ads980-90 after header
الإشهار 1

قراءة تحليلية في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد

الإشهار 2

العرائش أنفو

قراءة تحليلية في الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد

بقلم: محمد اعبيدو

لم يكن الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش مجرد استعراض لمنجزات مرحلة أو تقديم لحصيلة حكومية أو اقتصادية، بل جاء وثيقة سياسية واستراتيجية متكاملة، ترسم ملامح المغرب الذي يتشكل، وتحدد فلسفة الدولة في تدبير حاضرها واستشراف مستقبلها، وتبعث برسائل واضحة إلى الداخل والخارج، وإلى المؤسسات والقوى الحية والمواطنين.

لقد قدم جلالة الملك رؤية متكاملة، عنوانها أن بناء الأمم لا يقوم على الشعارات، وإنما على الاستقرار، والعمل، والاستمرارية، والتخطيط البعيد المدى، والثقة في المستقبل.

أولاً: القيادة باعتبارها أمانة ومسؤولية

استهل جلالة الملك خطابه بالتأكيد على أن الحكم ليس امتيازاً ولا مجالاً للبحث عن المجد الشخصي، وإنما هو أمانة ومسؤولية أمام الله والشعب والتاريخ. وهو بذلك يرسخ فلسفة في القيادة تجعل خدمة المواطن غايتها الأولى، وتحقيق الكرامة والعيش الكريم هدفها الأسمى.

إنها رسالة أخلاقية تؤكد أن شرعية الدولة لا تقاس فقط بالمؤسسات، وإنما بقدرتها على خدمة الإنسان وصيانة كرامته.

ثانياً: الأمل بديلاً عن خطاب الإحباط

أكد الخطاب أن المغرب يعيش مرحلة مفصلية، وأن المستقبل لا يبنى بخطابات التشاؤم واليأس، وإنما بروح الثقة والعمل والإيمان بالقدرة على تجاوز التحديات.

وهنا يدعو جلالة الملك إلى ترسيخ ثقافة وطنية جديدة، تجعل من التفاؤل طاقة للإبداع، ومن النقد وسيلة للإصلاح، ومن الإنجاز معياراً للحكم على السياسات، بعيداً عن المزايدات والصراعات العقيمة.

ثالثاً: الأمن والاستقرار… الثروة الوطنية الكبرى

يضع الخطاب الأمن والاستقرار في مقدمة مقومات التنمية، باعتبارهما رأسمالاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الثروات الطبيعية.

وفي عالم تعصف به الحروب والأزمات والانقسامات، يقدم المغرب نموذج دولة استطاعت أن تحافظ على استقرار مؤسساتها، وتماسك مجتمعها، واستمرار مشاريعها التنموية، وهو ما وفر بيئة جاذبة للاستثمار والتنمية.

فالاستقرار، كما يؤكد الخطاب، ليس معطىً تلقائياً، بل ثمرة مؤسسات قوية، وحكامة متوازنة، ورؤية بعيدة المدى.

رابعاً: الدولة المؤسسة لا دولة الظرفية

من أبرز الرسائل التي حملها الخطاب أن قوة المغرب تكمن في رسوخ مؤسساته، وانسجامها، واستمرارية عملها.

فالمنجزات الكبرى لا ترتبط بعمر حكومة أو ولاية برلمانية، وإنما هي حصيلة تراكمات استراتيجية متواصلة، تضمن استمرار الدولة في تنفيذ مشاريعها الكبرى مهما تغيرت الحكومات.

وهذا يمثل درساً في بناء الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات لا على الأشخاص.

خامساً: الاقتصاد الوطني يدخل مرحلة جديدة

يبرز الخطاب أن المغرب انتقل من اقتصاد يعتمد على الإمكانات التقليدية إلى اقتصاد يرتكز على الصناعة والتكنولوجيا والابتكار.

وقد توقف جلالة الملك عند عدد من المؤشرات الدالة على هذا التحول، منها:

– تحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع.
– تعزيز الأمن الغذائي والمائي.
– تصدر المغرب إفريقيا في صناعة السيارات.
– تطور صناعات الطيران.
– إطلاق صناعة محركات وأنظمة هبوط الطائرات.
– بناء صناعة البطاريات الكهربائية.
– الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
– تطوير الصناعات الغذائية والدوائية.
– التوجه نحو الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني.

ويكشف ذلك عن رؤية استراتيجية تجعل من المغرب منصة صناعية وتكنولوجية إقليمية، قادرة على المنافسة في القطاعات المستقبلية.

سادساً: السيادة الوطنية مفهوم شامل

يوسع الخطاب مفهوم السيادة، فلا يحصره في الجانب الأمني، بل يجعله شاملاً للسيادة الاقتصادية والغذائية والطاقية والصناعية والتكنولوجية.

فالدول القوية، في منظور الخطاب، هي التي تنتج غذاءها ودواءها وطاقتها وتقنياتها، وتملك القدرة على حماية مصالحها في عالم سريع التحول.

سابعاً: التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية

رغم التركيز على الاقتصاد والاستثمار، شدد جلالة الملك على أن الغاية النهائية هي الإنسان.

ولذلك أكد استمرار برامج الحماية الاجتماعية، والتنمية البشرية، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان استفادة جميع الجهات من ثمار التنمية.

فالنجاح الاقتصادي الحقيقي لا يقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرته على تحسين حياة المواطنين وتحقيق العدالة والكرامة.

ثامناً: إصلاح المنظومة المالية

وجه الخطاب دعوة واضحة إلى القطاع المالي من أجل لعب دور أكبر في تمويل التنمية، وتسهيل ولوج المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار إلى التمويل.

ويعكس ذلك وعياً بأن الاستثمار هو المحرك الأساسي لخلق الثروة وفرص الشغل، وأن المؤسسات المالية مطالبة بمواكبة التحول الاقتصادي الوطني.

تاسعاً: المغرب شريك دولي موثوق

على المستوى الخارجي، أبرز الخطاب المكانة التي أصبح يحتلها المغرب باعتباره شريكاً يحظى بالثقة والاحترام.

فالسياسة الخارجية المغربية تقوم على تنويع الشراكات، والندية، والتوازن، وبناء علاقات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يعزز حضور المملكة في محيطها الإقليمي والدولي.

عاشراً: الانتخابات ليست نهاية المشروع الوطني

يحمل الخطاب رسالة سياسية بالغة الأهمية، مفادها أن الانتخابات المقبلة ينبغي أن تكون محطة لتعزيز المسار التنموي، لا نقطة انطلاق من الصفر.

فالمطلوب من الحكومة المقبلة هو البناء على ما تحقق، وتسريع وتيرة الإصلاح، وتحصين المكتسبات، ومواصلة الأوراش الكبرى بروح المسؤولية والاستمرارية.

الحادي عشر: الاعتراف بمؤسسات حماية الوطن

اختتم جلالة الملك خطابه بتجديد التقدير للقوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني، والقوات المساعدة، والوقاية المدنية، والإدارة الترابية، تقديراً لما تبذله من جهود في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره.

كما استحضر، بكل وفاء وخشوع، شهداء الوطن، وفي مقدمتهم الملكان الراحلان محمد الخامس والحسن الثاني، في تأكيد على استمرارية الدولة ووفائها لتاريخها ورموزها.

الخلاصة

يكشف الخطاب الملكي السامي عن مشروع وطني متكامل، يقوم على خمس ركائز كبرى:

– ترسيخ الأمن والاستقرار باعتبارهما أساس كل تنمية.
– بناء اقتصاد سيادي قائم على الصناعة والابتكار والتكنولوجيا.
– تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية الشاملة.
– تعزيز مكانة المغرب كشريك دولي موثوق وقوة إقليمية صاعدة.
– ضمان استمرارية الإصلاحات الكبرى بعيداً عن منطق التدبير الظرفي.

وفي جوهره، يدعو الخطاب جميع المغاربة، بمختلف مواقعهم ومسؤولياتهم، إلى الانتقال من ثقافة انتظار الحلول إلى ثقافة المشاركة في صنعها، ومن منطق التشكيك إلى منطق الإنجاز، ومن الحسابات الضيقة إلى تغليب المصلحة العليا للوطن.

إنه خطاب يؤكد أن مستقبل المغرب لا يصنعه التفاؤل المجرد، ولا الخطابات الرنانة، بل تصنعه الإرادة الصادقة، والعمل المتواصل، ووحدة الصف، وقوة المؤسسات، والإيمان بأن الوطن مشروع جماعي يتجدد مع كل جيل، وأن خدمة المغرب مسؤولية مشتركة تتجاوز الأفراد والحكومات، لتظل وفاءً دائماً للعرش، وللشعب، وللتاريخ، واستثماراً في مستقبل وطن يسير بثبات نحو مزيد من التقدم والازدهار.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5