كما ينبغي جمع مخطوطات الزوايا وإجازاتها ومراسلات شيوخها وشهادات المقاومين وحفظها رقمياً حتى لا تضيع هذه الذاكرة مع مرور الزمن.

الخاتمة: الأرض قد تُحتل… أما الروح فلا

إن الاستعمار يستطيع أن يحتل الأرض، لكنه لا يستطيع أن يحتل الروح إلا إذا سمح لها أصحابها بأن تُهزم من الداخل.

وهذه هي الحقيقة الكبرى التي يجب أن نستعيدها ونحن نقرأ تاريخ المغرب ومقاومته؛ فالمقاومة المغربية لم تكن مجرد رد فعل عسكري على وجود أجنبي، وإنما كانت دفاعاً شاملاً عن الإنسان والأرض والدين واللغة والذاكرة والكرامة.

وكان التصوف المغربي الأصيل أحد روافد هذه المقاومة، ليس لأنه دعا دائماً إلى حمل السلاح، وإنما لأنه حافظ على الإنسان الذي يحمل السلاح، وعلى المجتمع الذي يحتضن المقاومة، وعلى القيم التي تمنح التضحية معناها.

لقد كان الصوفي الحقيقي، في جوهر رسالته، يحارب داخل الإنسان الخوف والجبن والأنانية والطمع، ويزرع مكانها الصدق والصبر والرحمة والشجاعة، ولذلك فإن الاحتلال الذي يريد كسر المقاومة يحتاج أولاً إلى كسر هذه الروح.

ومن هنا فإن الدفاع عن التصوف المغربي اليوم ليس دفاعاً عن الماضي فقط، وإنما دفاع عن معنى الإنسان المغربي نفسه؛ عن إنسان يعرف دينه دون غلو، ويحترم أولياءه دون تقديس للبشر، ويعتز بتاريخه دون تعصب، ويحب وطنه دون كراهية للآخر، وينفتح على العالم دون أن يفقد جذوره.

إن مولانا عبد السلام بن مشيش، وسائر أعلام التصوف المغربي، لا يحتاجون إلى مبالغات تصنع لهم المجد؛ فالمجد الحقيقي تصنعه القرون، وتصونه الذاكرة، وتؤكده آثار العلم والتربية والأخلاق.

وإن أعظم وفاء لهذا التراث هو أن نحميه من التزوير، ونحمي الزوايا من الاستغلال، ونحمي الأسانيد من العبث، ونحمي الدين من الخرافة، ونحمي التاريخ من التوظيف، ونفتح الأرشيف أمام الباحثين، ونضع الرواية تحت نور الوثيقة، ونقرأ الماضي بعقل نقدي وقلب يعرف قيمة الروح.

فالمغرب لم يقاوم الاستعمار بالسلاح وحده، وإنما قاومه أيضاً بالقرآن والعلم والزاوية والشيخ والأسرة والقبيلة والذاكرة، وبإصرار الإنسان المغربي على ألا يسمح للغريب بأن يعيد تشكيل روحه.

وهنا تكمن أعظم دروس التاريخ:

قد يستطيع المحتل أن يضع يده على الأرض، وقد يستطيع أن يحاصر مدينة أو يراقب جبلاً أو يفرض قانوناً، لكنه لا يستطيع أن يمتلك روح شعب اختار أن يبقى وفياً لذاكرته وقيمه وكرامته.

إن الأرض يمكن أن تُحتل زمناً، أما الروح فلا ينبغي أن تُحتل أبداً.

ومن يملك ذاكرته لا يسهل اقتلاع جذوره، ومن يحمي روحه لا يسهل إخضاعه، ومن يعرف تاريخ أجداده يستطيع أن يصنع مستقبله.

وهكذا يبقى التصوف المغربي الأصيل، في أنقى صوره، ليس مجرد تراث روحي نحتفل به، وإنما مدرسة للإنسان، وذاكرة للوطن، وجسر بين العلم والأخلاق، وبين الإيمان والرحمة، وبين الحرية والكرامة؛ ومن هذه الروح بالذات وُلدت إحدى أعمق صور المقاومة المغربية: مقاومة الإنسان المغربي لكل محاولة لاقتلاع روحه من أرضه وتاريخه وذاكرته.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5