تأجيل الامتحان لعيون الكان.. قراءة في الرسائل الموجهة للتلميذ

تأجيل الامتحان لعيون الكان.. قراءة في الرسائل الموجهة للتلميذ
برعلا زكريا
خلف قرار وزارة التربية الوطنية بتعديل أجندة الامتحانات الإشهادية استجابة لظرفية كروية نقاشا مجتمعيا متباينا بين مرحب بالمرونة الإدارية وبين متخوف من تبعات القرار، لكن بعيدا عن لغة العواطف الآنية فإن قراءة هذا المستجد من زاوية مهنية صرفة تكشف أنه ينطوي على إخلال بالعقد البيداغوجي الناظم للعلاقة بين المؤسسة والمتعلم، فالزمن المدرسي ليس مجرد وعاء زمني فارغ نملؤه ونفرغه وفق أهواء الخارج بل هو بنية تربوية وظيفتها ترسيخ قيم الالتزام والانضباط واحترام المواعيد، وحين يتم العبث بهذه البنية تحت ذريعة التمكين من الفرجة نكون قد خالفنا، بقرار إداري واحد، سنوات من التربية على المسؤولية، ووجهنا رسالة تربوية مقلقة مفادها أن الاستحقاق العلمي هو الحلقة الأضعف التي يمكن التضحية بها كلما ارتفع صخب الجمهور.
تكمن الخطورة الحقيقية في الشحنة القيمية السالبة التي يحملها هذا القرار للاوعي التلميذ المغربي حيث يتم تسويق نجاحات المنتخب الوطني كنموذج وحيد للخلاص الفردي والجماعي، في حين أن تفكيك هذا النموذج يقودنا لحقيقة صادمة وهي أن هذا التفوق الكروي لم يصنع داخل المدارس العمومية التي يدرس فيها هؤلاء التلاميذ بل هو ثمرة نضج في بيئات احترافية أوروبية، وهنا نقع في مفارقة بيداغوجية قاسية حيث نطلب من تلميذ القرية والمداشر أن يقتدي بنموذج نجاح صنعه خيار الهجرة، فقصص النجوم التي تملأ الشاشات هي في العمق قصص نجاح آباء اختاروا الرحيل والكد في بلاد المهجر لتوفير شروط لم تتوفر في الوطن، لنكون أمام سؤال حارق حول ما إذا كنا بصدد تقديم الهجرة كحل سحري للترقي الاجتماعي بدلا من الاجتهاد الدراسي.
يتحول هذا الإجراء في عمقه السوسيولوجي إلى عملية تنويم مغناطيسي شاملة تخفي واقع المدرسة المغربية المهترئ خلف غبار الملاعب، فبينما يتم حشد التلاميذ خلف الشاشات لرفع نسبة المشاهدة وضمان أرباح قياسية للمستشهرين وأصحاب المقاهي وشركات التوزيع يعود هؤلاء المشجعون الصغار في اليوم الموالي لفصول دراسية تفتقر لأبسط شروط الكرامة الآدمية من مراحيض وتدفئة وتجهيزات رقمية، ليجد المتعلم نفسه ممزقا بين عالم افتراضي براق يبيع الوهم والانتصار السهل وبين واقع تعليمي بئيس يفتقر للجاذبية، مما يضرب في الصميم رمزية المدرسة كرافعة للنجاح ويجعلها مجرد قاعة انتظار كبرى لما هو أهم في نظر المجتمع أي الفرجة.
تغليب كفة الفرجة على كفة المعرفة بقرار رسمي لا يعني سوى شيء واحد وهو إعلان هزيمة المدرسة أمام المدرج، فالدولة التي تؤجل امتحاناتها لأجل تسعين دقيقة تعترف ضمنيا بأن الرهان على العلم يمكن تأجيله بينما الرهان على الأدرينالين لا يقبل الانتظار، لنكون أمام تأسيس رسمي لجيل يتم تلقينه عمليا أن الصدفة واللعب والمراهنات هي الطريق الأقصر للمجد، بينما يبقى العمل المتراكم داخل الفصول مجرد خيار ثانوي يمكن دوسه بجرة قلم كلما دعت الضرورة الترفيهية لذلك.
