الاستقلالي لا يستقيل…

العرائش أنفو
الاستقلالي لا يستقيل…
بقلم: هشام الدرايدي
حركية استثنائية تشهدها الساحة السياسية المغربية استعدادا للانتخابات التشريعية، أفرزت لنا مشاهد ربما استفزت المواطن قبل المناضل السياسي الذي يدافع من قواعده الحزبية عن مبادئه، موجة من الاستقالات داخل الأحزاب المغربية وانتقالات إلى أخرى لم يسلم منها بيت حزب الاستقلال ولو أنها قليلة وشاذة مقارنة مع الأحزاب الأخرى، إلا أنني ارتأيت الوقوف عندها لأن حزب الاستقلال لا يقارن مع الباقي، إذ أن بعض الأفراد ممن كانوا بالأمس يرددون “أنا استقلالي” أقدموا على الهجرة نحو أحزاب أخرى، بمجرد أن تعذر عليهم الحصول على “تزكية” الحزب للترشح أو على “امتيازات” تنظيمية، هذا المشهد، وإن كان ليس جديدا تماما في الساحة السياسية المغربية، إلا أنه يستدعي وقفة نقدية عميقة من منظور فكري وإيديولوجي يعود بنا إلى الجذور، وتحديدا إلى مدرسة الزعيم علال الفاسي.
يجب أن نعترف بوضوح أن بعض هؤلاء “المغادرين” إن لم نقل معظمهم أشخاص “استقدموا” إلى الحزب وعيونهم لم تكن قط على خدمة الحزب أو النضال وفق فكره ومنهجه، وإنما كانت على “مواقع ومناصب” يطمحون إليها، ولم يتسنى لهم أن تجر في عروقهم بعد “دماء الاستقلال”، ولم يستوعبوا الجوهر النضالي للمدرسة الاستقلالية التي تضع الوطن والمصلحة العليا فوق أي اعتبار شخصي، كما تشبع به من تربى في الفكر العلالي، أو من نهل من مياه نضاله حتى ولو كان من الملتحقين المستجدين.
ما نراه اليوم عند هؤلاء هو “تشخيص بالامتياز”، هؤلاء الأفراد يقيسون انتماءهم للحزب بمدى ما يحصلون عليه من تفضيلات شخصية، وهذا بؤس فكري وسياسي يمس بكرامة العمل الحزبي، ويحول الانتماء التنظيمي إلى مجرد “جواز سفر” لتحقيق طموحات ذاتية، والترحال السياسي السريع عقب حرمانهم من التزكية هو خير دليل على أن هؤلاء لا يملكون مبادئ ثابتة، بل “مصالح” متغيرة بتغير الألوان والمواقع.
فأعود لأقول لهم، إن فكر علال الفاسي يقدم قاعدة ذهبية لم تلتفتوا إليها وقد أعاد التذكير بها الأخ الأمين العام نزار بركة في لقاءاته التواصلية الأخيرة، “من تجري في دماغه المبادئ الاستقلالية لا يستقيل”، وأضيف على كلام الزعيم وسبطه؛ إذا ما أقدم الاستقلالي الحقيقي على “الاستقالة” من “المسؤوليات التنظيمية” أو “المسار السياسي الرسمي” لأسباب قاهرة، فإنه يعتزل “العمل السياسي الحزبي” تماما، ولا يهرول إلى حزب آخر، ومن يفعل غير ذلك فهو لم يكن يوما استقلاليا وإنما “مصلحجيا”.
“الاستقالة” عند علال الفاسي هي لحظة “نقد ذاتي” عميقة ومصالحة، لحظة يعود فيها “الاستقلالي” إلى بيته ليس فقط للاستراحة، بل “لتلوين مساره” و”تصحيحه”، والعودة إلى “البيت الاستقلالي” الأوسع المتجمد في فكره وكتاباته ونضاله الفكري وإنتاج ذلك في كتب لتدريسها للأجيال القادمة، كما فعل الزعيم نفسه من خلال كتاباته ومقالاته النقدية العميقة.
لذا اسمحوا لي أن أقول لكم، إن من تتغير مبادئه الاستقلالية بـ “رسالة تزكية” هو في الحقيقة لم يملك قط تلك المبادئ، فالاستقلالية الشاملة التي نادى بها فكر علال الفاسي تعني أولا “التحرر من كافة أشكال التبعية”، بما فيها التبعية للطموح الشخصي الأعمى الذي يضرب المصلحة الجماعية، والهرولة إلى حزب آخر هي إقرار صريح بفشل “التفكير الاستقلالي” لدى هؤلاء، وبأن “التشخيص بها” كأداة تحليلية لديهم لم تستطع فحص حتى أفعالهم.
وفي الأخير ونحن على أبواب انتخابات تشريعية حاسمة، أوجه هذا المقال بالخصوص لأصدقائي ومحيطي الذين كانوا يبحثون في أسئلتهم لي عن حقيقة هؤلاء الذين استقالوا وغادروا البيت الاستقلالي هل هم استقلاليون؟ أقول لهم لم يكونوا كذلك، ولم يستوعبوا شعار حزب الاستقلال “وطني مستقبلي” الذي هو بمثابة البوصلة التي تعيد الجميع إلى الطريق الصحيح، فالوطن” يجب أن يكون “هو المستقبل”، ولا مستقبل للأوطان إذا ما تحول العمل السياسي إلى مزاد علني للطموحات الشخصية، أما “الاستقلالية” فهي التزام نضالي، وفكر ومنهج حياة يرفض كافة أشكال التحور بما فيها تحور القيم والمبادئ باسم “المصلحة الانتخابية”.
