ads980-90 after header
الإشهار 1

الأخْــلاقُ والسّـيـاسَــة

الإشهار 2

العرائش أنفو

الأخْــلاقُ والسّـيـاسَــة

بقلم: عبد النبي التليدي

“لست عليهم بمسيطر” الآية 22 سورة الغاشية.

الأخلاق هي مجموعة من القيم والمبادئ المعنوية وعادات فاضلة وتقاليد في الاحترام تطبع سلوك الفرد في المجتمع الإنساني وداخل البيئة التي يعيش فيها مما يجعله يؤثر فيها وتؤثر فيه، وهي قيم ومبادئ روحانية تتسم بالطهرانية أصلها ديني في الغالب أو مما تآلف الناس عليه سلوكا ومعاملة فيما بينهم تحض على الخير والحب والعدل والكرم والتعاون والعمل والإجتهاد والعلم… وقد تصبح فنا بعد أن أصبحت تربية.

أما السياسة فهي من ساس يسوس سياسة أي تدبير الأمور سواء كانت شخصية أو عامة بكياسة ولين دون إكراه أو عنف وعناد كمن يعمل على توجيه المياه المتدفقة في التربة توجيها هادفا وصالحا بغاية أن نستفيد منه كل التربة فتؤتي أكلها الطيب، وبذلك فهي تدبير لمصلحة ما أو مصالح عامة أو فن إدارة المجتمعات الإنسانية.

فهل من علاقة بين الأخلاق والسياسة؟

مادامت الأخلاق قيم ومبادئ إنسانية نبيلة وطاهرة والسياسة سلوك للإنسان في تدبير المصالح، فإن العلاقة بينهما ارتبطت ارتباطا وثيقا منذ القدم إما إيجابا أعطت الخير والسلم عندما تخضع السياسة لمنطق الأخلاق والمبادئ فيه اهتمام كامل أو على الأقل شبه كامل بالصالح العام فيسود العدل والإنصاف في المجتمع الذي أطره نظام جماعي يحفظ الحقوق ويهتم بالواجبات، أو سلبا يؤدي إلى الشر والحرب عندما تخضع السياسة لمنطق الغنيمة والعمل من أجل المصلحة الخاصة فيسود الظلم والغبن في مجتمع اللانظام أو “خارج التغطية” كمثل قانون الغاب يكون فيه البقاء للأقوى والصيد فيه للغالب ، ويغيب المستبد فيه كل القيم الإنسانية والمثل الخيرة كي يديم امتيازاته ويحمي مكاسبه ومغانمه ؛ فتعم أخلاق الخنوع والذل والمهانة والدجل والنفاق ويغلب الفساد بل ويتجدر بفضل مبدء ” دعه يمر دعه يفسد ” وسياسة حماية المفسدين بعد تغييب المبدء الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب ؛ مثلما قال عبدالرحمان الكواكبي: “الإستبداد يقلب القيم الأخلاقية رأسا على عقب.. ويعين الأشرار على إجراء غي نفوسهم آمنين من كل تبعة”.

وحيث أن السياسة سلوك مرتبط بالإنسان الذي تغويه الماديات والأخلاق قيم ومبادئ روحانية غالبها ديني مصدرها الله عز وجل فإن العلاقة بينهما لم تكن دائما في خطين متوازيين بل كثيرا ما صارتا متعارضتين لأن “الإنسان رغم تظاهره بالمثالية والسمو فإنه جشع وشرس وخواف أي أن له حاجات بيولوجية ضاغطة يرغب بكل الوسائل ولو كانت غير أخلاقية في تلبيتها ، وهي حاجات في نظره لا تقبل التأجيل أو التسويف أو الأشباع الرمزي ، ولأن علاقة الإنسان بالإنسان عامة هب علاقة ذئبية وصراعية وحربائية” حسب تعبير الدكتور محمد سبيلا الذي لاحظ أيضا من خلال تجليات الأخلاق والسياسة في المغرب “أن السياسة بالمغرب وصلت في السنوات الأخيرة إلى مستوى منحط أخلاقيا وسلوكيا وحتى لغويا أي أنها ارتبطت بمبادئ الكسب والغنيمة بدل الأخلاق والمبادئ، وأن الواقع السياسي انحدر إلى حد الإسفاف، لذلك فضل المثقف أن يبقى ملاحظا للمشهد دون تورط فيه ” حسب تعبير الأستاذ نفسه أيضا.

ومما لا يخفى على أي ملاحظ مهما كان مستوى وعيه بالسياسة ومقارنتها بالأخلاق فالا علاقة أصبحت تربط بينهما، فالأخلاق صارت جزء من الماضي بل نوعا من الغباء وضربا من التخلف لدى أغلب من يحبون أن ينعتوا بالساسة وما هم بساسة لأن السياسة أخلاق في الأصل قبل أن تصبح لعنة بعد أن قيل فيها وفيهم “لعن الله الساسة والسياسيين” نتيجة لما آل إليه الواقع السياسي بسبب سلوكياتهم المشينة واللاأخلاقية سواء كأحزاب ومجموعات أو كأفراد وحتى كمؤسسات بعدما أضحت تتعسف في استعمال سلطاتها وتستغلها بعيدا عن المصلحة العامة وفي اتجاه يخدم المصالح الخاصة للمتنفذين والمتحكمين في دواليبها إلى حد الاستبداد بتلك السلطات واستعمال العنف بأشكال مثيرة للحزن والقلق والتساؤل عن مسوغها وعن المسؤول الحقيقي عنها خاصة بعدما أصبح ذلك العنف ظاهرة عرى على عورات المعنفين من المواطنين والمواطنات على الملا بشكل بشع وفاضح فضح المسؤولين عنها أمام الرأي العام في الداخل والخارج ! .

لهذا وذاك اصبح الواقع السياسي في المغرب في حالة يرثى لها ومدعاة للأسف والإحباط وعبارة عن صورة لا لون لها سوى خربشات سوداء لا قيمة لها أو ذوق لأناس لا معنى لهم ولا هدفا عاما وصادقا لهم بل صادما في الغالب لشعب سئم مما يرى فارتفعت نسبة العزوف عن الانتخابات بعد أن تخلى عن المشاركة في الحياة العامة وأوقف شبابه الإنخراط في الأحزاب السياسية جراء انخراطها في التطبيع مع كل غريب عن القيم النبيلة وعن المبادئ المثلى ومع الفساد والمفسدين إلى حد وقع فيه المساس بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين وبالتضامن الاجتماعي الحق ما أدى إلى تصدع صفوفها والى تباين حاد في المواقف والرؤى السياسة بل وإلى تناقض خطير في الإيديولوجيا التي كانت أصل منشأ الحزب الواحد.

والأمثلة على هذا ظاهرة للعيان في هذا الحزب العتيد وذلك الحزب التاريخ، والأسباب معروفة منها ما هو ذاتي يعود إلى الأفراد الذين غلبت عليهم الأنانية والرغبة في الوصول في أقرب وقت وبأسهل طريق وعلى حساب الأخلاق العامة والمبادئ الإنسانية وقيم الحضارة دون ما اهتمام ضروري بالصالح العام باستثناء التظاهر بالمثالية والسمو، ومنها ما هو خارج عن إرادة الحزب لكنه يتماهى مع نفسيات وطموحات بعض أفرادها، الذين يسهل استغلالها فيهم وبالتالي توجيههم لتلك الإرادة وإخضاعهم لخدمة برامجها وأجندة أصحابها.

وأيضا بعد أن انخرطت تلك الأحزاب في مشهد من الصراع بينها يثير الشفقة إلى حد الاحتقار والإشمئزاز دافعها إرادة الحكم واكتساح المؤسسات والإستحواذ على خير البلاد والعباد والحصول على الريع السياسي دون ما نظر إلى برامجها الأصل السياسية والإجتماعية والاقتصادية ولكن باعتماد أساليب لا أخلاقية وانتهازية غاياتها تبرر وسائلها بعد مسخ نظرية ماكيافيل في الحكم ووسائل الوصول إليه، وسلوكيات في التعاطي مع الشأن العام جديدة على سلوك المجتمع المغربي المشبعة يقيم الدين الإسلامي ومبادئ العروبة وأخلاق الأمازيغ التي انصهرت في بوتقة واحدة كانت عظيمة الأثر والمفعول ووقودا هائلا أشعل نار المقاومة ضد الاستعمار، الجاثم على صدر المغرب بكل ما لديه من مقومات مادية وآلات حربية وخطط مقيتة وتجارب في القتل والدمار، الذي اضطر إلى الإنسحاب مهزوما مكسورا حتى اعلان استقلال المغرب

فأين الدولة التي تمثل المجتمع من الالتزام بمقتضيات الدستور والخضوع لاحكامه ومن احترام حقوق المواطنين السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولحرياتهم في إبداء الرأي والتعبير عنه وفي التظاهر السلمي أمام هول ما نرى ويرى الجميع ؟
واين الأحزاب في المغرب من دورها السياسي كما أقره الدستور بصريح العبارة وهو “تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية حسب دستور 2011 ؟ !”.

وجملة القول إن الدولة والأحزاب صارتا في هذا العهد في واد سحيق لا قرار له والشعب في واقع اخر بدا يفقد الامل في كل شيئ ان لم يكن قد فقد الامل بعدما بلغ السيل الزبا..
فهل بقي من منقذ عاقل ينقذ الجميع حاكمين ومحكومين ؟

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5