ads980-90 after header
الإشهار 1

المهاجرون من أصول مغربية بلد الأصل والمستقبل

الإشهار 2

لعرائش أنفو
المهاجرون من أصول مغربية بلد الأصل والمستقبل
تطور الانتماء وتشكّل الهوية
سلسلة مقالات : الجزء الثالث
محمد السلامي -هولندا

التثاقف والهجرة

يُستخدم هذا التاريخ الثقافي الغربي كإطار مرجعي لفهم الأسئلة العميقة المرتبطة بعملية الهجرة. كما يوضح لنا أن الثقافات، عبر الشعوب والأجيال والزمن، تميل إلى التقارب أكثر من التباعد. فرغم الصراعات والخلافات، تبدو الفوارق الثقافية مع مرور الوقت أصغر لا أكبر، وهذا ما نتعلمه من التاريخ الثقافي. لكن يبقى السؤال: هل نرى هذا التقارب أيضًا في تاريخ استقرار المهاجرين الحديث في هولندا؟.

في سبعينيات القرن الماضي ظهر مفهوم “التثاقف” (Acculturatie)، ويقصد به العملية التي يمر بها المهاجر بعد احتكاكه بالمجتمع المستقبل وسكانه. تمر هذه العملية بمراحل متتابعة تبدأ بالتأقلم الأولي مثل تعلم اللغة وفهم العادات والمعرفة بالمجتمع، ثم المشاركة في التعليم والعمل والسكن، وبعدها الاندماج التدريجي وصولًا إلى الاستيعاب الثقافي. وخلال هذا المسار يكتسب المهاجر مهارات وقيمًا جديدة، وفي الوقت نفسه يتخلى تدريجيًا عن بعض أنماطه القديمة، مما يؤدي مع مرور الأجيال إلى تقليص المسافة الثقافية بينه وبين المجتمع المضيف.

ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يسير بنفس الشكل عند جميع المجموعات المهاجرة أو الأفراد، بل يتأثر بعوامل عديدة، مثل الخلفية الثقافية والاجتماعية للمهاجرين، والظروف الشخصية، وكذلك موقف المجتمع المستقبل نفسه تجاههم.

وقد طُورت نظرية التثاقف أساسًا في الولايات المتحدة وكندا، وهما بلدان استقبلا موجات متواصلة من المهاجرين خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وعلى عكس أوروبا وهولندا بعد الحرب العالمية الثانية، كان المهاجرون إلى أمريكا وكندا يهاجرون غالبًا بإرادتهم لبناء حياة جديدة بشكل دائم، مع استبعاد فكرة العودة إلى أوطانهم الأصلية. لذلك كان يُنظر إلى الروابط القديمة مع الوطن الأم باعتبارها عائقًا ينبغي تركه خلفهم. كما أن أكثر من 90٪ من سكان تلك البلدان كانوا من أصول مهاجرة، مما جعل عملية الاندماج هناك أكثر طبيعية وسهولة مقارنة بالوضع الهولندي آنذاك.

وقد درس باحثون مثل بيري وبارك وغوردون عملية التثاقف، وخلصوا إلى أن الجماعات المهاجرة تصبح مع مرور الزمن جزءًا من المجتمع السائد. وكانت إحدى الأفكار الشائعة في هذه النظرية أن الجيل الثالث من أبناء المهاجرين يكون قد اندمج بالكامل في المجتمع الجديد، بحيث لا يعود يحتفظ بعلاقة قوية مع بلد الأصل أو جماعته الأصلية.

هذه الفكرة أصبحت أيضًا أساسًا لسياسات دمج العمال المهاجرين الذين قدموا إلى هولندا بعد ستينيات القرن الماضي، حيث كان يُفترض أن اندماجهم سيكتمل طبيعيًا بحلول الجيل الثالث. كما أن مفهوم “الارتباط بالوطن الأم” فُهم أساسًا من زاوية المجتمع المستقبل، أي من منظور هولندي أحادي الجانب، دون إعطاء اهتمام كافٍ للطابع المتبادل للعلاقة بين المهاجر والمجتمع المضيف.

لكن هذا التصور يختلف عن سياسة “الاندماج مع الحفاظ على الهوية الخاصة” التي سادت خلال الثمانينيات والتسعينيات، لأن العمال المهاجرين كانوا يُعتبرون آنذاك مقيمين مؤقتين. وفي التسعينيات بدأ هذا التصور يتغير، وأصبحت فكرة الاستقرار الدائم هي الأساس في التعامل مع المهاجرين. ومنذ ذلك الوقت احتل موضوع التثاقف والاندماج مكانة أكبر في النقاش السياسي والاجتماعي في هولندا.

هذا النقاش حاول الإجابة عن سؤال مهم: ما هي النتائج المترتبة على الاستقرار الدائم للمهاجرين في هولندا؟ ومع مرور الوقت أدى هذا الجدل إلى زيادة حدة التوترات الاجتماعية، وإلى جعل قضية الاندماج في صلب النقاش العام، كما زادت الخلافات بين المجموعات السكانية المختلفة داخل المجتمع الهولندي.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5