المد الجماهيري بمدينة العرائش (6): حراك قطاع الصّيد البحري خلال الثمانينات (تابع )

العرائش أنفو/ العرائش نيوز
المد الجماهيري بمدينة العرائش (6): حراك قطاع الصّيد البحري خلال الثمانينات (تابع )
بقلم: أبو التّوأم
يواصل عبد الخالق الحمدوشي مسيرته داخلا الاتحاد المغربي للشغل ويتابع خلال معاشرتي مع السيد فخر الدين محمد، بدأت أتعرف على مشاكل العمال عن قرب، وبعض الشخصيات بالمدينة وكان أبرزها آنذاك السيد الزموري حسن، مراسل جريدة البيان، وهو يعيش الآن بالسويد.
وكان قد كتب مقالا مطولا عن أوضاع الميناء بمدينة العرائش، وهو المقال الذي كان من بين الدوافع إلى زرع نقاش عميق داخل صفوف البحارة، وبالتالي تم الاتفاق بين مجموعة من الفاعلين بهذا القطاع على التنظيم نقابيا.
وحسب الشهادة التي أدلى بها السيد بنسرغين (أحد المسؤولين النقابيين نهاية 60 و70 خلال حفل التكريم الذي قامت به الشبيبة العاملة المغربية خلال الاحتفال بذكرى 20 مارس1987) فإن قطاع البحارة كان أقوى قطاع بمدينة العرائش بتنظيم محكم ومنضبط، بل حتى بطائق الانخراط بالنقابة كانت تؤدى من الصندوق النقابي والذي كان يُمول بنسبة مئوية من مداخيل “اللونخا”، ومن أجل ضرب هذا العمل الجاد تم إغراق الميناء برخص إبحار جديدة من مختلف المدن والقرى، وذلك من أجل تفكيك هذه الوحدة، بل تم السطو على مقر الاتحاد المغربي للشغل بالميناء وإضرام النار به وسرقة ممتلكاته ووثائقه سنة 1978.
وبالفعل في سنة 1987 وبعد سبات عميق، سيتم تجديد المكتب النقابي لقطاع الصيد البحري في اجتماع أولي بمقر الاتحاد المغربي للشغل يوم 5 أبريل 1987، تكوّن المكتب من 13 عضو يترأسهم احمد الزيتوني، بنوابه الثلاث:
– المفضل الصروخ
– شعشوع عبد الحميد
-عبيد عبد الإله
صاحب هذا التأسيس إنزال أمني قوي بميناء العرائش مع ترهيب غير مسبوق للبحارة من أجل عدم الالتحاق بالنقابة. وكشاهد عيان حضرت بنفسي على أحد رجال الأمن المعروف بقامته الطويلة ودراجته النارية، كيف كان يصول ويجول بالميناء محدثا فزعا غير مسبوق بالميناء.
ناهيك عن الممارسات الاستفزازية لرجال الأمن بالمقاهي المجاورة للميناء، فجميع الممارسات التي كان يسمح بها (الكيف، جوانات…) أصبحت ممنوعة، كل هذا من أجل زرع اليأس في صفوف هذا القطاع الحيوي، وتثبيت شعار الهزيمة (كنا هانيين حتا جات هاد النقابة). بل أن هذه الممارسات انتقلت إلى وسط الميناء، وداخل مراكب الصيد حيث أصبحت الخيانة وتلفيق التهم والطرد، سلاحا يستخدمه أرباب المراكب بتنسيق تام مع رئيس مصلحة الملاحة التجارية والصيد البحري بالعرائش، في وجه كل بحار طالب بحقوقه أو فضح ممارسات منافية للقانون.
ويذكر انه من بين أصعب المطالب التي كان يرفعها البحارة آنذاك هو إعادة النظر في طريقة احتساب المصاريف وطريقة توزيع الحصص.
بعد أيام سيتم تجديد المكتب النقابي نتيجة صراعات داخلية، و بالاحتكام إلى الشرط الجماهيري سيتم انتخاب السيد بنهبيج سعيد كاتبا عاما لقطاع الصيد البحري بمدينة العرائش، حيث سيتم تجهيز مقر الاتحاد بالميناء بأحدث التجهيزات، واستخدام أحد مقر أرباب المراكب المتواجدة قرب “إسكاليرا” من أجل الجماعات العامة وهو المقر الذي احتضن حفلة عيد العرش سنة 1988.
تطور العمل النقابي بشكل بطيء خلال هذه الفترة، وأهم شيء تم تحقيقه هو الاعتراف بالإطار النقابي، وتمّ حل بعض المشاكل الطفيفة، ولكن المشكل الجوهري والأساسي المتعلق بالحصص وطريقة احتساب مصاريف الإبحار كنا يلقى مقاومة شديدة من طرف أرباب المراكب المدعومين بالمسؤولين.
أمام هذا التعنت، عقد الاتحاد المغربي للشغل مجلسا نقابيا بتاريخ 1988/06/26، حيث تقرر تسطير ملف مطلبي لستة قطاعات، من بينها قطاع البحارة، مع التهديد بإضراب عام محلي مرفوق بتنظيم مسيرة احتجاجية 1988/07/03.
وبالطبع فإن المسيرات الاحتجاجية كانت ممنوعة منعا كليا، حيث صرح لنا في أحد الأيام عامل إقليم العرائش، مولودي بوسيف، بأن مسيرة واحدة كانت في التاريخ وهي المسيرة الخضراء، ولن أسمح بمسيرة غيرها. فتدخل السيد العامل وعقد اجتماعا بمقر العمالة تحت إشرافه الفعلي، وحُلًّت جميع مشاكل القطاعات النقابية، وأصدر أوامره للسيد رئيس مصلحة الملاحة التجارية والصيد البحري قصد عقد اجتماع مع نقابة البحارة وممثلي أرباب المراكب وحل جميع المطالب القانونية والمشاكل العالقة.
وقد كان أسبوعا كافيا من أجل تشتيت شمل هذا القطاع و القضاء على كل المجهودات التي أقيمت من أجل استرجاع الأنفاس و النهوض بهذا القطاع الحيوي الذي يشكل 50% من النشاط الاقتصادي للمدينة. ففي هذا الأسبوع، وقعت أحداث لا يعرفها أحد لحدّ الساعة. و حسب بعض الروايات، فإن أرباب المراكب اجتمعوا مع بعض الأطر النقابية يترأسهم السيد الكاتب العام للقطاع، و عقدوا صفقة لا نعلم محتواها، و لكن كانت صفقة أفقدت الثقة في العمل النقابي و شلّت أجهزته، ليدخل هذا القطاع في سبات سيدوم لعشرات السنين.
وكمتتبّع لهذا القطاع نقابيا، فيمكن القول أن قطاع الصّيد البحري بمدينة العرائش سيعرف حراكا نقابيا لا يتعدّى مدّته الأقصى ثلاثة أشهر، ثمّ سيدخل في ركود تام لعدّة سنوات. بعد 1988، سينتفض القطاع خلال بداية التسعينات ثمّ سيدخل في ركود آخر إلى غاية سنة 2011.
