جريمة قتل لم تكتمل أركانها… وروح لا تعرف السكون..!

العرائش أنفو
جريمة قتل لم تكتمل أركانها… وروح لا تعرف السكون..!
بقلم: عبد القادر العفسي / العرائش
تنبيه: إن بدت لكم هذه القصة واقعية، فتذكروا أنها مجرد حلم وخيال، وأي تشابه مع الواقع ليس إلا صدفة..!
في كل ليلة، حين يلف الظلام أستار الكون، وتتلاشى أصداء النهار في صمت موحش، تبدأ ملحمتي الأبدية مع العذاب ، ليست كوابيس عابرة تلك التي تقتحم حصون نومي، بل هي زيارات متكررة لروح معذبة، روح تائهة بين ثنايا الوجود والعدم، اختارتني أنا، دون سواي ! لأكون مرآتها الصدئة، ولسانها الأبكم ، تتجلى لي بألف وجه ووجه، تارة في هيئة حارس صامت يقف على حافة الهاوية، وتارة أخرى في زي بستاني يحمل في تجاعيد وجهه أسرار الأرض المنسية ! لا أدري أي من هذه الأقنعة يحمل حقيقتها، فكل صورة تزيد من ثقل الغموض الذي يطبق على أنفاسي .
لقد كبلت هذه الروح ساقي بسلاسل من وهم، وأغلال من يأس، لا ترى بالعين المجردة، لكنها أثقل من الرصاص ! أقسمت بأغلظ الأيمان أنها لن تحررني من قيودي حتى أُفشي سرها للعالم، حتى أعلن عن معاناتها، عن تلك الجريمة التي لم تكتمل أركانها بعد، وبقيت وصمة عار في جبين الزمن و العدالة ! ، والحق أقول، إني لم أعد أطأ الأرض بقدمي منذ خمسة أشهر مضت و امضي الان ماشيا على عكازيين ، وكأن جسدي قد استسلم لنداء الروح، فصار رهين الفراش، لا يبرحه إلا في رحاب الأحلام التي باتت واقعي الأكثر قسوة ، وعدتها، تلك الروح المعذبة، أن أعلن صرختها المكتومة للجميع، عسى أن أجد في ذلك خلاصا لي ولها، أو ربما، نهاية لهذا العذاب الذي لا ينتهي .
في كل ليلة، يتكرر المشهد ذاته، يتجلى أمامي بوضوح مؤلم يمزق الذاكرة ! أجد نفسي في بقعة منسية من الأرض، حيث الماء يلف المكان ببرودة قاتلة ، بحيرة ساكنة تخفي في أعماقها الأسرار، أو مسبح عميق يبتلع الصرخات ! رجلان يتنازعان فيما لينهما حول عملات ذهبية ، تتصاعد أصواتهما الخافتة كأنها أنين قادم من الجحيم، ثم يعقبها صمت مطبق يسبق العاصفة ! فجأة، يظهر أحدهما، يحمل في يده مجرفة أو فأسا و اعتقد انها معدات البستاني لا اردي ، يرفعها في الهواء كقاض يصدر حكم الإعدام، ثم يهوي بها على الآخر…ضربة واحدة، قاضية، تنهي كل شيء .
ثم، وفي دوامة الرؤيا التي لا ترحم، أرى الروح تصرخ في أذني، تدفعني دفعا لأشاهد الرجلين يدفعان الجسد الهامد إلى الماء، إلى أعماق البحيرة أو المسبح، حيث يختفي بلا أثر و تختفي معها مسرح الجريمة ! وهناك، على الضفة الأخرى، يقف رجل ثالث، شاهد على الفاجعة، يبكي ويصرخ، صرخة مكتومة لا يسمعها سواي، صرخة تعكس رعبا وجوديا لا يوصف، وكأنها صدى لصرخة الروح نفسها.
ومع توالي الليالي، بدأت صور القتيل تتضح أمامي أكثر فأكثر، كأنها تخرج من غياهب النسيان لتستقر في صميم وعيي ! أراه الآن، يقف أمامي، وجهه شاحب كالموت، عيناه تحملان حزنا عميقا يمتد إلى الأزل، يخبرني أن روحه قد بيعت في سوق نخاسة لا يعرف الرحمة، سوق حيث تباع الأرواح بأبخس الأثمان، ويبكي، يبكي بعمق يمزق الروح، وكأن دموعه أنهار من دم .
وأحيانا، أراه يزور الشاهد على عملية قتله يطالبه ان يستيقض من غفلته و يبرء ذمته و يذكره بعذاب السماء … و احيانا اراه يصرخ في أذنيه وهو نائم، فيصيبه الفزع ويستيقظ من نومه مذعورا، وكأن لعنة الروح قد طالته هو الآخر، فصار شريكا في العذاب، لا يجد مهربا من شبح الجريمة .
نعم، كل ليلة، هذه الروح لا تريد أن تبتعد عني، وكلما حاولت الفرار منها، شدت وثاقي أكثر، كأنها جزء لا يتجزأ من كياني ، أتمنى من هذه الروح الضائعة والتائهة في عالمنا المادي أن تجد الراحة الأبدية، أن تتحرر من أغلالها، وأن تنام قريرة العين .
وها أنا قد أخبرتكم عن هذه الروح، عن معاناتها، عن جريمة لم تكتمل أركانها، وعن الأغلال التي تكبلني ،
و من سويدائي و عمقي أتمنى أن تبتعد عني الآن، وأن تنصفها السماء والأرض، لأنها روح معذبة لا تستحق هذا الشقاء الأبدي، روح تبحث عن العدالة حتى بعد الموت .
