الرمز الذي لا يريد أن يُفسَّر في العالم البصري لفائق العبّودي

العرائش أنفو
الرمز الذي لا يريد أن يُفسَّر، في العالم البصري لفائق العبّودي
د. محمد البندوري – المغرب
ليس كل رمز يريد أن يقول شيئًا محددًا. هناك رموز تدخل إلى العمل الفني وهي تحمل تاريخًا طويلًا من المعاني، ثم ما تلبث أن تتحرر من وظيفتها الأولى. لا تعود علامة تشير إلى معنى جاهز، ولا مفتاحًا يقود المتلقي إلى تفسير واحد، بل تصبح أثرًا أو ذاكرة أو سؤالًا بصريًا مفتوحًا على احتمالات متعددة. في عالم فائق العبّودي البصري، لا يبدو الرمز وكأنه جاء ليشرح العالم، بل ليجعله أكثر اتساعًا، وهنا تكمن إحدى خصوصيات تجربته.

أمام أعماله، قد يشعر المتلقي بأنه يقف أمام لغة يعرفها، لكنه لا يستطيع قراءتها بالكامل. بعض الأشكال تستدعي الكتابة، وبعضها يوحي بالخرائط أو الآثار أو الكائنات أو ببقايا صور خرجت من زمن بعيد، غير أن هذه الإشارات لا تستقر في معنى واحد. فكلما حاول المشاهد الإمساك بها، تحولت إلى شيء آخر، وكأن الرمز يقول له: لا تبحث عني في قاموس واحد.
فالرمز، حين يكون مغلقًا، يصبح مجرد إشارة تؤدي وظيفتها وتنتهي. أما حين يبقى مفتوحًا، فإنه يتحول إلى مساحة للتأمل. لا يطلب من المشاهد أن يفهمه فقط، بل يدعوه إلى المشاركة في اكتشافه. وهنا لا يكون المتلقي مجرد شخص يقف أمام اللوحة، بل يصبح جزءًا من التجربة نفسها. قد يرى أحدهم في شكل معين أثرًا من مدينة قديمة، وقد يستعيد آخر صورة بعيدة من طفولته، وقد يراه شخص ثالث بناءً تشكيليًا حرًا لا يحتاج إلى اسم. وهذه القراءات لا تلغي بعضها بعضًا، بل يمكن أن تتجاور داخل العمل الواحد.
لعل قوة الرمز لا تكمن دائمًا في وضوحه، بل في قدرته على الإفلات من الوضوح. وفي أعمال فائق العبّودي يعيش الرمز بين حالتين متجاورتين: أن يكون مألوفًا وأن يبقى غامضًا. يمنحنا إحساسًا بأننا رأيناه من قبل، دون أن نستطيع تحديد المكان الذي التقيناه فيه. وهذه الغرابة المألوفة هي التي تجعل بعض الصور تستمر داخلنا حتى بعد أن نغادر اللوحة.
فالذاكرة لا تحتفظ دائمًا بالتفاصيل. إنها تحتفظ أحيانًا بأشياء أكثر غموضًا: هيئة، إيقاع، خط، لون، أو أثر لا نعرف لماذا بقي معنا. وربما هنا يبدأ الرمز الحقيقي؛ ليس فقط عندما نراه أمامنا، بل عندما يستمر في الظهور داخل ذاكرتنا.
ولا يحمل الرمز ذاكرة الفنان وحده. حين يخرج العمل إلى العالم، تبدأ ذاكرات أخرى في الدخول إليه. كل متلقٍ يأتي محملًا بتجربته وأمكنته وصوره القديمة ولغته وحنينه وما فقده وما احتفظ به. لذلك لا يستقبل شخصان اللوحة نفسها بالطريقة ذاتها. قد تكون اللوحة واحدة، لكن الطرق المؤدية إليها كثيرة. وهنا تكمن قدرة الفن على تجاوز حدوده الأولى، فالفنان ينطلق من عالمه الخاص، لكنه لا يستطيع أن يحدد مسبقًا جميع الطرق التي ستعيش بها أعماله داخل الآخرين.
في تجربة فائق العبّودي، لا يبدو الرمز عنصرًا يريد أن يفرض نفسه بوصفه جوابًا. إنه أقرب إلى دعوة هادئة للنظر. إنه يترك جزءًا منه مفتوحًا، ومن هذه الفتحة يدخل المتلقي. ربما لهذا يمكن للعمل البصري أن ينتقل بين أمكنة وثقافات مختلفة، لأن ما يقدمه لا يرتبط بحكاية واحدة مغلقة. ليس مطلوبًا من المشاهد أن يعرف قصة محددة حتى يدخل إلى اللوحة، بل يكفي أن يتوقف أمامها، وأن يشعر بأن هناك شيئًا يقترب منه دون أن يستطيع تسميته.
نحن نعيش في زمن يريد تفسير كل شيء بسرعة. نريد أن نعرف ماذا يعني الشكل، وماذا يقصد الفنان، وما هي الرسالة التي تخفيها اللوحة. لكن بعض الأعمال تقاوم هذا النوع من الأسئلة، ليس لأنها فارغة من المعنى، بل لأنها أكثر اتساعًا من أن تختصر في جواب واحد. والرمز في تجربة فائق العبّودي ينتمي إلى هذه المنطقة. إنه لا يقدم نفسه كحقيقة نهائية، ولا يفرض تفسيرًا واحدًا، بل يتحرك ويتغير وفق العلاقة التي يقيمها معه المتلقي.
وهذا لا يعني أن اللوحة بلا بناء أو أن كل تفسير ممكن. على العكس، إن حرية القراءة تحتاج إلى عمل يمتلك من القوة ما يسمح له بأن يفتح أكثر من طريق دون أن يفقد تماسكه. الرمز لا يقول كل شيء، لكنه لا يصمت أيضًا. إنه يقف في المسافة الفاصلة بين الكلام والصمت، بين ما نعرفه وما نشعر أننا نعرفه، وبين الشكل الذي نراه والمعنى الذي يظل يتشكل داخلنا.
ربما لا ينبغي، إذن، أن نسأل دائمًا: ماذا يقول الرمز؟ أحيانًا يكون السؤال الأجمل: إلى أين يأخذنا؟ ففي أعمال فائق العبّودي يمكن للرمز أن يتحول إلى مكان، إلى فضاء بصري يدخل إليه المشاهد من دون خريطة. تتجاور فيه الأشكال وتتقاطع الخطوط وتظهر العناصر ثم تختفي داخل فضاء أوسع. وهكذا لا تعود اللوحة صفحة نقرأها من البداية إلى النهاية، بل تصبح مكانًا نتحرك داخله، نعود إلى تفصيل صغير فنكتشف شيئًا آخر، ونرى الشكل بطريقة ثم نعود إليه بعد لحظة فنراه بطريقة مختلفة.
المعنى هنا لا ينتظر في نهاية الطريق، بل يتشكل أثناء المشاهدة. وربما هذا أحد الجوانب الجميلة في هذه التجربة: أنها لا تمنح المتلقي إجابة جاهزة، بل تمنحه وقتًا آخر للرؤية، وقتًا أبطأ وأكثر حرية. وهذا الزمن البطيء أصبح اليوم جزءًا من أهمية العمل الفني، لأن اللوحة تمنحنا فرصة للتوقف أمام شيء لا يمكن استهلاكه بنظرة واحدة.
قد ننسى بعد سنوات عنوان لوحة ما، وقد تختفي من ذاكرتنا تفاصيل كثيرة، لكن يبقى أحيانًا شيء صغير: شكل، خط، لون، أو ذلك الإحساس الغامض بأننا وقفنا يومًا أمام صورة تركت فينا أثرًا. هناك، ربما، يعيش الرمز حقًا. ليس فقط داخل اللوحة، بل خارجها أيضًا. إنه ينتقل من سطح العمل إلى ذاكرة المتلقي، ويتحول هناك إلى تجربة جديدة.
ولهذا لا تنتهي اللوحة عندما ينتهي الفنان من رسمها، ولا تنتهي عندما يغادرها المشاهد. هناك جزء منها يستمر في مكان آخر، في الذاكرة، وفي الأسئلة التي لم تجد جوابًا، وفي ذلك الإحساس الذي يصعب تفسيره لكنه يبقى.
وربما لهذا لا يريد الرمز أن يُفسَّر بالكامل. لأنه لو انتهى تفسيره، ربما انتهى جزء من حياته. أما حين يبقى مفتوحًا، فإنه يستمر في التحول، ويستمر في السفر، ويستمر في لقاء عيون جديدة. وهكذا يبقى الرمز حيًا، ليس لأنه قال كل شيء، بل لأنه ترك لنا شيئًا نبحث عنه.
