من بنغازي إلى الرباط… المغرب وليبيا: أخوّة التاريخ وروحانية الحضارة وشراكة الأمن وصناعة المستقبل

العرائش أنفو
من بنغازي إلى الرباط… المغرب وليبيا: أخوّة التاريخ وروحانية الحضارة وشراكة الأمن وصناعة المستقبل
اجتماع أمني واستخباراتي رفيع المستوى يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون المغربي الليبي في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، ويعيد إلى الواجهة عمق الروابط التاريخية والروحية والإنسانية التي تجمع الشعبين الشقيقين
بقلم: محمد اعبيدو
ليست العلاقات بين المملكة المغربية ودولة ليبيا الشقيقة مجرد علاقات بين دولتين تجمعهما خريطة شمال إفريقيا، ولا مصالح سياسية وأمنية تفرضها التحولات الإقليمية والدولية؛ إنها، في عمقها الإنساني والحضاري، علاقة بين شعبين جمعتهما على امتداد القرون وشائج الدين والتاريخ، ومسالك العلم والتصوف، وذاكرة التفاعل المغاربي، وتطلعات مشتركة إلى الأمن والكرامة والاستقرار.
وحين تلتقي الرباط وبنغازي اليوم على طاولة التعاون الأمني والاستخباراتي، فإن الحدث لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد اجتماع تقني لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، بل باعتباره محطة ذات دلالات استراتيجية وإنسانية، تعيد التأكيد على أن أمن الأشقاء لا ينفصل عن أمن بعضهم البعض، وأن التاريخ المشترك لا يكتمل معناه إلا حين يتحول إلى تعاون عملي يخدم الإنسان ويحمي الأوطان ويفتح أبواب المستقبل.
ومن هذا المنطلق، تكتسب أشغال الاجتماع الإقليمي رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، الذي احتضنته مدينة بنغازي يوم الخميس 22 أكتوبر 2026، أهمية خاصة، ليس فقط بسبب مستوى المشاركين وطبيعة الملفات المطروحة، بل أيضاً لما يحمله من رسائل بشأن إمكانات بناء شراكة مغربية ليبية أكثر عمقاً واتساعاً، تتكامل فيها اليقظة الأمنية مع الحكمة السياسية، والخبرة الاستخباراتية مع المسؤولية الأخلاقية، والروابط التاريخية مع رهانات التنمية والاستقرار.
بنغازي تجمع القيادات الأمنية… ورسالة تتجاوز حدود الاجتماع
احتضنت مدينة بنغازي الاجتماع الإقليمي رفيع المستوى لرؤساء أجهزة الأمن ومكافحة الإرهاب، تحت شعار «التصدي للتداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة في أفريقيا»، في لقاء نظمته المديرية العامة للدراسات والمستندات المغربية، بشراكة مع جهاز المخابرات الليبية، وبالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، من خلال مكتبه وبرنامجه بالرباط.
وترأس الاجتماع عن الجانب المغربي السيد محمد ياسين المنصوري، المدير العام للمديرية العامة للدراسات والمستندات، وعن الجانب الليبي الفريق أول حسين العائب، رئيس جهاز المخابرات الليبية، بحضور الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر، نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، إلى جانب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ومسؤولين أمنيين واستخباراتيين وممثلين عن دول متعددة.
ووفق ما أوردته التغطيات الصحفية، شارك في اللقاء 43 وفداً أمنياً واستخباراتياً، من بينها أكثر من عشرين رئيس جهاز مخابرات، في مؤشر على الاهتمام الدولي المتزايد بالتحديات الأمنية التي تواجه القارة الإفريقية.
إن أهمية هذا الاجتماع لا تكمن في حجم الحضور وحده، وإنما في طبيعة الرسالة التي يحملها: فمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة لم تعد مسؤولية دولة بمفردها، ولا يمكن لأي جهاز أمني، مهما بلغت قدراته، أن يواجه بمفرده شبكات عابرة للحدود تستثمر الفوضى والنزاعات والثغرات الحدودية والاقتصادية لتوسيع نفوذها.
لقد أصبح الأمن في عالم اليوم منظومة مترابطة، تتطلب تبادل المعلومات والخبرات، وتطوير قدرات الاستباق، وبناء الثقة بين المؤسسات، مع احترام سيادة الدول والقوانين المنظمة للتعاون الدولي.
ومن هنا، فإن اجتماع بنغازي يمثل فرصة لتعزيز التنسيق بين المغرب وليبيا، وتوسيع التعاون مع الشركاء الأفارقة والدوليين، بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها ويحد من المخاطر التي تهدد المجتمعات الإفريقية.
ياسين المنصوري وحسين العائب… تعاون مؤسساتي في مواجهة التهديدات المشتركة
إن ترؤس السيد محمد ياسين المنصوري، إلى جانب الفريق أول حسين العائب، أشغال هذا الاجتماع، يعكس مستوى التنسيق المؤسساتي بين الجانبين المغربي والليبي في مجال مكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الاستخباراتي.
فالمغرب راكم تجربة مهمة في مجال مكافحة الإرهاب، وتفكيك الشبكات المتطرفة، وتطوير آليات الاستباق والتعاون مع الشركاء الدوليين. وقد جعلت هذه التجربة من التعاون الأمني أحد المجالات التي يساهم من خلالها في حماية الاستقرار الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، تواجه ليبيا تحديات أمنية معقدة ترتبط بخصوصية موقعها الجغرافي، وامتداد حدودها البرية، وتشابك الأوضاع في محيطها الإقليمي، فضلاً عن انعكاسات الانقسامات السياسية والأمنية التي عرفتها البلاد خلال السنوات الماضية.
ومن شأن التواصل بين المؤسسات المختصة في البلدين أن يفتح المجال أمام الاستفادة المتبادلة من التجارب، وتعزيز تبادل الخبرات، وتطوير آليات أكثر فعالية للتعامل مع المخاطر العابرة للحدود.
غير أن قوة التعاون الاستخباراتي لا تقاس فقط بعدد الاجتماعات أو مستوى التمثيل الرسمي، بل بقدرته على تحقيق نتائج ملموسة، وبناء شراكات مستدامة، والانتقال من تبادل المعلومات إلى رؤية استراتيجية مشتركة تستبق التهديدات وتحمي أمن المواطنين.
وهنا تبرز المسؤولية المشتركة في جعل هذا التقارب رصيداً مؤسساتياً طويل الأمد، لا مجرد استجابة ظرفية لتهديدات آنية.
من بنغازي إلى الرباط… زيارات متبادلة تعزز جسور الثقة
يأتي اجتماع بنغازي في سياق أوسع من الاتصالات العسكرية والأمنية بين المغرب وليبيا.
فقد سبق أن زار خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، المملكة المغربية خلال الفترة الممتدة من 11 إلى 15 أكتوبر 2026، حيث أجرى مباحثات مع مسؤولين عسكريين مغاربة، واطلع على جوانب من التكوين والتدريب العسكري بالمملكة.
وتكتسب هذه الزيارة أهميتها من كونها جاءت قبل أيام قليلة من اجتماع بنغازي، بما يبرز اتساع مجالات التواصل بين الجانبين، من التعاون العسكري إلى التنسيق الأمني والاستخباراتي.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين الحدثين: فقد حضر صدام حفتر اجتماع بنغازي بصفته نائب القائد العام للقوات المسلحة الليبية، بينما ارتبط اسم خالد حفتر بزيارة المغرب السابقة.
إن تتابع هذه المحطات يعكس أهمية استمرار الحوار المؤسساتي بين البلدين، لكنه يطرح أيضاً سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن تحويل التقارب السياسي والعسكري والأمني إلى شراكة شاملة يشعر المواطن المغربي والليبي بأثرها في حياته اليومية؟
إن الجواب لا يكمن في الأمن وحده، مهما بلغت أهميته، بل في ربطه بالتنمية والاستثمار والتعليم والثقافة والتواصل الإنساني، حتى تصبح الشراكة بين البلدين مشروعاً متكاملاً لحماية الاستقرار وصناعة الازدهار.
الإرهاب والجريمة المنظمة… عدوّان يتغذيان من الفوضى
إن الشعار الذي انعقد تحته اجتماع بنغازي يلامس إحدى أخطر معضلات الأمن الإفريقي المعاصر: التداخل المتنامي بين الإرهاب والجريمة المنظمة.
فالتنظيمات الإرهابية لا تتحرك دائماً بمعزل عن شبكات التهريب والاتجار غير المشروع، كما أن الجماعات الإجرامية قد تستفيد من النزاعات المسلحة وضعف المؤسسات لفرض نفوذها وتوسيع أنشطتها.
وتزداد خطورة هذه الظاهرة في المناطق التي تتقاطع فيها الهشاشة الاقتصادية مع النزاعات المحلية واتساع المساحات الصحراوية وصعوبة مراقبة الحدود.
وفي منطقة الساحل والصحراء، تتداخل تحديات الإرهاب مع تهريب الأسلحة والمخدرات والاتجار بالبشر، بما يجعل الأمن الإقليمي مسألة تتجاوز حدود دولة واحدة أو منطقة بعينها.
ولهذا، فإن التعاون المغربي الليبي يمكن أن يساهم في دعم مقاربة متكاملة تقوم على تبادل المعلومات، وتطوير الخبرات، وتعزيز التعاون القضائي والأمني، ومكافحة مصادر التمويل غير المشروع، مع احترام القانون وحقوق الإنسان وسيادة الدول.
لكن المقاربة الأمنية، مهما كانت ضرورية، لا تكفي وحدها لمعالجة جذور التطرف. فحين يغيب الأمل، وتضعف فرص التعليم والعمل، وتتسع دوائر الإقصاء، تجد الخطابات المتطرفة بيئة تستغل فيها معاناة الشباب وتطلعاتهم.
إن مواجهة الإرهاب تقتضي، إلى جانب اليقظة الأمنية، سياسات تنموية وثقافية وتربوية تعيد الاعتبار للإنسان، وتمنحه أسباب الثقة في المجتمع والدولة والمستقبل.
منصة مراكش… تعاون يتجاوز الحدود الوطنية
يشكل التعاون مع الأمم المتحدة عبر منصة مراكش الإقليمية لمكافحة الإرهاب أحد الأبعاد المهمة لهذا الاجتماع.
وقد أُطلقت هذه المنصة في يونيو 2022 لتعزيز التعاون الإقليمي وبناء القدرات في مجال مكافحة الإرهاب بإفريقيا، بما يدعم تبادل الخبرات وتطوير الاستجابات المشتركة للتهديدات الإرهابية.
وتؤكد مشاركة المؤسسات المغربية والليبية في هذا الإطار أهمية العمل الجماعي، لأن المخاطر العابرة للحدود لا يمكن مواجهتها بجهود منفردة أو مقاربات معزولة.
كما تبرز هذه الشراكة قيمة الدبلوماسية الأمنية، التي لا تقتصر على تبادل المعلومات، بل تسهم في بناء الثقة بين الدول، وتوسيع مجالات التنسيق، وتهيئة الظروف لتعاون مستدام.
وإذا كانت منصة مراكش توفر إطاراً إقليمياً للتعاون في مكافحة الإرهاب، فإن العلاقات المغربية الليبية تستطيع أن تمنح هذا التعاون بعداً إضافياً من خلال تطوير الشراكات الثنائية، وتبادل التجارب، وتعزيز التنسيق مع المؤسسات الإفريقية والدولية.
والأمل أن تثمر هذه الجهود مزيداً من الأمن والاستقرار، وأن تتحول اللقاءات رفيعة المستوى إلى برامج عملية قابلة للتقييم، تحقق نتائج ملموسة لصالح الشعوب.
المغرب وليبيا… تاريخ مشترك وذاكرة مغاربية واحدة
غير أن الحديث عن العلاقات المغربية الليبية يظل ناقصاً إذا اقتصر على الأمن والسياسة وحدهما.
فهناك ما هو أعمق من المصالح الظرفية، وأبقى من التحالفات العابرة، وأشد رسوخاً من تقلبات المرحلة؛ إنه التاريخ المشترك والامتداد الحضاري الذي ربط شعوب المغرب الكبير عبر القرون.
لقد كانت المنطقة المغاربية فضاءً للتواصل بين العلماء والفقهاء والرحالة والتجار والمتصوفة، وانتقلت عبر طرقها المعارف والتقاليد والممارسات الدينية والثقافية، وتشابكت فيها الروابط الأسرية والاجتماعية والإنسانية.
وكانت ليبيا والمغرب جزءاً من هذا الفضاء الحضاري المتفاعل، الذي لم تكن حدوده مجرد خطوط جغرافية، بل جسوراً للتعارف والتبادل والتكامل.
ومن خلال المسالك التجارية والرحلات العلمية والروحية، تشكلت ذاكرة مشتركة أسهمت في ترسيخ الانتماء المغاربي، وفي إبراز أن التنوع المحلي لا يتعارض مع وحدة المرجعية الحضارية، بل يغنيها ويمنحها القدرة على الاستمرار.
إن استحضار هذا التاريخ ليس دعوة إلى اجترار الماضي، بل هو استثمار واعٍ لرصيد إنساني يمكن أن يساعد على بناء المستقبل.
فالأمم التي تعرف جذورها تكون أكثر قدرة على فهم حاضرها، والشعوب التي تستحضر الروابط التي تجمعها تستطيع أن تتجاوز الخلافات العابرة، وتبحث عن مساحات التعاون والمصلحة المشتركة.
من مولانا عبد السلام بن مشيش إلى أبي الحسن الشاذلي… إشعاع روحي عابر للحدود
ولعل من أبرز الجسور التي تستحق مزيداً من الاهتمام في العلاقات المغربية الليبية، الجسر الروحي الذي تمثله التقاليد الصوفية المغاربية، وما حملته من قيم المحبة والتواضع والتسامح وتزكية النفس.
ففي جبال المغرب، ارتبط اسم القطب الصوفي مولانا عبد السلام بن مشيش بمدرسة روحية كبرى، كان لها تأثير عميق في مسار التصوف الإسلامي، ومن أبرز امتداداتها المدرسة الشاذلية التي أسس معالمها الإمام أبو الحسن الشاذلي، الذي تتلمذ على ابن مشيش في المغرب قبل انتقاله إلى المشرق.
وقد انتشرت الطريقة الشاذلية وفروعها في مناطق متعددة من العالم الإسلامي، بما فيها شمال إفريقيا، وأسهمت في تشكيل تقاليد روحية وثقافية ظلت حاضرة في حياة المجتمعات، من خلال الزوايا ومجالس الذكر والتربية الأخلاقية والتعليم الديني.
إن هذه الصلة الروحية لا تعني أن التجارب الدينية في المغرب وليبيا متطابقة في جميع تفاصيلها، وإنما تؤكد وجود رصيد مشترك من المرجعيات والقيم والتقاليد التي يمكن أن تشكل أساساً للتقارب والتعارف.
فالتصوف، في جوانبه الأخلاقية والتربوية، يدعو إلى مجاهدة النفس، ونبذ الكبر، وإشاعة الرحمة، واحترام الإنسان، والابتعاد عن الغلو والتعصب.
وهذه القيم، حين تتحول إلى ممارسة اجتماعية وثقافية، تصبح قوة ناعمة في مواجهة خطاب الكراهية والتطرف، وتمنح التعاون بين الشعوب بعداً إنسانياً يتجاوز الحسابات السياسية والأمنية.
ومن هنا، فإن إحياء الحوار بين الزوايا والمؤسسات العلمية والثقافية المغربية والليبية، وتنظيم ندوات حول التراث الصوفي المغاربي، وتوثيق مسارات العلماء والرحالة، يمكن أن يسهم في صيانة الذاكرة المشتركة ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
فما يجمع القلوب من قيم المحبة والرحمة لا يقل أهمية عما يجمع المؤسسات من اتفاقات وتفاهمات.
المغرب واحتضان الحوار الليبي… من الصخيرات إلى بنغازي
لقد ارتبط الدور المغربي في الملف الليبي، خلال السنوات الماضية، بالعمل من أجل الحوار وتقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين.
وتظل اتفاقية الصخيرات، الموقعة في 17 ديسمبر 2015، إحدى أبرز المحطات في هذا المسار، إذ وفرت إطاراً سياسياً للتعامل مع الأزمة الليبية في مرحلة اتسمت بالانقسام والصراع.
كما احتضنت المملكة لقاءات ومشاورات أخرى في بوزنيقة وطنجة، وشجعت الجهود الرامية إلى التوافق حول المؤسسات والمناصب السيادية والقواعد المنظمة للانتخابات.
وقد عكست هذه المبادرات توجهاً يقوم على توفير فضاءات للحوار، ودعم الحل السياسي الليبي الليبي، والتأكيد على احترام سيادة ليبيا ووحدتها الترابية، مع مساندة الجهود الأممية الرامية إلى إنهاء الانقسام.
إن قيمة هذه التجربة تكمن في أن المغرب لم يتعامل مع الأزمة الليبية باعتبارها ملفاً بعيداً عن مصالحه، بل باعتبارها قضية تهم استقرار المنطقة المغاربية بأكملها.
فليبيا المستقرة والموحدة تمثل ركيزة أساسية للأمن الإقليمي، كما أن استمرار الانقسام يضاعف التحديات أمام دول الجوار، ويخلق بيئة تستفيد منها شبكات الإرهاب والجريمة المنظمة.
ومن هنا، ينبغي أن يتكامل التعاون الأمني الذي يبرزه اجتماع بنغازي مع جهود التسوية السياسية والمصالحة الوطنية، لأن الأمن المستدام لا يقوم على الإجراءات الأمنية وحدها، بل على مؤسسات شرعية وموحدة، وتوافق سياسي، وثقة متبادلة بين مكونات المجتمع.
إن دعم المغرب لوحدة ليبيا واستقرارها ليس مجرد موقف دبلوماسي، بل تعبير عن إدراك عميق لوحدة المصير المغاربي، ولأن أمن الأشقاء لا يمكن فصله عن الأمن المشترك للمنطقة.
الأمن الحقيقي يبدأ بحماية الإنسان
إن الرهان الأكبر أمام الشراكة المغربية الليبية لا يتمثل في تطوير أدوات مكافحة الإرهاب فحسب، وإنما في بناء تصور شامل للأمن يجعل الإنسان في قلب السياسات والاختيارات.
فالأمن الحقيقي هو أن ينام المواطن آمناً، وأن يجد الشاب فرصة للعمل، وأن تتمكن الأسرة من العيش بكرامة، وأن تكون المؤسسات قادرة على حماية الحقوق وتوفير الخدمات، وأن يشعر الإنسان بأن مستقبله لا تحدده الفوضى ولا تسرقه شبكات العنف والجريمة.
ومن هذا المنطلق، يمكن للمغرب وليبيا أن يوسعا مجالات التعاون لتشمل التنمية البشرية، والتكوين، والبحث العلمي، والتبادل الثقافي، ودعم المبادرات الشبابية، وتعزيز دور المجتمع المدني في نشر ثقافة السلام.
كما يمكن للعلماء والمثقفين والفاعلين الروحيين أن يسهموا في مواجهة التطرف عبر خطاب ديني متزن، يعزز قيم المواطنة والرحمة واحترام الاختلاف، ويرفض توظيف الدين لتبرير العنف أو تمزيق المجتمعات.
إن بناء السلام لا يبدأ بعد انتهاء النزاعات فقط، بل يبدأ حين تتأسس في النفوس ثقافة احترام الآخر، وحين تصبح الكرامة الإنسانية قيمة لا تقبل المساومة.
ولهذا، فإن التعاون الأمني والتقارب الروحي ليسا مسارين متعارضين، بل يمكن أن يكمل أحدهما الآخر: الأول يحمي المجتمعات من التهديدات المباشرة، والثاني يساعد على تحصينها من جذور الكراهية والتعصب.
نحو شراكة مغربية ليبية شاملة… من التعاون الأمني إلى التكامل الحضاري
إن المرحلة الراهنة تتيح للمغرب وليبيا فرصة الانتقال بعلاقاتهما إلى مستوى أكثر شمولاً، يقوم على تحويل التقارب الأمني والمؤسساتي إلى مشروع تعاون استراتيجي طويل الأمد.
ويمكن أن يتجسد ذلك من خلال عدد من المبادرات العملية:
أولاً: في المجال الأمني والاستخباراتي، تعزيز قنوات التنسيق وتبادل الخبرات والتكوين، ودعم الجهود الرامية إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وفق القوانين والالتزامات الدولية.
ثانياً: في المجال السياسي والدبلوماسي، مواصلة دعم الحوار الليبي الليبي، واحترام سيادة ليبيا ووحدتها، وتشجيع المصالحة الوطنية وتوحيد المؤسسات.
ثالثاً: في المجال الاقتصادي والتنموي، تشجيع الاستثمارات والشراكات بين رجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية، وتوسيع التعاون في مجالات البناء والبنية التحتية والتكوين المهني والصحة والتعليم، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين.
رابعاً: في المجال الثقافي والروحي، تنظيم ملتقيات مغربية ليبية حول التاريخ المشترك والتصوف المغاربي، وتوثيق تراث العلماء والرحالة، وتعزيز التواصل بين الجامعات والمراكز العلمية والزوايا.
خامساً: في مجال الدبلوماسية الموازية والأخوة الإنسانية، إطلاق مبادرات تجمع الفاعلين المدنيين والشباب والمثقفين والباحثين، وتعمل على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام.
ومن المبادرات التي تستحق الدراسة إحداث منتدى مغربي ليبي للأخوة الإنسانية والسلام والتعاون الحضاري، يكون فضاءً للحوار بين المؤسسات الرسمية والفعاليات الثقافية والمدنية، ويسهم في ترجمة الروابط التاريخية إلى برامج ملموسة.
إن هذه المقترحات لا تعني أن جميعها أُقرت أو أُعلن عنها في اجتماع بنغازي، وإنما تمثل آفاقاً عملية يمكن البناء عليها لتطوير العلاقات بين البلدين.
رسالة إلى الضمير المغاربي… لا أمن بلا أخوة، ولا أخوة بلا مسؤولية
إن ما يجمع المغرب وليبيا أكبر من أن تحصره المصالح الآنية، وأعمق من أن تختزله الاجتماعات الرسمية.
فالأخوة الحقيقية ليست مجرد كلمات تُقال في المناسبات، وإنما مسؤولية متبادلة تظهر في أوقات الشدة، وفي الدفاع عن استقرار الأوطان، وفي احترام كرامة الشعوب، وفي العمل من أجل مستقبل أكثر أمناً وعدلاً وإنصافاً.
وإذا كان اجتماع بنغازي قد جمع القيادات الأمنية والاستخباراتية لمواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، فإن الرسالة الأعمق التي ينبغي أن تصل إلى ضمير المنطقة المغاربية هي أن مواجهة المخاطر المشتركة تتطلب أيضاً استعادة الثقة بين الشعوب، وتعزيز التضامن بين الدول، والابتعاد عن كل ما يزرع الانقسام أو يضعف فرص التكامل.
إن المغرب، بما راكمه من خبرة أمنية ودبلوماسية وروحية، وليبيا، بما تملكه من موقع استراتيجي وإمكانات بشرية وثروات وطنية، قادران على بناء علاقة متوازنة تتكامل فيها المصالح مع القيم، والأمن مع التنمية، والسياسة مع الثقافة.
وليس المطلوب أن تتطابق تجارب البلدين في كل شيء، بل أن يتحولا إلى شريكين يحترم كل منهما خصوصية الآخر، ويتعاونان فيما يجمعهما، ويجعلان من الاختلاف مجالاً للحوار لا سبباً للقطيعة.
فالشعوب التي تحمل ذاكرة مشتركة تستطيع أن تبني مستقبلاً مشتركاً، إذا امتلكت الإرادة السياسية، والوعي الحضاري، والشجاعة الأخلاقية اللازمة لتحويل التاريخ إلى قوة عمل وإنتاج.
من الرباط إلى بنغازي… حين تتعانق ذاكرة التاريخ مع مسؤولية المستقبل
إن اجتماع بنغازي محطة مهمة في مسار التعاون الأمني المغربي الليبي، لكنه يكتسب قيمته الكاملة حين يُقرأ ضمن مشروع أوسع يربط بين الأمن والاستقرار، وبين الحوار والمصالحة، وبين التاريخ والروح والتنمية.
فالرباط وبنغازي ليستا مجرد عاصمتين سياسيتين في فضاء جغرافي واحد؛ إنهما رمزان لعمق مغاربي يمكن أن يتحول إلى قوة للتعاون والتكامل، إذا أحسن أبناؤه استثمار رصيدهم الحضاري وتجاوز خلافاتهم الظرفية.
ومن جبال المغرب التي احتضنت إشعاع مولانا عبد السلام بن مشيش، إلى المدن والحواضر الليبية التي شهدت تعاقب العلماء والفقهاء وحملة المعرفة، يمتد خيط روحي وإنساني يذكرنا بأن الحضارة لا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالعلم والأخلاق والمحبة، وأن الدول لا تحمي حاضرها فقط بقدراتها الأمنية، بل أيضاً بما تغرسه في نفوس أبنائها من قيم الانتماء والمسؤولية والتسامح.
إن أمن ليبيا واستقرارها مصلحة مغربية ومغاربية وإفريقية، كما أن قوة المغرب واستقرار المنطقة مصلحة مشتركة لجميع شعوبها.
وإذا كانت لغة الأمن تتحدث عن المعلومات والحدود والاستباق والتنسيق، فإن لغة الروح تتحدث عن الأخوة والرحمة والوفاء، وكلاهما يحتاج اليوم إلى أن يلتقيا في مشروع إنساني وحضاري يعيد للمنطقة ثقتها في نفسها، ويمنح أجيالها أملاً في مستقبل أفضل.
فمن يجمعهم التاريخ لا ينبغي أن تفرقهم الأزمات، ومن توحدهم قيم الدين والإنسانية لا ينبغي أن تعزلهم الحسابات الضيقة، ومن يتقاسمون جغرافيا المغرب الكبير مسؤولون عن تحويلها من مجال للمخاطر إلى فضاء للأمن والتنمية والتكامل.
تلك هي الرسالة التي ينبغي أن تتجاوز حدود قاعات الاجتماعات في بنغازي، وأن تصل إلى ضمائر المسؤولين ووجدان الشعوب: أن الأخوة المغربية الليبية ليست ذكرى من الماضي، بل أمانة في الحاضر، ومشروع للمستقبل، وجسر نحو مغرب عربي أكثر وحدة، وإفريقيا أكثر أمناً، وعالم أكثر سلاماً.
–
