تعزية ورثاء في رحيل الشيخ الجليل ماء العينين لارباس
محمد اعبيدو رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن ينعي وفاة الشيخ ماي العينين لارباس

العرائش أنفو
تعزية ورثاء في رحيل الشيخ الجليل ماء العينين لارباس
محمد اعبيدو رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن ينعي وفاة الشيخ ماي العينين لارباس

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ونفوس راضية بحكمه، وبمشاعر يختلط فيها ألم الفراق بصدق الوفاء، تنعى جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن، في شخص رئيسها السيد محمد اعبيدو، ببالغ الحزن والأسى، وفاة الشيخ الجليل ماء العينين لارباس، تغمده الله بواسع رحمته.
وقال رئيس الجمعية: “نسأل الله أن يسكن الفقيد فسيح جناته، ويكرم نزله، وينوّر قبره، ويجعل الفردوس الأعلى مستقره ومقامه. إننا اليوم لا نودع رجلاً عادياً من رجال الحياة، وإنما نودع واحداً من الرجال الذين تركوا حضوراً عميقاً في محيطهم، وحملوا في صدورهم شيئاً من ذاكرة الوطن، وعاشوا حياتهم أوفياء لقيمهم ومبادئهم وانتمائهم الوطني والروحي”.
خادم من خدام العرش العلوي المجيد
وأكد السيد محمد اعبيدو أن الشيخ ماء العينين لارباس، رحمه الله، كان من خدام العرش العلوي المجيد، ومن الرجال المعروفين بوفائهم للعرش العلوي الشريف، وتمسكهم بالبيعة الشرعية، وإيمانهم بوحدة المغرب وثوابته الوطنية. وظل وفاؤه لجلالة الملك، حفظه الله، جزءاً من قناعته الوطنية ومن نظرته إلى استمرارية الدولة المغربية ورسوخ مؤسساتها وثوابتها.

وأضاف أن الفقيد كان يرى أن البيعة ليست مجرد مفهوم تاريخي، وإنما هي رابطة شرعية وتاريخية عميقة، شكلت عبر القرون أحد الأسس التي قامت عليها الدولة المغربية، وحفظت وحدة البلاد واستمراريتها، وربطت مختلف جهاتها ومكوناتها بالعرش العلوي المجيد. وكان هذا الوفاء بالنسبة إليه من الثوابت التي لا تخضع للظروف ولا تتغير بتغير الأزمنة، بل تنتقل من جيل إلى جيل باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية المغربية.
رجل من رجال الذاكرة المغربية
وأوضح رئيس الجمعية أن الراحل الكريم كان يحمل في ذاكرته جوانب مهمة من تاريخ الصحراء المغربية، وكان حديثه عن الوطن والتاريخ لا ينفصل عن حديثه عن الإنسان والعلماء والشيوخ والزوايا والطرق الصوفية.
وكشف السيد اعبيدو عن علاقة إنسانية خاصة جمعته بالفقيد، تجاوزت حدود المعرفة العابرة، وقامت على المحبة والمودة والاحترام والثقة المتبادلة، قائلاً: “فكلما كنت أزور مدينة العيون، كنت أحرص على زيارته والجلوس إليه، وكانت مجالسه بالنسبة إليّ مجالس علم ونصيحة وذاكرة. كما التقينا في مناسبات عديدة بمدينة الرباط، وكان من أجمل اللقاءات التي ستظل راسخة في وجداني استقباله في رحاب ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، رضي الله عنه”.
وأشار إلى أن تلك اللقاءات كانت مناسبة للحديث عن المغرب وتاريخه وروحه، وعن التصوف المغربي، وعن الزوايا والطرق الصوفية، وعن الروابط التي نسجتها هذه المؤسسات الروحية والاجتماعية بين مختلف مناطق المملكة.
وتابع: “كنت أستمع إلى نصائحه وأستفيد من تجربته، وقد منحني رحمه الله بعض المعلومات والوثائق والمعارف المتعلقة بتاريخ الصحراء المغربية وشمال المملكة، وخاصة ما يرتبط بمرحلة الاستعمار الإسباني، وبطبيعة العلاقات التاريخية والإدارية والسياسية التي كانت قائمة بين مناطق الصحراء وشمال المغرب”.
ومن القضايا التي ناقشاها بإسهاب، يضيف الرئيس، تاريخ المرحلة التي كان فيها جزء من المجال المغربي خاضعاً للنفوذ الإسباني، ودور الحكومة الخليفية وعاصمتها تطوان في تدبير شؤون المناطق الواقعة ضمن النفوذ الإسباني، وهي جوانب تاريخية كان يرى رحمه الله أنها تحتاج إلى مزيد من البحث العلمي والتوثيق.
الزوايا والطرق الصوفية… ذاكرة روحية ووطنية.
وأبرز السيد اعبيدو أن من أكثر الموضوعات التي كانت تجمعهما في مجالسهما موضوع الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب، ودورها في حفظ الدين والهوية والذاكرة، ونشر العلم والتربية والإصلاح، وربط مختلف مناطق المغرب بروابط روحية وعلمية واجتماعية عميقة.
وكان الحديث يتناول أيضاً زاوية الشيخ ماء العينين، وتاريخها ودورها، وما يرتبط بتقاليدها الروحية وصلاتها بالمدارس الصوفية المغربية، ولا سيما ما يتصل بالشاذلية والقادرية، وما عرفه المجال الصوفي المغربي والصحراوي من تداخل في الأسانيد والمشايخ والتلاميذ والممارسات الروحية.
وكان الفقيد يرى، حسب رئيس الجمعية، أن التصوف المغربي لا ينبغي أن يُقرأ بعيداً عن التاريخ الوطني، لأن الزوايا لم تكن مجرد أماكن للذكر والعبادة، وإنما كانت في مراحل مختلفة مراكز للعلم والتربية والإصلاح والتواصل الاجتماعي، وأسهمت في الحفاظ على الروابط بين القبائل والمناطق.
ومن هنا كان الاهتمام المشترك بعلاقة الاستعمار الإسباني بالزوايا والطرق الصوفية في الصحراء المغربية وشمال المملكة، وبمحاولات السلطات الاستعمارية مراقبة المجال الديني وفهم شبكات النفوذ الروحي والاجتماعي المرتبطة بالشيوخ والزوايا. وكان هذا الموضوع يفتح باباً واسعاً لفهم جانب من تاريخ الاستعمار، لأن السيطرة على الأرض لم تكن منفصلة عن محاولة مراقبة أو التأثير في البنى الاجتماعية والروحية التي كانت تتمتع بمكانة وتأثير داخل المجتمع.
الصحراء المغربية وشمال المملكة… امتداد تاريخي وروحي
وأكد السيد اعبيدو أن الشيخ ماء العينين لارباس كان يؤكد دائماً، من خلال ما يحمله من ذاكرة ومعرفة، أن تاريخ الصحراء المغربية لا يمكن اختزاله في فترة واحدة، ولا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ باقي جهات المملكة.
وكان يرى أن فهم ذلك التاريخ يقتضي استحضار الروابط الدينية والاجتماعية والروحية والسياسية التي جمعت الصحراء بشمال المغرب، وأن الزوايا والطرق الصوفية والعلماء والشيوخ كانوا من أهم الجسور التي حافظت على التواصل بين مختلف مناطق البلاد. ولهذا كانت مجالسه بالنسبة لرئيس الجمعية مدرسة في النظر إلى التاريخ باعتباره ذاكرة وهوية وأمانة ومسؤولية تجاه الأجيال المقبلة.
علاقة خاصة لا تختصرها الكلمات
وأضاف رئيس الجمعية أن ما يزيد وقع هذا الرحيل في نفسه أن الشيخ لم يكن بالنسبة إليه شيخاً وصديقاً فحسب، وإنما كان يعتبره واحداً من أبنائه، حيث منحه ثقته ومحبته، وكان يكلّفه أحياناً ببعض المهام العائلية الخاصة، وهي ثقة يعتز بها ويحملها في قلبه بكل وفاء.
وقال: “إنني اليوم، وأنا أكتب هذه الكلمات بصفتي رئيس جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن، لا أستطيع أن أفصل بين التعزية باسم الجمعية وبين حزني الشخصي على رجل كان له في حياتي مكان خاص. لقد كنت أستمع إليه، وأتعلم منه، وأحفظ نصائحه، وأعتز بما وضعه بين يدي من وثائق ومعلومات وشهادات. واليوم، وقد غاب الرجل، أدرك أكثر من أي وقت مضى أن الإنسان قد يرحل، لكن كلماته تبقى، وأن الجسد قد يغيب، لكن الأثر لا يغيب”.
وأكد أن الشيخ ماء العينين لارباس سيظل حاضراً في ذاكرة كل من عرفه، وفي قلوب أهله ومحبيه، وفي ما تركه من معرفة وشهادات ووثائق وذكريات.
الوفاء للراحل مسؤولية
وشدد السيد اعبيدو على أن أفضل وفاء للشيخ الراحل هو أن تُحفظ ذاكرته، وأن تُصان ما تركه من وثائق ومعارف، وأن يُواصل البحث في تاريخ الصحراء المغربية، وفي تاريخ الزوايا والطرق الصوفية، وفي الروابط التاريخية والروحية التي جمعت مختلف مناطق المملكة.
وقال: “حين يرحل رجل يحمل ذاكرة مرحلة كاملة، لا ينبغي أن يرحل كل ما كان يعرفه معه. إن الوثيقة أمانة، والشهادة أمانة، والذاكرة أمانة، والتاريخ أمانة. وإن من الوفاء لهذا الرجل أن تبقى سيرته حاضرة، وأن تتحول معارفه إلى مادة للبحث والتوثيق، وأن تستفيد منها الأجيال المقبلة في فهم تاريخ وطنها، وصيانة ذاكرتها، والاعتزاز بجذورها”.
إلى أسرته وأهله ومحبيه
وبهذه المناسبة الأليمة، تتقدم جمعية مولاي عبد السلام بن مشيش للتنمية والتضامن إلى أسرة الفقيد الكريمة، وأبنائه وذويه، وإلى أهله ومحبيه، وإلى عموم أهل الصحراء المغربية، بأصدق عبارات التعازي وأخلص مشاعر المواساة.
“نسأل الله تعالى أن يربط على قلوبكم، وأن يلهمكم الصبر والسلوان، وأن يجعل مصابكم في ميزان حسناتكم.
اللهم ارحم الشيخ ماء العينين لارباس رحمة واسعة. اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، ونور قبره، وآنس وحشته، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.
اللهم اجعل علمه ومعرفته ونصائحه وكل ما قدمه من خير في ميزان حسناته، واجعل ما تركه من وثائق ومعارف وشهادات صدقة جارية له، وسبباً لبقاء أثره الطيب بين الناس.
اللهم اجزه عن وطنه وأهله ومحبيه خير الجزاء، وارفع درجته في المهديين، واجمعه بالصالحين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
اللهم احفظ أسرته، وارزقهم الصبر الجميل، وألهمهم السكينة والرضا بقضائك”.
وختم رئيس الجمعية تعزيته بالقول: “رحم الله الشيخ الجليل ماء العينين لارباس، أحد رجال الصحراء المغربية، وأحد خدام العرش العلوي المجيد، وأحد الرجال الذين حملوا في قلوبهم الوفاء للبيعة الشرعية، والمحبة للوطن، والارتباط بثوابته، وحفظوا في صدورهم شيئاً من ذاكرة المغرب وتاريخه وروحه.
رحم الله الرجل الذي أحببناه، والشيخ الذي تعلمنا من مجالسه، والإنسان الذي منحنا ثقته ومحبته. رحم الله من كان بالنسبة إليّ أكثر من صديق، وأكثر من شيخ؛ كان أخاً كبيراً وأباً روحياً وإنسانياً، ترك في القلب أثراً لا يمحوه الموت ولا يبدده الغياب.
يا شيخ ماء العينين لارباس، قد غاب جسدك، ولكن بقيت سيرتك، وغاب صوتك، ولكن بقيت كلماتك، وانتهت مجالسك في الدنيا، ولكن بقي أثرها في القلوب والعقول.
وسأظل أذكر زياراتي لك في العيون، ولقاءاتنا في الرباط، واستقبالك في رحاب مولاي عبد السلام بن مشيش، رضي الله عنه، وسأظل أذكر نصائحك، وثقتك، وما ائتمنتني عليه من أسرار المعرفة والوثائق والذكريات.
وستظل محبتك محفوظة في القلب، وذكراك حاضرة في الوجدان، والدعاء لك واجب وفاء لا ينقطع.
إنا لله وإنا إليه راجعون. لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى”.
