ads980-90 after header
الإشهار 1

الكويرة ليست للبيع… وموريتانيا لا ينبغي أن تساوم المغرب بجغرافيته وتاريخه

الإشهار 2

العرائش أنفو

الكويرة ليست للبيع… وموريتانيا لا ينبغي أن تساوم المغرب بجغرافيته وتاريخه

حين تتحول روابط الأخوة والجوار إلى ورقة ضغط سياسي، وحين يصبح الاعتراف بالحقوق التاريخية والسيادية موضوعاً للمقايضة، فإن الصمت لا يعود حكمة، بل يصبح الكلام مسؤولية وطنية وأخلاقية وتاريخية.

بقلم: محمد اعبيدو

أثارت المعطيات المنسوبة إلى مجلة «جون أفريك»، بشأن عرض موريتاني محتمل يقضي بالاعتراف بسيادة المملكة المغربية على الصحراء وسحب الاعتراف بجبهة البوليساريو، مقابل تنازل الرباط عن منطقة الكويرة، تساؤلات عميقة تتجاوز حدود الخبر الصحفي، لتلامس جوهر العلاقات المغربية الموريتانية، وحدود المصالح السياسية، ومعنى السيادة الوطنية التي لا يجوز إخضاعها لمنطق المساومات الظرفية.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإننا لن نكون أمام مبادرة دبلوماسية عادية، وإنما أمام محاولة مقلقة لتحويل الاعتراف بالسيادة المغربية إلى مقابل ترابي، وكأن وحدة الأوطان سلعة قابلة للتفاوض، وكأن الجغرافيا الوطنية أوراق توزع على موائد المصالح الإقليمية.

إن المغرب ليس مطالباً بشراء الاعتراف بحقوقه السيادية، ولا بمنح جزء من ترابه ثمناً لتغيير موقف سياسي، مهما كانت أهميته.

فالكويرة ليست مجرد نقطة جغرافية في أقصى الجنوب، وإنما جزء من الذاكرة الترابية المغربية، ورمز من رموز الامتداد الوطني نحو العمق الإفريقي والأطلسي.

والسيادة، في معناها العميق، ليست صفقة تجارية؛ إنها أمانة تاريخية ومسؤولية وطنية وحق تتوارث الأجيال واجب صيانته.

موريتانيا والمغرب… تاريخ أعمق من الحسابات السياسية

من المفارقات التي تستوجب التأمل أن تصدر مثل هذه المعطيات بشأن موريتانيا تحديداً؛ ذلك أن العلاقة بين المغرب وبلاد شنقيط ليست علاقة دولتين جمعتهما المصالح الحديثة وحدها، بل علاقة تشكلت عبر قرون من التداخل التاريخي والروحي والثقافي والاجتماعي.

لقد كانت بلاد شنقيط جزءاً أصيلاً من المجال الحضاري المغاربي والصحراوي الذي امتدت عبره روابط البيعة والعلم والتجارة والتصوف والأنساب، وتفاعلت فيه القبائل والزوايا والعائلات، قبل ظهور الحدود السياسية المعاصرة.

وليس خافياً أن تاريخ المغرب وموريتانيا عرف امتدادات سياسية مشتركة، كما عرف تحولات تاريخية أفضت إلى قيام الدولة الموريتانية المستقلة ذات السيادة.

ومن هنا، فإن استحضار التاريخ المشترك لا ينبغي أن يكون دعوة إلى إنكار الدولة الموريتانية، وإنما تذكيراً بأن العلاقات بين الشعبين أعمق وأسمى من أن تختزل في مساومة حول قطعة من الأرض.

إن شنقيط ليست غريبة عن الوجدان المغربي، كما أن فاس ومراكش وتافيلالت وسوس والصحراء ليست غريبة عن الذاكرة الثقافية والروحية الموريتانية.

فكم من عالم شنقيطي نهل من معين القرويين؟ وكم من أسرة مغربية امتدت فروعها نحو بلاد شنقيط؟ وكم من زاوية وطريقة صوفية وقبيلة شريفة نسجت عبر الصحراء جسوراً من القرابة والمودة والانتماء الحضاري المشترك؟

إن هذه الروابط ليست مادة للمزايدة، بل مسؤولية أخلاقية تفرض على القيادات السياسية الارتقاء إلى مستوى التاريخ.

حين تكون الجذور المغربية جسراً للأخوة لا ذريعة للمساومة

إن الحديث عن الجذور المغربية لبعض الشخصيات والأسر الموريتانية، وما يروى عن امتداداتها الشريفة والإدريسية، يعيد إلى الواجهة حقيقة تاريخية واجتماعية مهمة، وهي أن الحدود السياسية الحديثة لم تستطع يوماً محو وشائج الدم والرحم والانتماء الروحي بين الشعبين.

وقد ارتبطت بعض الأسر ذات الحضور في التاريخ السياسي والاجتماعي الموريتاني بأنساب وامتدادات عائلية عابرة للحدود، من بينها روايات الانتساب إلى البيت الإدريسي الشريف.

غير أن قيمة هذه الروابط لا تكمن في توظيفها للمطالبة بولاءات سياسية، وإنما في جعلها أساساً لمزيد من الوفاء والاحترام المتبادل.

وأنا، محمد اعبيدو، حين أستحضر هذا الامتداد الإنساني، فإنني لا أتحدث عن تاريخ بعيد عن وجداني الشخصي؛ فإحدى جداتي تعود أصولها إلى بلاد شنقيط.

ولهذا، فإن موريتانيا بالنسبة إلي ليست مجرد دولة مجاورة على الخريطة، بل هي أيضاً جزء من ذاكرة عائلية، وامتداد من امتدادات الرحم، وصفحة من صفحات الانتماء الحضاري الذي جمع أهل المغرب وأهل الصحراء عبر الأجيال.

ومن هذا الموقع تحديداً، يصبح الاعتراض على أي مساومة تمس الوحدة الترابية المغربية أكثر عمقاً؛ لأن الأخوة الحقيقية لا تعني التنازل عن الحقوق، كما أن الدفاع عن الوطن لا يستوجب الإساءة إلى الأشقاء.

الكويرة… السيادة لا تقبل المقايضة

إن أخطر ما تنطوي عليه المعطيات المتداولة ليس مجرد الحديث عن تغيير محتمل في الموقف الموريتاني من قضية الصحراء، وإنما ربط ذلك بتنازل ترابي مغربي.

فإذا كان الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه خطوة منسجمة مع منطق دعم الاستقرار الإقليمي، فإن تحويله إلى ورقة تفاوض للحصول على الكويرة يفرغه من معناه السياسي والأخلاقي.

إن المواقف الدولية لا ينبغي أن تبنى على مبدأ: أعطني أرضاً أعطك اعترافاً.

فالوطن ليس عقاراً معروضاً للبيع، والحدود ليست هدايا دبلوماسية، والسيادة لا تخضع لمنطق الابتزاز.

والمغرب، الذي جعل من الدفاع عن وحدته الترابية قضية وطنية جامعة، لا يمكن أن يقبل بأن يتحول أي جزء من ترابه إلى ثمن لموقف سياسي قابل للتغيير بتغير الحكومات والظروف والتحالفات.

إن الكويرة ليست مجرد اسم يتردد في نشرات الأخبار، بل عنوان لالتزام وطني يستوجب التعامل معه بما يليق بحساسيته التاريخية والسيادية والاستراتيجية.

وإذا كانت موريتانيا تبحث عن تعزيز مصالحها الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، فإن الطريق الطبيعي إلى ذلك يمر عبر التعاون والشراكة والتكامل مع المغرب، لا عبر طرح مطالب ترابية مقابلة لتعديل مواقفها الدبلوماسية.

المغرب لا يعادي موريتانيا… ولكنه يرفض الابتزاز

ينبغي أن يكون موقفنا واضحاً لا يحتمل التأويل:

نحن لا نعادي الشعب الموريتاني، ولا ننكر سيادة الجمهورية الإسلامية الموريتانية واستقلالها، ولا ندعو إلى إحياء نزاعات تاريخية تجاوزتها العلاقات الدولية المعاصرة.

بل نعتبر أن قوة المغرب وموريتانيا تكمن في قدرتهما على بناء مستقبل مشترك، يستثمر روابط التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة والمصير.

لكن الأخوة لا تمنح أي طرف حق المساومة على سيادة الطرف الآخر.

والجوار لا يعني أن يتحول الاعتراف بالحقوق إلى وسيلة لانتزاع تنازلات.

والحياد، إن اختارته دولة في نزاع إقليمي، ينبغي أن يكون موقفاً مسؤولاً ومتوازناً، لا ورقة ضغط تستعمل عند الحاجة لتحقيق مكاسب ترابية.

إن المغرب يحتاج إلى موريتانيا قوية ومستقرة ومزدهرة، كما تحتاج موريتانيا إلى مغرب قوي ومستقر، لأن أمن المنطقة مترابط، ولأن التحديات التي تواجه الساحل والصحراء أكبر من الحسابات السياسية الضيقة.

غير أن هذا المستقبل لا يمكن بناؤه إلا على قاعدة الاحترام المتبادل، ووضوح المواقف، ورفض تحويل الملفات السيادية إلى أدوات للمساومة.

رسالة إلى نواكشوط: لا تجعلوا التاريخ المشترك رهينة لحسابات السياسة

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى صناع القرار في نواكشوط ليست رسالة خصومة، بل رسالة وضوح ومسؤولية.

لا تجعلوا من الكويرة ثمناً لموقف سياسي.

ولا تحولوا الروابط التاريخية بين الشعبين إلى مجرد رصيد يستدعى حين تقتضي المصالح ذلك.

ولا تسمحوا للحسابات الإقليمية بأن تضع المغرب وموريتانيا في مواجهة لا تخدم سوى الأطراف المستفيدة من استمرار التوتر والانقسام في المنطقة المغاربية.

إن التاريخ الذي جمعنا يستحق مستقبلاً أفضل.

والدم الذي اختلط عبر الأجيال، والعلم الذي انتقل بين الحواضر، والزوايا التي وحدت الأرواح، والقوافل التي ربطت الأسواق والقبائل، كلها شواهد على أن ما يجمع الشعبين أكبر من أن تهدمه مساومة سياسية عابرة.

فليكن الاعتراف بسيادة المغرب على صحرائه، إن قررت نواكشوط اتخاذه، موقفاً سيادياً واضحاً نابعاً من قناعة سياسية، لا مقابلاً للحصول على جزء من التراب المغربي.

كلمة أخيرة… الأوطان لا تباع والأخوة لا تبتز

إننا نؤمن بأن المغرب وموريتانيا يستطيعان أن يكونا ركيزتين أساسيتين لاستقرار شمال غرب إفريقيا، وأن يحولا حدودهما المشتركة إلى فضاء للتنمية والتبادل والتكامل، بدل أن تكون موضوعاً للتجاذب والحسابات الضيقة.

لكننا نؤمن، بالقدر نفسه، بأن الدفاع عن الوحدة الترابية المغربية ليس موقفاً ظرفياً، ولا شعاراً للاستهلاك الإعلامي، وإنما التزام وطني وتاريخي وأخلاقي.

فالمغرب الذي مد جسور الأخوة نحو أشقائه، وفتح أبواب التعاون مع محيطه الإفريقي، لا ينبغي أن يطلب منه دفع ثمن من أرضه مقابل اعتراف سياسي.

وليعلم الجميع أن المحبة بين الشعوب لا تعني التفريط في الأوطان، وأن احترام الجوار لا يعني القبول بالابتزاز، وأن الدبلوماسية الحقيقية هي التي تصنع المصالح المشتركة دون المساس بحقوق الآخرين.

ستظل الكويرة قضية سيادة وطنية، لا موضوع مزاد سياسي. وستظل موريتانيا شعباً شقيقاً تجمعنا به روابط التاريخ والرحم والحضارة، مهما اختلفت المواقف والحسابات.

فالأرض أمانة، والتاريخ ذاكرة، والسيادة كرامة، والأخوة مسؤولية.

ومن لا يدرك هذه المعادلة، لن يفهم أبداً أن الأوطان لا تقاس بمساحتها وحدها، بل بمدى وفاء أبنائها لكل شبر من ترابها.

محمد اعبيدو
رئيس مؤسسة أدام للأخوة الإنسانية
رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن
رئيس المركز المغربي للتسامح وحوار الأديان

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
الإشهار 5

شاهد أيضا