ads980-90 after header
الإشهار 1

بين ذاكرة الألم وأفق الشراكة التاريخية: هل تفتح الزيارة الملكية إلى فرنسا صفحة المصالحة الكبرى؟

الإشهار 2

العرائش أنفو

بين ذاكرة الألم وأفق الشراكة التاريخية: هل تفتح الزيارة الملكية إلى فرنسا صفحة المصالحة الكبرى؟

بقلم محمد اعبيدو
في لحظةٍ سياسية ودبلوماسية توصف بالمفصلية في تاريخ العلاقات المغربية-الفرنسية، جاءت التصريحات المشتركة لكل من ناصر بوريطة ونظيره الفرنسي جان-نويل بارو لتفتح صفحة جديدة بين المغرب وفرنسا، عنوانها شراكة استراتيجية غير مسبوقة، تتجاوز منطق المصالح التقليدية نحو بناء مستقبل مشترك قائم على الاحترام المتبادل والسيادة والتعاون العميق.

وقد ازدادت أهمية هذا الإعلان التاريخي مع التأكيد الرسمي على أن الملك محمد السادس سيقوم بزيارة دولة رسمية إلى فرنسا، وهي زيارة وصفها الوزير الفرنسي بأنها “علامة فارقة تاريخية” في مسار العلاقات بين البلدين، خاصة مع الحديث عن توقيع معاهدة مغربية-فرنسية استثنائية، تعد الأولى من نوعها بين فرنسا ودولة أوروبية متوسطية أو إفريقية بهذا العمق السياسي والاستراتيجي.

إن هذا التحول الكبير لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي الجديد، ولا عن التحولات التي عرفتها العلاقات بين الرباط وباريس خلال السنوات الأخيرة، والتي مرت بفترات من الفتور وسوء الفهم، قبل أن تعود اليوم إلى منطق الشراكة الواضحة والمصالح المتوازنة والاحترام المتبادل.

لكن، ورغم الأمل الكبير الذي يبعثه هذا التقارب الجديد، فإن الذاكرة الجماعية للمغاربة ما تزال تحمل جراح الماضي الاستعماري، وتحمل معها أسئلة مؤلمة لم تجد بعد أجوبة كاملة.
فهل ستكون هذه المعاهدة التاريخية مجرد اتفاق سياسي واقتصادي جديد؟
أم أنها ستشكل أيضا لحظة شجاعة للمصالحة التاريخية والاعتراف الأخلاقي والإنساني؟

إن الكثير من المغاربة يتطلعون إلى أن تتحلى فرنسا هذه المرة بجرأة تاريخية حقيقية، من خلال الاعتراف الرمزي والأخلاقي بما خلفه الاستعمار من مآسٍ وآلام وجراح في ذاكرة الشعب المغربي، ورد الاعتبار لعشرات الآلاف من المقاومين والمجاهدين والشهداء الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن استقلال الوطن وكرامة الأمة.

فالمصالحة الحقيقية بين الشعوب لا تُبنى فقط على الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارات الكبرى، بل تبنى أيضاً على الصراحة مع التاريخ، وعلى الاعتراف بالمعاناة الإنسانية التي عاشتها الشعوب خلال فترات الاستعمار والقهر والتجريد من الكرامة والسيادة.

ولعل من أكثر الملفات التي ما تزال تثير النقاش داخل الذاكرة الوطنية المغربية، ما يعرف باتفاق “إيكس ليبان”، ذلك الاتفاق الذي يعتبره كثير من المؤرخين والنخب الوطنية مرحلة معقدة ومؤلمة في مسار الاستقلال المغربي، بما حمله من توازنات وضغوط وتسويات فرضتها ظروف تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب الحديث.

ومن هنا، فإن أي شراكة مستقبلية بين الرباط وباريس لا بد أن تقوم على وضوح سياسي وسيادة كاملة واحترام مطلق لخيارات المغرب الاستراتيجية، بعيداً عن أي وصاية أو منطق نفوذ تقليدي ارتبط بالماضي الاستعماري.

وإذا كان المغرب بقيادة جلالة الملك محمد السادس قد أظهر، طوال السنوات الماضية، رغبة صادقة في مد اليد نحو التعاون والسلام وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين، فإن هذه الروح الحكيمة والمنفتحة تستحق من الجانب الفرنسي تعاملاً مماثلاً قائماً على الثقة والاحترام والندية.

إن المغرب اليوم ليس ذلك البلد الذي كان بالأمس، بل أصبح قوة إقليمية صاعدة، تتمتع بثقل سياسي واستقرار مؤسساتي ورؤية استراتيجية واضحة نحو إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي، كما بات رقماً أساسياً في ملفات الأمن والهجرة والطاقة والاستثمار والتعاون جنوب-جنوب.

ومن الطبيعي أن يطمح المغاربة إلى أن تتضمن هذه المعاهدة التاريخية ضمانات واضحة تحترم المصالح العليا للمملكة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو السيادي، وأن تؤسس لشراكة عادلة ومتوازنة تحقق التنمية المشتركة وتفتح آفاقاً جديدة أمام الشباب والاستثمار والتكنولوجيا والتعليم والثقافة.

كما يأمل كثيرون أن تشكل هذه المرحلة الجديدة فرصة لبناء جسر إنساني وثقافي بين الشعبين، قائم على الاحترام المتبادل والتقدير العميق للتاريخ والهوية والكرامة الوطنية.

إن الشعوب العظيمة لا تخاف من مواجهة ماضيها، بل تجعل من الاعتراف بالحقيقة قوة أخلاقية لبناء المستقبل.
وإذا كانت فرنسا تريد فعلاً فتح صفحة جديدة مع المغرب، فإن الطريق نحو ذلك يمر عبر احترام الذاكرة المغربية، والإنصاف الرمزي للتضحيات الوطنية، والتعامل مع المغرب كشريك كامل السيادة لا كتابع أو مجال نفوذ.

ويبقى الأمل قائماً في أن تتحول هذه الزيارة الملكية المرتقبة إلى لحظة تاريخية حقيقية، لا تقتصر فقط على التوقيع على اتفاقيات ومشاريع، بل تؤسس لعهد جديد من الثقة والوضوح والمصالحة العميقة بين شعبين جمعهما التاريخ، بكل ما فيه من آلام وآمال.

وفي النهاية، يظل المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، وفياً لنهجه القائم على الحكمة والانفتاح ومد جسور التعاون والسلام، إيماناً منه بأن المستقبل لا يبنى بالأحقاد، بل بالشجاعة السياسية والاحترام المتبادل والوفاء لكرامة .

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5