ثقافة التحكّم وامتلاك الحزب: حين يتقاطع الداخل مع الخارج

العرائش أنفو
ثقافة التحكّم وامتلاك الحزب: حين يتقاطع الداخل مع الخارج
الأستاذ الحسين فخر الدين
عضو تيار اليسار الجديد المتجدد
من أخطر ما يهدّد الحياة الداخلية للأحزاب، خصوصاً في تجارب اليسار، ليس فقط الخلاف حول الخط السياسي، بل تسرّب ثقافة التحكّم إلى بنيتها التنظيمية. هذه الثقافة قد تنشأ من داخل التنظيم حين تميل القيادة إلى اعتبار الحزب ملكيةً سياسية، وقد تتغذّى من تدخلات السلطة في أكثر من مناسبة داخل أحزاب بعينها لفرض نمطٍ تنظيمي وسلوكي معيّن.
وإذا تأملنا ما يجري داخل الحزب الاشتراكي الموحد باعتباره حالة كاشفة، سنجد أن الأزمة لا تُختزل في أشخاص أو وقائع ظرفية، بل في نمط تفكير يتأسس على فكرة: الحفاظ على الموقع أولاً، ولو على حساب الروح الديمقراطية للتنظيم.
من التأثير إلى التحكّم
التأثير الخارجي في الأحزاب ليس جديداً؛ فالسياق السياسي العام وتوازنات الحقل الحزبي يفرضان ضغوطاً دائمة. لكن الخطر يبدأ حين يتحول التأثير إلى تحكّم مباشر أو غير مباشر:
حين تصبح قرارات الحزب محكومة بهاجس التكيّف مع إشارات وضغوط غير معلنة، لا مع حاجات القواعد ولا مع مقتضيات الخط السياسي المعلن.
في هذه الحالة، تفقد الأجهزة الحزبية دورها التداولي، وتتحول إلى قنوات لتمرير اختيارات جاهزة.
حين تتدخل السلطة لفرض “النمط المقبول”.
عرف المشهد الحزبي المغربي، في محطات متعددة، تدخلاً مباشراً أو عبر وسائط لإعادة ترتيب البيت الداخلي لبعض الأحزاب، ليس عبر النقاش السياسي، بل عبر تشجيع أنماط قيادية معيّنة، وتغذية انقسامات، أو دعم توازنات داخلية تخدم الاستقرار الشكلي على حساب الحيوية الديمقراطية.
هذا التدخل لا يكون دائماً فظّاً أو معلناً، بل غالباً ما يأخذ شكل:
رسائل غير رسمية حول “من هو المقبول” و“من هو المزعج”.
تسهيل مسارات على حساب أخرى.
خلق بيئة ضاغطة تدفع القيادات إلى تبنّي سلوك دفاعي يُفضي إلى الانغلاق.
من القيادة إلى الوصاية
بالتوازي مع ذلك، يظهر نزوع داخلي أخطر: تحوّل القيادة من موقع المسؤولية إلى موقع الوصاية.
فتصبح القيادة هي المعرّف الوحيد لمصلحة الحزب، ويُنظر إلى كل اختلاف باعتباره تشويشاً أو تهديداً للوحدة.
وهنا ينتقل الحزب من منطق:
نختلف داخل إطار مشترك
إلى منطق:
إما أن تكون معنا كما نريد، أو تُدفع إلى الهامش.
مؤشرات هذه الثقافة
يمكن رصد هذه الثقافة عبر علامات واضحة:
إعادة تشكيل الأجهزة على أساس الولاء لا الكفاءة.
استعمال القوانين الداخلية بشكل انتقائي لتطويق المعارضين.
تضييق فضاءات النقاش الحقيقي داخل الهياكل.
الخلط بين نقد القيادة ونقد الحزب نفسه.
ومع الوقت، تتكرس قناعة صامتة لدى المناضلين بأن التأثير لم يعد ممكناً، فيختارون الانسحاب النفسي أو التنظيمي.
النتيجة: حزب بلا روح
حين تجتمع ثقافة التحكّم الخارجي مع نزوع الامتلاك الداخلي، يفقد الحزب أهم ما يميّزه: الروح الجماعية.
يبقى الهيكل قائماً، وتستمر الاجتماعات، وتصدر البيانات، لكن الفعل السياسي الحقيقي يذبل، لأن الدينامية الداخلية ماتت.
كيف يُكسر هذا المنطق؟
كسر هذه الحلقة لا يتم بالشعارات، بل بإجراءات ملموسة:
ضمان استقلال القرار الحزبي عبر شفافية أكبر في آليات اتخاذه.
ترسيخ مبدأ أن القيادة وظيفة مؤقتة لا مصدر شرعية دائمة.
حماية حق التيارات والآراء المختلفة داخل التنظيم.
إعادة الاعتبار للنقاش الفكري والسياسي بدل الصراع حول المواقع.
خاتمة
الحزب الذي يُدار بعقلية التحكّم، سواء كان مصدرها خارجياً أو داخلياً، يفقد تدريجياً قدرته على تمثيل أعضائه وعلى التأثير في المجتمع. لأن التنظيم، في جوهره، ليس ملكاً لأحد، بل مسؤولية مشتركة.
وحين تتحول القيادة إلى وصاية، ويتحوّل الضغط الخارجي إلى محدِّد للسلوك الداخلي، فإن أول ما يضيع هو المعنى الذي من أجله وُجد الحزب.
بنسليمان في 05/05/2026
