ads980-90 after header
الإشهار 1

طنجة… عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح وجسر عالمي للسلام بين الحضارات

من ملتقى البحرين إلى ملتقى الضمائر الإنسانية… مدينة مغربية تحمل ذاكرة العالم وتطمح إلى صناعة مستقبل أكثر أخوة وسلاماً

الإشهار 2

العرائش أنفو

طنجة… عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح وجسر عالمي للسلام بين الحضارات

من ملتقى البحرين إلى ملتقى الضمائر الإنسانية… مدينة مغربية تحمل ذاكرة العالم وتطمح إلى صناعة مستقبل أكثر أخوة وسلاماً

بقلم: محمد اعبيدو

ليست عظمة المدن بما تشيده من أبراج، ولا بما تمتلكه من موانئ وطرقات، ولا حتى بما تختزنه من ثروات اقتصادية؛ وإنما بما تستطيع أن تمنحه للإنسانية من قيم، وما تتركه في ضمير التاريخ من أثر، وما تفتحه أمام الشعوب من جسور للتعارف والتفاهم والسلام.

وهناك مدن يكتب التاريخ أسماءها على الخرائط، ومدن تنقش أسماءها في ذاكرة الحضارات، ومدن استثنائية تتحول، بفعل موقعها وتاريخها وروحها، إلى رسالة إنسانية تتجاوز حدود الأوطان والقارات.

وطنجة واحدة من هذه المدن الاستثنائية.

إنها ليست مجرد مدينة مغربية تطل على مضيق جبل طارق، ولا مجرد نقطة التقاء بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، وإنما هي فضاء حضاري وإنساني تتصافح فيه الجغرافيا مع التاريخ، وتتعانق فيه أفريقيا وأوروبا، وتتجاور في ذاكرته روافد الحضارة العربية الإسلامية والأمازيغية والأندلسية والعبرية والمتوسطية والأوروبية.

طنجة مدينة علّمتها الجغرافيا الانفتاح، ومنحها التاريخ حكمة التعدد، وأكسبتها هويتها المغربية القدرة على الجمع بين الاعتزاز بالجذور والانفتاح على الآخر.

ومن هنا، فإن الحديث عن مكانة طنجة العالمية لا ينبغي أن يظل محصوراً في بعدها الاقتصادي أو السياحي أو اللوجستي، بل يجب أن يرتقي إلى سؤال حضاري أكبر وأكثر عمقاً:

لماذا لا تصبح طنجة عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح والأخوة الإنسانية، ومنصة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات والحضارات؟

إنه ليس مجرد طموح ثقافي عابر، بل مشروع يستمد مشروعيته من التاريخ، وقوته من الجغرافيا، وروحه من النموذج المغربي الأصيل في التعايش الديني والحضاري.

طنجة… حين تتحول الجغرافيا إلى قدر حضاري

في أقصى شمال المغرب، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، تقف طنجة شاهدة على واحدة من أبلغ صور الجغرافيا الإنسانية.

فهنا لا يبدو البحر مجرد امتداد مائي، ولا المضيق مجرد فاصل طبيعي بين قارتين، بل يظهر المكان وكأنه دعوة مفتوحة إلى اللقاء، ورسالة صامتة مفادها أن ما تفصله الطبيعة تستطيع الإرادة الإنسانية أن تصله بالحوار والتعاون والسلام.

على مرمى البصر من أوروبا، وبجذور ضاربة في عمق أفريقيا، ظلت طنجة مدينة تنظر إلى العالم من موقع الواثق بهويته، لا من موقع الباحث عن هوية بديلة.

إنها مغربية الانتماء، عالمية الإشعاع، متوسطية الروح، أطلسية الأفق.

لقد عبرت من أبوابها قوافل التجار والرحالة، والتقت في فضاءاتها لغات متعددة، وتعاقبت عليها تأثيرات حضارية مختلفة، فصارت ذاكرتها أشبه بمخطوط إنساني كبير، كتبت صفحاته شعوب وثقافات وأديان متعددة.

ولعل أعظم ما يميز طنجة أن موقعها لم يجعلها مجرد معبر بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب، بل منحها قابلية تاريخية لأن تكون فضاءً للتفاعل بين المختلفين.

ومن هنا تبدأ رسالتها العالمية: أن تتحول من ملتقى جغرافي بين البحار والقارات إلى ملتقى أخلاقي بين الإنسان وأخيه الإنسان.

طنجة في ذاكرة العالم… مدينة لا تختصرها حضارة واحدة

ليس تاريخ طنجة تاريخ حضارة منفردة، بل هو تاريخ تراكم إنساني طويل، امتزجت فيه التأثيرات الفينيقية والرومانية والإسلامية والأندلسية والأوروبية، وتفاعلت داخله روافد ثقافية ودينية واجتماعية متعددة.

وقد منحتها تجربتها التاريخية، بما فيها مرحلة الوضع الدولي خلال القرن العشرين، خصوصية جعلت اسمها حاضراً في الذاكرة الدبلوماسية والثقافية العالمية.

كانت طنجة ملتقى للدبلوماسيين والكتاب والمفكرين والفنانين والرحالة، ومصدراً لإلهام أسماء عالمية وجدت في شوارعها وأزقتها ومقاهيها وبحرها مادة للتأمل والإبداع.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الإرث لا تكمن في استحضار الماضي على سبيل الحنين، وإنما في تحويله إلى قوة أخلاقية وثقافية تخدم المستقبل.

فالمدينة التي استطاعت أن تحتضن هذا التعدد التاريخي تملك اليوم مقومات استثنائية لتصبح فضاءً دولياً للحوار بين الحضارات.

وطنجة ليست مطالبة بأن تتنكر لأي صفحة من تاريخها، بل بأن تقرأ تاريخها كاملاً، بما فيه من لحظات إشراق وتوتر وتفاعل وتحول؛ لأن الذاكرة الناضجة ليست تلك التي تنتقي من الماضي ما يرضيها، بل التي تستخلص منه ما يجعل المستقبل أكثر إنسانية.

طنجة… حيث تتجاور الأديان وتلتقي الذاكرات

إذا كان العالم المعاصر يبحث عن نماذج حقيقية للتعايش الديني والثقافي، فإن طنجة تمتلك رصيداً تاريخياً وإنسانياً يستحق أن يُعاد تقديمه إلى الضمير العالمي.

ففي فضائها الحضري وذاكرتها التاريخية، تحضر المساجد والكنائس والمعابد اليهودية، وتلتقي آثار الوجود الإسلامي واليهودي والمسيحي، شاهدة على صفحات متعددة من تاريخ المدينة.

وليس المقصود من استحضار هذا الإرث تقديم صورة مثالية تتجاهل تعقيدات التاريخ، وإنما التأكيد على أن طنجة تختزن تجربة إنسانية ثمينة، يمكن استثمارها في بناء ثقافة جديدة للتعارف والاحترام المتبادل.

فالتسامح لا يعني أن يتخلى الإنسان عن عقيدته، والتعايش لا يقتضي ذوبان الهويات، والحوار لا يشترط أن يتنازل أحد عن قناعاته.

بل إن أسمى معاني التعايش أن نختلف في المعتقد، ونتفق في الكرامة؛ وأن تتعدد طرقنا الروحية، دون أن تتناقض مسؤوليتنا الأخلاقية تجاه الإنسان.

إن المسلم والمسيحي واليهودي، وكل إنسان مهما اختلفت مرجعيته الثقافية أو الروحية، يستطيع أن يجد في قيم الرحمة والعدل وصون الحياة الإنسانية أرضية مشتركة لبناء السلام.

وهذه هي الرسالة التي تستطيع طنجة أن تحملها إلى العالم:

لسنا مطالبين بأن نكون متشابهين حتى نعيش معاً، وإنما مطالبون بأن نكون أكثر إنسانية حتى نحسن العيش باختلافاتنا.

إنها رسالة تزداد ضرورتها في عالم تتسع فيه مساحات الخوف من الآخر، وتتصاعد فيه خطابات الكراهية والإقصاء، وتتحول فيه الاختلافات الدينية والثقافية أحياناً إلى أدوات للصراع بدل أن تكون جسوراً للمعرفة والتكامل.

ومن طنجة يمكن أن ينطلق صوت مغربي متوسطي يقول إن الدين ينبغي أن يكون باعثاً على الرحمة لا ذريعة للكراهية، وإن الهوية الحقيقية لا تحتاج إلى إلغاء الآخر لكي تثبت وجودها.

النموذج المغربي… من إمارة المؤمنين إلى ثقافة التعايش

لا يمكن الحديث عن المكانة الحضارية لطنجة بمعزل عن خصوصية النموذج المغربي، الذي جعل من تعدد روافد الهوية الوطنية مصدر غنى واستمرارية.

فالمغرب، في ظل إمارة المؤمنين، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يقدم تجربة ذات خصوصية في صيانة الهوية الدينية الوطنية، وحماية التراث الروحي، وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال والانفتاح.

وتتجلى هذه الخصوصية أيضاً في الاعتراف الدستوري بتعدد روافد الهوية المغربية، بما فيها الرافد العبري، وفي العناية الملكية بالتراث اليهودي المغربي، وترميم المعابد والمقابر والمواقع التاريخية، باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية المشتركة.

كما شكل نداء القدس، الموقع سنة 2019 بين جلالة الملك محمد السادس وقداسة البابا فرنسيس، تعبيراً رفيعاً عن رؤية مغربية تجعل الحوار بين الأديان مسؤولية أخلاقية مشتركة، وتؤكد ضرورة الحفاظ على الطابع الروحي والإنساني لمدينة القدس باعتبارها فضاءً للقاء أتباع الديانات التوحيدية.

وفي هذا السياق، يمكن لطنجة أن تتحول إلى إحدى أبرز الواجهات الدولية لهذا النموذج المغربي، وأن تقدم للعالم صورة عن وطن يعتز بإسلامه وهويته، ويصون في الوقت نفسه تعدده الحضاري، ويؤمن بأن السلام يبدأ بالاعتراف المتبادل بكرامة الإنسان.

فالمغرب لا يحتاج إلى استعارة ثقافة التعايش من الخارج؛ إنه يمتلك من عمق تاريخه وتنوع مكوناته وتراثه الروحي ما يؤهله للمساهمة في تجديد الخطاب الإنساني العالمي حول التسامح والأخوة.

من طنجة المتوسط الاقتصادي إلى طنجة المتوسط الإنساني

لقد شهدت طنجة، بفضل الرؤية الاستراتيجية والتنموية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تحولات عميقة نقلتها إلى موقع متقدم في الخريطة الاقتصادية واللوجستية الدولية.

فميناء طنجة المتوسط، والمنظومة الصناعية واللوجستية المرتبطة به، وشبكات النقل الحديثة، ومشاريع التأهيل الحضري والاستثمارات الكبرى، كلها جعلت من المدينة قطباً استراتيجياً يربط المغرب بالأسواق العالمية.

غير أن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم يتجاوز حجم الاستثمارات وعدد السفن والحاويات:

ماذا لو استطاعت طنجة أن تحقق في مجال الدبلوماسية الثقافية والإنسانية ما حققته في مجال الاقتصاد واللوجستيك؟

ماذا لو أصبحت المدينة التي تستقبل سفن العالم قادرة أيضاً على استقبال أفكاره وثقافاته وضمائره؟

وماذا لو تحول ميناء طنجة المتوسط، بوصفه رمزاً للربط الاقتصادي بين القارات، إلى مصدر إلهام لمشروع موازٍ يجعل من المدينة ميناءً رمزياً للحوار والسلام؟

إن التنمية الحقيقية لا تكتمل ببناء البنية التحتية وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى بناء الإنسان، وترسيخ القيم، وحماية الذاكرة، وتعزيز الانتماء، وإنتاج المعرفة.

فالمدينة العالمية ليست فقط تلك التي تمر عبرها التجارة الدولية، بل تلك التي تساهم في صناعة الأفكار التي يحتاج إليها العالم.

وإذا كانت طنجة المتوسط قد نجحت في وصل الأسواق والقارات، فإن طنجة الإنسانية مدعوة اليوم إلى وصل القلوب والعقول والضمائر.

طنجة… عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح

إن الدعوة إلى جعل طنجة عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح ليست مطالبة بلقب بروتوكولي أو شعار سياحي جديد، وإنما هي دعوة إلى بناء مشروع حضاري متكامل، يجعل من المدينة مرجعاً دولياً في الحوار بين الأديان والثقافات، ومركزاً لإنتاج المبادرات الإنسانية العابرة للحدود.

ويمكن أن يقوم هذا الطموح على إطلاق مشروع يحمل عنوان:

«طنجة… عاصمة المتوسط للتعايش والتسامح والأخوة الإنسانية».

مشروع يستند إلى شراكة مؤسساتية وعلمية ومدنية، ويستثمر المكانة التاريخية والدبلوماسية والجغرافية للمدينة، ويجعل منها فضاءً دائماً للقاء القادة الدينيين والروحيين، والمفكرين والجامعيين والباحثين والفنانين والشباب وصناع القرار.

ومن بين المبادرات التي يمكن أن تمنح هذا المشروع عمقاً واستمرارية:

– إحداث منتدى طنجة الدولي للتعايش والتسامح والأخوة الإنسانية، ينعقد سنوياً بمشاركة شخصيات ومؤسسات مغربية ودولية.
– تأسيس مركز متوسطي للدراسات والبحوث في الحوار بين الأديان والحضارات والدبلوماسية الثقافية.
– إطلاق جائزة طنجة الدولية للسلام والتعايش، تكريماً للشخصيات والمبادرات التي تسهم في التقريب بين الشعوب ومواجهة الكراهية.
– إحداث مسار ثقافي وتراثي للتعايش الديني، يعرف بالذاكرة الإسلامية واليهودية والمسيحية للمدينة.
– تنظيم لقاء سنوي للشباب المتوسطي والأفريقي والأوروبي حول السلام والهجرة والاندماج والعدالة المناخية والتحديات الإنسانية المشتركة.
– إطلاق مبادرات تربوية وفنية ورقمية تجعل ثقافة التسامح ممارسة يومية، لا مجرد خطاب مناسباتي.

ولا ينبغي أن يكون هذا المشروع فضاءً للنخب وحدها؛ بل يجب أن تنخرط فيه الجامعة والمدرسة والجمعيات والمؤسسات الثقافية والفاعلون الاقتصاديون وسكان المدينة.

ذلك أن التسامح الذي لا يصل إلى الأحياء الشعبية، ولا ينعكس على سلوك المؤسسات، ولا يفتح الأمل أمام الشباب، يظل قيمة جميلة لم تكتمل ترجمتها في الواقع.

المتوسط… من جغرافيا الأزمات إلى فضاء المصير المشترك

يعيش البحر الأبيض المتوسط اليوم مفارقة إنسانية عميقة.

فهو البحر الذي شهد ميلاد حضارات كبرى، وانتقال العلوم والفلسفات والأديان والفنون، وألهم أجيالاً من المفكرين والشعراء والرحالة؛ لكنه أصبح أيضاً شاهداً على مآسي الهجرة، والتفاوتات الاقتصادية، والتوترات السياسية، وصعود النزعات العنصرية وخطابات الخوف من الآخر.

كم من إنسان عبر المتوسط بحثاً عن حياة كريمة؟

وكم من أم انتظرت ابناً لم يعد من البحر؟

وكم من شاب حمل أحلامه نحو الضفة الأخرى، معتقداً أن المستقبل لا يمكن أن يولد في أرضه؟

إن المتوسط لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الخطابات التي تصف أزماته فحسب، بل إلى مبادرات تعيد إليه معناه الإنساني والحضاري.

وهنا تستطيع طنجة أن تضطلع بدور نوعي.

فبحكم موقعها عند ملتقى أفريقيا وأوروبا، يمكن أن تصبح فضاءً للحوار المتوازن حول قضايا الهجرة والتنمية والاندماج والتعاون بين ضفتي المتوسط.

حوار لا ينظر إلى المهاجر باعتباره رقماً في إحصائيات الحدود، بل إنساناً له اسم وذاكرة وأسرة وكرامة وحلم.

ولا ينظر إلى أفريقيا باعتبارها مصدراً للهجرة فقط، بل قارة تمتلك طاقات بشرية وحضارية واقتصادية هائلة.

ولا ينظر إلى أوروبا باعتبارها فضاءً مغلقاً أو خصماً حضارياً، بل شريكاً في بناء مستقبل مشترك قائم على الاحترام والتعاون والمسؤولية المتبادلة.

إن طنجة قادرة على المساهمة في الانتقال من منطق إدارة الحدود إلى ثقافة بناء الجسور، ومن خطاب الخوف إلى خطاب الثقة، ومن التعايش المفروض بحكم الجوار إلى التعايش المختار بحكم الوعي والمصلحة الإنسانية المشتركة.

الدبلوماسية الثقافية… القوة الهادئة التي تحتاج إليها طنجة

في عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية تصنعها الحكومات وحدها، أصبحت الثقافة والتراث والفنون والجامعات والمجتمع المدني أدوات مؤثرة في بناء الثقة بين الشعوب.

وتملك طنجة من المقومات ما يؤهلها لتكون منصة مغربية رائدة في هذا المجال.

فصورتها العالمية، وذاكرتها المتعددة، وموقعها الجغرافي، وحضورها في الأدب والفن والخيال الإنساني، كلها عناصر يمكن تحويلها إلى قوة دبلوماسية ثقافية ناعمة تخدم المصالح الوطنية وتدعم الحوار الدولي.

ومن المهم هنا أن تتحول طنجة من موضوع تتحدث عنه المؤسسات الثقافية العالمية إلى فضاء ينتج رؤيته الخاصة للعالم.

أن تستقبل المفكرين، نعم؛ ولكن أن تنتج الفكر أيضاً.

أن تحتضن المؤتمرات، نعم؛ ولكن أن تصوغ المبادرات والتوصيات والمشاريع التي تستمر بعد انتهاء المؤتمرات.

أن تحتفي بماضيها، نعم؛ ولكن أن تجعل من ذلك الماضي أساساً لسياسات ثقافية وتربوية وإنسانية تستشرف المستقبل.

فالمدن لا تصبح عواصم للحوار بكثرة الشعارات المرفوعة في ساحاتها، وإنما بقدرتها على تحويل القيم إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى مبادرات، والمبادرات إلى أثر ملموس في حياة الإنسان.

حماية ذاكرة طنجة… مسؤولية وطنية وإنسانية

لا يمكن أن نبني طنجة العالمية إذا فقدنا طنجة الأصيلة.

ولا يمكن أن نرفع شعار التعايش بينما تندثر المعالم التي تشهد على تاريخه.

فالمدينة القديمة، والأسوار، والأزقة، والمعالم التاريخية، والمساجد، والكنائس، والمعابد اليهودية، والمقابر، والفضاءات الثقافية، ليست مجرد بنايات صامتة؛ إنها شواهد على ذاكرة إنسانية مشتركة.

وكل معلم تاريخي يندثر دون توثيق أو حماية يمثل صفحة قد تضيع من كتاب المدينة.

إن الحفاظ على ذاكرة طنجة ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من مشروعها العالمي، من خلال الترميم والتوثيق والبحث العلمي، وإشراك الجامعات والمؤرخين والمجتمع المدني في التعريف بمختلف روافد تراثها.

كما أن العناية بالذاكرة اليهودية والمسيحية والإسلامية للمدينة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها اهتماماً بماضٍ منفصل عن الحاضر، بل باعتبارها حفاظاً على أحد أوجه الهوية المغربية المتعددة والمتكاملة.

إن الذاكرة ليست ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية أخلاقية تجاه الأجيال القادمة.

فالمدينة التي تفقد ذاكرتها قد تنجح في تشييد عمران جديد، لكنها تخاطر بأن تفقد الروح التي تمنح ذلك العمران معناه.

شباب طنجة… سفراء المستقبل وحملة رسالة السلام

لن تكون طنجة عاصمة حقيقية للتعايش إذا ظل هذا الطموح حبيس القاعات الرسمية والندوات الفكرية.

فالمستقبل لا تصنعه البيانات وحدها، وإنما تصنعه الأجيال التي تؤمن بها وتترجمها إلى واقع.

ومن هنا، فإن شباب طنجة يجب أن يكونوا في قلب هذا المشروع، لا مجرد جمهور يحضر فعالياته.

نحتاج إلى شباب يتقن لغات العالم دون أن ينسى لغته وهويته، وينفتح على الثقافات دون أن يشعر بالدونية أمامها، ويعتز بوطنه دون أن يبني اعتزازه على احتقار أوطان الآخرين.

نحتاج إلى شباب يؤمن بأن التكنولوجيا والابتكار وريادة الأعمال يمكن أن تتكامل مع الثقافة والفنون والعمل الإنساني.

وأن السلام ليس موضوعاً يخص السياسيين ورجال الدين وحدهم، بل مسؤولية تبدأ من المدرسة والجامعة والحي ووسائل التواصل الاجتماعي.

إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به طنجة هو الاستثمار في الإنسان، عبر التعليم والتكوين والبحث العلمي والتشغيل وتكافؤ الفرص.

فالمدينة التي تفتح موانئها أمام العالم يجب أن تفتح أبواب الأمل أمام أبنائها.

والمدينة التي تطمح إلى تعليم العالم ثقافة التعايش يجب أن تجعل الكرامة والإنصاف والتضامن قيماً حاضرة في حياة سكانها اليومية.

طنجة… رسالة سلام إلى عالم أنهكته الانقسامات

لم يعد العالم يعاني فقط من الحروب والصراعات المسلحة، بل من أزمة أعمق تمس العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان.

لقد أصبح الاختلاف في كثير من المجتمعات مدخلاً للتخوين، وتحولت الهوية أحياناً إلى جدار للعزلة، واستُعمل الدين في بعض السياقات لتبرير الإقصاء، وتراجعت لغة الرحمة أمام ضجيج الكراهية.

وفي مثل هذا المناخ، لا تحتاج الإنسانية إلى مدن أكثر ثراءً فحسب، بل إلى مدن أكثر حكمة.

مدن تذكرنا بأن الحضارات لم تتقدم عبر الانغلاق وحده، وإنما ازدهرت أيضاً بالتبادل والتفاعل والتعارف.

وأن قوة الأمم لا تقاس بقدرتها على إسكات المختلفين عنها، بل بقدرتها على بناء فضاءات تحفظ كرامتهم وتفتح أمامهم إمكانات التعاون.

وهنا تكمن القيمة الأخلاقية لمشروع طنجة عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح.

فهو مشروع لا يدعو إلى تذويب الهويات، ولا إلى تجاهل الخلافات التاريخية والسياسية والدينية، بل إلى تأسيس ثقافة تجعل الحوار وسيلة لمعالجة الاختلاف، وتجعل العدالة أساساً للسلام، والكرامة الإنسانية مرجعية مشتركة.

فلا سلام حقيقياً دون عدالة، ولا تعايش مستداماً دون احترام، ولا أخوة إنسانية صادقة إذا ظلت معاناة الإنسان خاضعة للانتقاء بحسب دينه أو جنسيته أو انتمائه.

إن دموع الأمهات لا تختلف باختلاف اللغات، ووجع الأطفال لا يحمل جنسية، وكرامة الإنسان لا ينبغي أن تتغير قيمتها من ضفة إلى أخرى.

وهذه هي الرسالة التي يستطيع المغرب، من خلال طنجة، أن يقدمها للعالم بثقة واعتزاز.

من طنجة إلى ضمير الإنسانية… حان الوقت لتحويل الحلم إلى مشروع

إن الدعوة إلى جعل طنجة عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح ليست دعوة إلى إضافة عنوان جديد إلى سجل المدينة، بل إلى منح مكانتها العالمية بُعداً حضارياً وإنسانياً يوازي مكانتها الاقتصادية والاستراتيجية.

إنها دعوة إلى أن تلتقي جهود المؤسسات العمومية والمنتخبة، والجامعة، والمجتمع المدني، والفاعلين الثقافيين والاقتصاديين، من أجل بلورة رؤية مشتركة تجعل من طنجة مركزاً دائماً للحوار والسلام.

رؤية تستلهم التوجهات الملكية في التنمية والانفتاح، وتستند إلى العمق التاريخي للمغرب، وتستثمر موقع طنجة باعتبارها نقطة اتصال استثنائية بين أفريقيا وأوروبا والعالم المتوسطي.

فإذا كانت مدن عالمية قد ارتبطت في الوجدان الدولي بأدوار سياسية أو اقتصادية أو دبلوماسية محددة، فلماذا لا تعمل طنجة على ترسيخ اسمها بوصفها إحدى العواصم العالمية للتعايش والأخوة الإنسانية؟

لماذا لا تصبح المدينة التي يلتقي عندها البحران فضاءً تلتقي فيه ضمائر العالم؟

ولماذا لا يصدر منها نداء إنساني متجدد يؤكد أن الاختلاف ليس حكماً بالصراع، وأن الانتماء ليس مبرراً للإقصاء، وأن السلام ليس ضعفاً، بل أسمى تعبير عن شجاعة الإنسان وحكمته؟

إن طنجة تملك التاريخ والموقع والرمزية والمقومات.

وما تحتاج إليه هو تحويل هذا الرصيد إلى رؤية مؤسساتية واضحة، ومشروع ثقافي وإنساني مستدام، وطموح جماعي يؤمن بأن المدن العظيمة لا تكتفي بأن يكون لها مكان في العالم، بل تسعى إلى أن يكون لها أثر في مستقبله.

خاتمة: طنجة… حين يصبح البحر جسراً، والاختلاف ثراءً، والسلام رسالة وطن

من يقف أمام بحر طنجة، ويتأمل الأفق الممتد بين ضفتي المتوسط، يدرك أن هذه المدينة لم تُخلق لتكون هامشاً في الجغرافيا، ولا مجرد نقطة عبور في التاريخ.

إنها مدينة تحمل في روحها شيئاً من اتساع البحر، وفي ذاكرتها شيئاً من حكمة الحضارات، وفي هويتها شيئاً من قدرة المغرب العريقة على الجمع بين الأصالة والانفتاح.

طنجة ليست مدينة بلا حدود، بل مدينة تعرف حدودها الجغرافية، وتدرك أن رسالتها الإنسانية تستطيع أن تتجاوزها.

إنها مغربية الجذور والانتماء، متوسطية الامتداد، أفريقية العمق، عالمية الطموح.

وإذا كان التاريخ قد منحها مكانة استثنائية، والجغرافيا قد جعلتها جسراً بين القارات، والرؤية الملكية قد فتحت أمامها آفاقاً تنموية واسعة، فإن مسؤولية الحاضر تقتضي أن نمنح هذه المكانة مضموناً إنسانياً يليق بها.

نريد طنجة مدينة لا يلتقي فيها البحران وحدهما، بل تلتقي فيها القلوب والعقول والضمائر.

مدينة لا يُسأل فيها الإنسان عما يفرقه عن أخيه قبل البحث عما يجمعهما.

مدينة يستطيع فيها المسلم والمسيحي واليهودي، وسائر أبناء الأسرة الإنسانية، أن يتحاوروا في كنف الاحترام المتبادل، وأن يجدوا في اختلافهم دعوة إلى المعرفة لا سبباً للعداء.

مدينة تفتح ذراعيها لأفريقيا وأوروبا، وللشرق والغرب، دون أن تتخلى عن روحها المغربية الأصيلة.

مدينة تؤمن بأن التسامح ليس تنازلاً، بل قوة أخلاقية؛ وأن التعايش ليس مجرد ضرورة تفرضها الجغرافيا، بل اختيار حضاري تصنعه الإرادة الإنسانية.

إن العالم لا يحتاج اليوم إلى المزيد من الجدران بين الشعوب، بل إلى المزيد من الجسور بين الضمائر.

وطنجة، بما تختزنه من تاريخ وما تمتلكه من رمزية، قادرة على أن تكون أحد هذه الجسور.

فلتكن طنجة عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح.

ولتكن منارة مغربية للأخوة الإنسانية.

ولتكن فضاءً عالمياً تلتقي فيه الحضارات دون أن تتصارع، وتتجاور فيه الأديان دون أن تتنافى، وتتحاور فيه الثقافات دون أن تلغي إحداها الأخرى.

ولتكن رسالتها إلى العالم واضحة وعميقة:

من أرض المغرب، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، نؤمن بأن ما يجمع البشر أعمق مما يفرقهم، وأن كرامة الإنسان أسمى من كل حدود الجغرافيا، وأن السلام لا يبدأ عندما يصبح الجميع متشابهين، بل عندما نتعلم كيف نحترم بعضنا ونحن مختلفون.

تلك هي طنجة التي تستحق أن نقدمها للعالم.

ليست مجرد بوابة للمغرب نحو القارات، بل بوابة للقارات نحو روح المغرب وقيمه الحضارية.

طنجة التي لا تكتفي بأن تصافح البحر، بل تطمح إلى مصافحة الإنسانية.

طنجة… عاصمة متوسطية للتعايش والتسامح، حيث تتحول الجغرافيا إلى رسالة، والتاريخ إلى حكمة، والتنوع إلى قوة، والأخوة الإنسانية إلى أفق، والسلام إلى مسؤولية مشتركة.

—

محمد اعبيدو
رئيس مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية
رئيس المركز المغربي للتسامح وحوار الأديان

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
الإشهار 5

شاهد أيضا