ads980-90 after header
الإشهار 1

بين هوية الأم وأرض الاحتضان: عندما تُفسد الفوضى أمانة المواطنة

الإشهار 2

العرائش أنفو
بين هوية الأم وأرض الاحتضان: عندما تُفسد الفوضى أمانة المواطنة
أمين أحرشيون

​اليوم، وبمناسبة مباراة المنتخب المغربي ضد نظيره البرازيلي، قررتُ كالعادة أن أعيش الأجواء مع “ولاد الشعب”، أبناء حينا “كالينكلادا” هنا في مدينة طراسة. بالرغم من أن موعد المقابلة كان متأخراً في منتصف الليل، إلا أن الشوق لجمع الأحباب و”العشرة القديمة” كان أقوى؛ أولئك الأصدقاء الذين بنوا حياتهم ومستقبلهم هنا، حتى أن غالبيتهم أصبحوا أجداداً لجيل جديد وُلد على التراب الإسباني من أصول مغربية.
​اتفقنا مع صاحب المقهى على المشاهدة الجماعية، وكان شرطه الوحيد أن نكون عدداً محدوداً. التزمنا كعقلاء بالهدوء التام، حريصين كل الحرص على عدم إزعاج الجيران، وتعاهدنا على أن نكون نحن أول من يتدخل لتهدئة أي انفلات.
​لكن، سرعان ما تحولت السكينة إلى قلق؛ تدفقت إلى الحي أعداد هائلة من الشباب، فئة غريبة لا يهمها أمن الحي، ولا يعنيها العيش بسلام. وهنا يعتصر القلب ألماً حين تكتشف غياب تلك “الوطنية المشتركة” تجاه الأرض التي احتضنتك، وفتحت لك أبوابها، ووفرت لك العيش الكريم. كيف يعقل ألا نقابل هذا العطاء بالاحترام والوفاء؟ وكيف لا نعيش بسلام مع أنفسنا أولاً قبل غيرنا؟
​المشكلة لم تكن يوماً في لحظات الحماس الرياضي العفوي، بل في أولئك الذين يستغلون هذه المناسبات لزرع فتيل الفوضى، ونشر الكراهية، وخلق النزاعات بلا أي سبب منطقي.
​والأكثر إيلاماً، هو مشهد الأطفال الصغار في الشارع بعد منتصف الليل. والسؤال هنا لا يوجه للطفل، بل لعائلته: أين هو حضن الأسرة؟ أين هي التربية التي تزرع في الطفل الوطنية الحقيقية القائمة على احترام الوطن الذي يتربى فيه ويأكل من خيره، بالتوازي مع حب وطنه الأم؟ إن التربية السليمة هي النبتة التي تزرعها وأنت مطمئن للمستقبل. أما ترك الأطفال لشارع يلقنهم لغة الفوضى والتمرد، فهو أكبر خطأ تربوي، لأنك بذلك تزرع شوكاً لن تجني منه سوى جيل ناقم وغير نافع للمجتمعين معاً.
​انتهت المباراة، وصفر الحكم نهايتها، لكن الذي لم ينتهِ ولن يزول بسهولة هو “نظرة الجيران” إلينا في الصباح الموالي. هنا نضع الأصبع على الجرح، ونفتح ملفاً قديماً متجدداً؛ ملف تلك العقليات المريضة التي يعيش بها البعض، والتي تشكل العائق الأكبر أمامنا كمغاربة مخلصين ومواطنين صالحين في هذا البلد. إنه لشرف عظيم لأي مغربي مقيم بإسبانيا، وتحديداً في كتالونيا، أن يكون سفيراً لبلده، يمثل السلوك الحسن، ويحافظ على هويته الأم دون الصدام مع هوية الأرض التي آوته. هذا التفكير العميق والمتوازن هو المفتاح الحقيقي الذي نطالب به الجميع.
​إن الأرض كلها لله وللبشر، لكن شريطة أن يحترم الإنسان أخاه الإنسان ويتعايش معه. الوطنية الحقيقية هي سلوك ينفع الأجيال، أما الكراهية والحقد وأنت تأكل من خير أرض احتضنتك وجعلت منك إنساناً، فهو قمة التناقض الأخلاقي. إن المغرب الأم بدأ يعيش نمواً فكرياً حقيقياً، ويحاول بكل وسائله أن يربي الأجيال القادمة على الانفتاح والحداثة، تماشياً مع منطق الحياة القائم على الأخذ والعطاء.
​رسالتي واضحة، وإن بدت للبعض تحمل في طياتها الكثير من الغموض، فهي تخاطب العمق الفكري وتضرب في الصميم أولئك الذين يدّعون بألسنتهم أنهم “خير أمة” ويحتكرون الجنة والآخرة لأنفسهم، بينما سلوكهم في الدنيا مليء بالزيف والفوضى وتبادل الأدوار. لهؤلاء نقول بلسان واحد: لا نرضى بالعيش مع فكركم، فقد خبرناه وعشناه، وسنظل حريصين على تعريته وتحليله لنضع دائماً.. النقط على الحروف.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5