بَعْضٌ مِن مَجِلِس عليها جالِس

بَعْضٌ مِن مَجِلِس عليها جالِس
تطوان : مصطفى منيغ
الغناءٌ في حَدِّ ذاته رَوْعَةٌ ، إنْ رُدِّدَ بأصواتٍ رائِعة ، عن ألْحَانٍ تُقَارِبُ اللَّحظات المٌعاشَة في سَماعِها لِلْغَايَةِ مُمْتِعَة ، بكلمات ناقلة التَمَعُّن مِن المَغْمُورِ لذاكَ المُتغَلِّب على الخيالِ بشعورٍ يجعل أنوار الوضوحِ جِدّ لاَمِعَة . ليس كما جاء به مهرجان مموَّل من قوت الشعب في تطوان بما حوَّل بعض الغناءِ لوسائِل تبليغ أقَلُّ ما يُقَال عليها أخْلاَقِياً ممنوعة . كان عَلَيّ أن استمرَ في تبيين تلك التجاوزات التي برهن المجلس البلدي ببعض مسؤوليه أنه تطاوَل على عموم السكان بالسماح لمثل تلك الأغنية الممثِّلة للشيطان في نشر المزيد من المنكر داخل وطن مسلم له أمير للمؤمنين كأمر واقع . لكنني أقدم في الموضوع شهادتين صادرتين من شرفاء ذاك المجلس اللذين كان عليهما الجهر لتذكير البعض أن تطوان لن تكون محطة انطلاقٍ لإفسادِ ما للمؤمنين مِن أذواق أقلها دافعة أحرار النفوس للوقوف لمواجهة خدام الرذيلة بما يجب من صلابة مناعة . من هؤلاء الشرفاء السيدة الفاضلة “نجاة حمرية” نائبة رئيس المجلي البلدي بتطوان التي قالت بالحرف ما لي :
“مهرجان «أصوات نسائية» بتطوان المنعقد بتاريخ 14-15 غشت الأخير يساهم في القضاء على قيم الأسرة التطوانية؟
المعطيات المتداولة في وسائل الإعلام وما ذكره بعض الحاضرين بشأن تقديم أغنية على منصة مهرجان «أصوات نسائية» تتضمن دعوة صريحة إلى مغادرة مؤسسة الزواج واللجوء إلى ما يُفهم منه ممارسة الرذيلة ” الزهو ” فإن الأمر لا يمكن اختزاله في «حرية فنية» أو اختلاف في الأذواق، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمهرجان عمومي يُقام في مدينة تطوان ويحظى بتمويل من المال العام( جماعة تطوان ) ، فكيف يُقبل أن تؤدى أمام جمهور يضم آباء وأمهات وأطفالًا مضامين تصطدم، بقيم الأسرة المغربية وبالمرجعيات الأخلاقية والاجتماعية التي تحترمها ساكنة تطوان؟ وهل أصبحت الجماعة مطالبة بتمويل مثل هذه المضامين بدل حماية الذوق العام واحترام مشاعر المواطنين؟. المسؤولية السياسية والأخلاقية تقع أولًا على عاتق رئيس جماعة تطوان، الذي لا يمكنه أن يتعامل مع المال العام وكأنه شيك على بياض، ولا أن يتجاهل مشاعر الساكنة وعاداتها وتقاليدها، ولا أن يغض الطرف عن مضامين تمس، مؤسسة الأسرة التي تحظى بالحماية القانونية في إطار مدونة الأسرة . كما أن المسؤولية تمتد إلى رئاسة مهرجان «أصوات نسائية»: فاختيار الفنانين وبرمجة العروض ليستا مسألة بريئة من المسؤولية، خصوصًا عندما يتم التعاقد بأموال عمومية. إننا لا ندعو إلى مصادرة الفن أو حرية التعبير، وإنما نطالب بالمساءلة حين يتعلق الأمر بمهرجان يمول من المال العام، وبمحتوى قد يتعارض مع القيم التي يفترض أن تحترمها التظاهرات العمومية. وعليه، فإن المطلوب فتح تحقيق عاجل وشفاف ، والتحقق من مضمون الأغنية وسياق تقديمها، والكشف عن الجهات التي صادقت على البرمجة، وتحديد المسؤوليات السياسية والإدارية والمالية، مع ترتيب الآثار القانونية عند ثبوت أي تجاوز ، فمدينة تطوان تستحق مهرجانات تحترم جمهورها، لا مهرجانات تضع المال العام في مواجهة قيم المجتمع ومشاعر الأسر”.
ومنها أيضا شهادة الأستاذ الفاضل عادل بنونة ، رئيس فريق المعارضة بالمجلس البلدي لمدينة تطوان الذي ذكرا الآتي :
“” أثارت العبارة التي رددتها إحدى المغنيات المتعاقد معها من طرف مهرجان «أصوات نسائية»، خلال إحدى فقرات النسخة الأخيرة من المهرجان يومي 14 و15 غشت 2026، والتي جاء فيها: «اللهم الزهو ولا زواج القهرة»، نقاشًا مشروعًا وواسعًا حول حدود حرية التعبير والإبداع، عندما يتعلق الأمر بتظاهرة عمومية تستفيد من دعم مالي من مؤسسة منتخبة. ولا يتعلق الأمر هنا بمصادرة حرية الفنان أو التضييق على الإبداع، فحرية الفكر والرأي والتعبير مضمونة دستوريًا. غير أن الحرية، في دولة المؤسسات والقانون، لا تعني إعفاء الجهة المنظمة أو الممولة من المسؤولية، كما لا تمنح أي مؤسسة حصانة من المساءلة عندما يتعلق الأمر بمضامين تقدم في فضاء عمومي وتحظى بتمويل عمومي.
أولًا: الأسرة ليست شأنًا خاصًا، بل مؤسسة تحظى بحماية دستورية
ينص الفصل 32 من دستور المملكة صراحة على أن «الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع»، كما يلزم الدولة بضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها.
وتنسجم هذه المرجعية الدستورية مع مقتضيات مدونة الأسرة، ولا سيما المادة 4، التي تعرف الزواج بأنه ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين.
وعليه، فإن احترام مؤسسة الأسرة ليس مجرد موقف أخلاقي أو اجتماعي، بل يرتبط بمنظومة دستورية وتشريعية وقيمية تؤطر المجتمع المغربي.
ومن هذا المنطلق، فإن أي نقاش حول مضامين فنية موجهة إلى جمهور عمومي، وخاصة عندما يكون من بين الحاضرين الأطفال والمراهقون والأسر، ينبغي أن يستحضر طبيعة الفضاء العمومي ومسؤولية الجهة المنظمة وشروط الاستفادة من المال العام.
ثانيًا: أين تكمن مسؤولية رئيس جماعة تطوان؟
إذا كانت جماعة تطوان تساهم في تمويل مهرجان «أصوات نسائية» بمبلغ يقارب 200 مليون سنتيم سنويًا ، فإن رئيس الجماعة، باعتباره المسؤول عن تدبير المؤسسة المنتخبة وتنفيذ مقرراتها واتفاقياتها، مطالب اليوم بتقديم توضيحات مؤسساتية للرأي العام.
ولا يكفي القول إن الجماعة لا تتدخل في المضامين الفنية للمهرجان؛ لأن السؤال المطروح لا يتعلق بممارسة الرقابة على الفن، وإنما بكيفية تدبير المال العام، وبالشروط والالتزامات المرتبطة بالدعم العمومي.
ومن حق المواطنين وأعضاء المجلس الجماعي أن يعرفوا:
* قيمة الدعم العمومي المقدم للمهرجان ومبرراته وأوجه صرفه؛
* مضمون الاتفاقية المبرمة بين الجماعة والجهة المنظمة؛
* الالتزامات التي تتحملها المؤسسة المستفيدة من الدعم؛
* آليات تتبع وتقييم تنفيذ الاتفاقية؛
* ومدى وجود مقتضيات واضحة تضمن احترام القانون والنظام العام والقيم الدستورية في الأنشطة المنظمة.
كما أن استمرار الدعم العمومي ينبغي ألا يتحول إلى شيك على بياض، بل يجب أن يكون مرتبطًا بالتزامات واضحة وقابلة للتتبع والتقييم والمساءلة.
وهنا تبرز مسؤولية رئيس الجماعة سياسيًا وتدبيريًا، لأن المال العام أمانة، والدعم العمومي لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن المصلحة العامة ومبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثالثًا: المسؤولية لا تقع على الفنان وحده
من الضروري التمييز بين مسؤولية الفنان ومسؤولية المؤسسة المنظمة.
فالفنان يتحمل مسؤولية ما يقدمه في حدود القانون، لكن إدارة المهرجان هي التي تختار الفنانين والبرامج، وتبرم العقود، وتحدد طبيعة العروض، وتوجه الدعوات، وتتحمل مسؤولية التنظيم العام للتظاهرة.
ومن هنا يحق للرأي العام أن يطرح على رئيسة مؤسسة مهرجان «أصوات نسائية»، السيدة كريمة ابن يعيش، أسئلة واضحة ومشروعة:
من اختار الفنانة؟
ومن صادق على برمجتها؟
هل كانت طبيعة الأغنية ومضامينها معروفة مسبقًا؟
هل توجد لجنة مختصة بالبرمجة؟
هل توجد معايير مكتوبة للمحتوى الذي يقدم أمام جمهور عائلي يضم أطفالًا ومراهقين؟
وهل تتضمن الاتفاقيات المبرمة مع الفنانين شروطًا واضحة بشأن احترام القانون والقيم العامة وطبيعة الفضاء الذي يقدم فيه العرض؟
إنها أسئلة مؤسساتية لا تستهدف الفنان ولا تهدف إلى مصادرة حرية الإبداع، وإنما ترمي إلى تحديد المسؤوليات وضمان احترام شروط تنظيم تظاهرة تستفيد من دعم عمومي.
رابعًا: الحرية مسؤولية، والمال العام يستوجب المساءلة
صحيح أن الفصل 25 من الدستور يضمن حرية الفكر والرأي والتعبير، وأن الفصل 28 يضمن حرية الصحافة وحرية التعبير والنشر، غير أن ممارسة هذه الحريات تتم في إطار الدستور والقانون.
كما أن الفصل الأول من الدستور يكرس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ومن ثم فإن المطلوب أن تكون التظاهرات المدعومة من المال العام منظمة وفق قواعد واضحة، وأن تتحمل الجهات المنظمة مسؤوليتها عن البرامج التي تقدمها أمام الجمهور.
والأمر يصبح أكثر إلحاحًا عندما يتعلق الأمر بتظاهرة عمومية تستفيد من دعم جماعة ترابية منتخبة، وتنظم في فضاء مفتوح أمام الأسر والشباب والأطفال و تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله
خامسًا: فتح تحقيق إداري ومؤسساتي
أمام الجدل الواسع الذي أثارته الواقعة، وانتشار المقطع على مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح من المشروع المطالبة بفتح تحقيق إداري ومؤسساتي شفاف من طرف الجهات المختصة.
ولا يعني التحقيق إدانة مسبقة لأي طرف، وإنما يهدف إلى الوقوف على حقيقة ما جرى، والاطلاع على مضمون العرض وسياقه الكامل، وفحص الاتفاقيات المبرمة، وتحديد المسؤوليات، والتحقق مما إذا كانت هناك شروط تعاقدية أو قانونية لم تحترم.
وإذا ثبت وجود أي إخلال، فيجب ترتيب الآثار القانونية والإدارية المناسبة من طرف الجهات المختصة.
سادسًا: اعتذار رسمي للرأي العام
وبالنظر إلى استفادة المهرجان من دعم عمومي سخي من جماعة تطوان، فإن من واجب رئاسة مؤسسة المهرجان، من منطلق المسؤولية الأخلاقية والمؤسساتية، تقديم توضيح رسمي واعتذار للرأي العام عن الفقرات التي اعتبرها جزء واسع من الجمهور مسيئة إلى قيم المجتمع المغربي وإلى حساسية الأسر المغربية.
كما أن رئيس جماعة تطوان، باعتباره ممثل المؤسسة المنتخبة التي تساهم في تمويل المهرجان، مطالب بدوره بتوضيح موقف الجماعة مما وقع، وببيان الإجراءات التي ستتخذها لضمان عدم تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلًا
إن الاعتذار، في مثل هذه الحالات، ليس ضعفًا ولا تراجعًا عن حرية الإبداع، بل هو تعبير عن احترام الجمهور، واحترام المؤسسة المنتخبة التي تساهم في التمويل، واحترام المجتمع التطواني والمغربي وقيمه.
سابعًا: من حماية الأسرة إلى تكتل مجتمعي مسؤول
إن النقاش الذي أثارته هذه الواقعة ينبغي ألا ينتهي إلى مجرد سجال عابر على مواقع التواصل الاجتماعي.
بل يجب أن يكون مناسبة لإطلاق تكتل مجتمعي مدني واسع يضم الأسر، والفاعلين الجمعويين، والحقوقيين، والمثقفين، والفنانين، والمنتخبين، والفاعلين التربويين والإعلاميين، من أجل الدفاع عن مؤسسة الأسرة، وتشجيع الفن الراقي والمسؤول، والمطالبة بتظاهرات ثقافية تحترم الجمهور المغربي وتنوعه وقيمه.
فحماية الأسرة لا تعني الانغلاق، كما أن الانفتاح الثقافي لا يعني التخلي عن القيم.
وتطوان، المدينة العريقة في الثقافة والحضارة والانفتاح، قادرة على أن تقدم نموذجًا لمهرجانات تجمع بين الإبداع والحرية والمسؤولية واحترام الأسرة والفضاء العمومي.
تطوان لا تريد مهرجانات بلا مساءلة
تطوان مدينة لها حضارة عريقة، ولها تقاليد راسخة في الثقافة والفن الهادف والانفتاح، وهي في الوقت نفسه مدينة لها أسر ومؤسسات ومجتمع مدني ورأي عام.
ومن حق التطوانيين أن يطالبوا بمهرجانات راقية، وفن مسؤول، وبرامج تحترم الجمهور، وإنفاق عمومي يخضع للشفافية والتتبع والتقييم.
ولهذا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس: هل نريد الفن أم لا؟
بل السؤال الحقيقي هو:
أي فن نمول من المال العام؟
ومن يختار مضمونه؟
وما شروط هذا التمويل؟
ومن يراقب احترام الاتفاقية؟
ومن يتحمل المسؤولية عندما يقع إخلال؟
إن رئيس جماعة تطوان مطالب اليوم بمراجعة بنود الاتفاقية التي تربط الجماعة بمؤسسة المهرجان، وإدراج مقتضيات صريحة تضمن احترام الدستور والقانون والقيم العامة، وربط استمرار الدعم العمومي بالتزامات واضحة وقابلة للتتبع والتقييم.
كما أن الجهات المختصة مطالبة بفتح تحقيق إداري ومؤسساتي مستقل وشفاف، للتحقق مما إذا كان ما وقع مجرد تعبير فني مشروع، أم أنه يشكل إخلالًا بشروط الدعم أو بالالتزامات التعاقدية أو بالمقتضيات القانونية ذات الصلة.
حرية الإبداع حق، والأسرة محمية دستوريًا، والمال العام أمانة، وربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ دستوري.
وبين هذه المبادئ جميعًا، لا ينبغي أن يكون هناك مجال لا للتشهير ولا للتبرير الأعمى، وإنما للحقيقة والمساءلة والشفافية.
فحين تموّل جماعة تطوان مهرجانًا من أموال المواطنين، فمن حق المواطنين معرفة ماحدث ؟ ومن يراقب ومن يحاسب ؟
وعليه، فإن المطالبة باعتذار رسمي، وفتح تحقيق مؤسساتي، ومراجعة شروط الدعم العمومي،إنما هي دفاع عن المسؤولية في استعمال المال العام، واحترام الجمهور، وصون مؤسسة الأسرة، وترسيخ ثقافة المحاسبة””.
