ads980-90 after header
الإشهار 1

سؤال القيم الأخلاقية في الانتخابات البرلمانية

الإشهار 2

العرائش أنفو

سؤال القيم الأخلاقية في الانتخابات البرلمانية

في الحقيقة، قد لا نبالغ إذا قلنا أن تمثلات الشعب المغربي للبرلمان في جزء مهم منها لا تزال سيئة وغير مشجعة على التفاعل الإيجابي لا مع هياكله ولا مع برامجه، فبالأحرى مع تشكيله و متابعته أو تقييمه وتقويمه؟، ففي الوقت الذي يعتبره الدستور مؤسسة تشريعية ورقابية من الشعب وإليه، فإن فئات عريضة من هذا الشعب لا يحتفظ له بغير تمثلات سلبية كثيرا ما يغديها بؤس الواقع وتعقيداته وعجز البرلمان عن مجرد الخوض في ذلك بله العمل الحقيقي والفعال على حله والتخفيف من مضاعفاته؟، كل ذلك يجعله مقرونا عند الكثيرين بتمثلات سلبية منها: كونه مجرد واجهة لشراء أصوات النخب وولاءات الأعيان مهمتهم المصادقة على سياسات وتمرير قرارات لا تعبر عن الإرادة الشعبية؟، وهو كذلك هيئة لا تشتغل إلا في مشاريع وبرامج فوقية جاهزة ومحسومة سلفا وترفض فيها كل الملاحظات والتعديلات التي لم يقل بها مهندسوها ضدا على الحكامة التشاركية؟، عدم الجرأة على الاقتراب من المواضيع الحارقة التي قد تمس هوية المجتمع وتنخر هوامشه…، مما يجعل جلساته عند هؤلاء مجرد مسرحيات سمجة سيئة الإخراج والخراج، وسط غياب واضح ودائم لأبطاله، وميزانية ضخمة وتقاعد مريح لممثليه، لا ينال مثله من أفنوا أعمارهم في المضنيء من الأعمال المحطمة للصحة الجسدية والنفسية؟، إنه برلمان الأمية الأبجدية، مبتلع الطاقات المحترقة المبدعة، وفاصلها عن الشارع بطالة وغلاء، مظاهرات وتوترات، حراكات وهجرات..، في خرق صريح لما وضعوه أو وضع لهم من بنود مدونة السلوك والأخلاقيات؟.

البند 390 من هذه المدونة مثلا يقول: “يجب على النائبات والنواب أن يعملوا لمصلحة الوطن والمواطنين وعلى إيثار المصلحة العامة على كل مصلحة فئوية أو خاصة وتجنب تضارب المصالح مع مهامهم النيابية، وألا يستغلوا مهامهم النيابية لتحقيق مصلحة خاصة أو منفعة مالية أو عينية لهم أو لذويهم”، وأكيد، أننا بعيدون عن ذلك وأن هناك تحديات عديدة وعلى مختلف المستويات تحول دون إبقاء البرلمان على جوهره الرقابي اللازم والتشريعي المنتج وهويته التمثيلية والخدماتية للشعب، وسنطرح بعضها الشائك والذي بدونه ستبقى الهيئة مجرد صورة باهتة بعيدة عن أهدافها التشريعية وأدوارها التنموية، وبعيدة بالأخص عن حيويتها وجاذبيتها، ومن ذلك:
1- سؤال التمثيلية وتوسيعها:
هل تتمثل في البرلمان كل الجهات وكل الفئات وكل القبائل والهويات والثقافات.. بتعدد وتنوع المغرب؟، ولماذا كل هذه الحشود من الفاعلين الذين ينشطون وبحيوية خارج المؤسسات، هل كان ذلك اختيارهم أم اضطرارهم؟.
2- سؤال العمل الحقيقي للبرلمان:
إذا كان يتصدى للمشاكل الحقيقية للشعب، فكيف هو مع الصحة والتعليم والتشغيل…، وهي أزمات تستفحل لعقود وعقود بدل أن تخف؟، كيف هو مع الهوية والبطالة ومحاربة الغلاء ومقاومة التطبيع..، كيف هي مع التنسيقيات الفئوية والحراكات الإقليمية والهجرة الفردية والجماعية وفي كل لحظة وفي كل بقعة ترتفع ألسنة لهبها الحارق؟.
3- طبيعة العمل العدالي للبرلمان:
ماذا يقبل من اقتراحات الغرفتين دلالة على حق الاجتهاد وتثمينا لجهد الابداع وضمانا لحق المشاركة الفعلية والحكامة بين الفرقاء والاستيعاب التمثيلي والانصاف الجهوي والمجالي خارج المسطر الحديدي من مصالح اللوبيات المركزية وجشعها، أم كتب على ممثلين إلا أن يصادقوا وعلى امتداد الولاية على مشاريع لا ناقة لهم فيها ولا جمل ولا لمناطقهم وفئاتهم؟.
4- سؤال الترجمة الحقيقية للمشاريع الملكية:
وبعضها لا يكاد يراوح مكانه أو يتحرك بأبطء من بطء ك(الجهوية الموسعة.. والدولة الاجتماعية..)، وأين هو من برلمانات الشارع وحراكاته الاجتماعية وفي كل مرة تقدم ملتمس رقابة لإسقاط حكومة لا تسقط ولا تملك الشجاعة على ذلك، ولا حتى اليقظة لإطفاء نيران دبت في أطراف فساتينها؟.

إذن، هناك عوامل متعددة أدت كلها إلى هذا الوضع، الذي لابد من تداركه وإصلاحه وفي ذلك إصلاح للمؤسسات وإحكام بنيتها وتقوية شرعيتها وبالأخص مصداقيتها وفعاليتها والثقة فيها، ومن تلك العوامل عوامل التشكل أو الانتخابات التي ينبغي القطع الجازم مع كل أشكالها الهالكة والمهلكة، وعلى رأسها:
1- انتخابات المال الحرام بسخاء:
بكل اشكاله وكل أسعاره، وشعاره:” بقدر ما تعطي، بقدر ما تنجح”، ومجرد 200 درهم للصوت في “دار ممتدة ودوار واحد”، قد يكسب صاحبه 8000 صوت، وهي كافية لإنجاحه، ولو على ذمة “القاسم المشترك” الذي يضمن ذلك، وأكثر من ذلك يضمن أن يجعل من مشروع : ” ماء وكهرباء + مدرسة ومستوصف + طريق و نقل + مسجد الحي + حديقة وملعب قرب”، مجرد عقد شراكات مع الشركة الخاصة بالمرشح أو أحد أقربائه والجمعية الوهمية لأصدقائه الذين هم في الحقيقة “بلطجيته” الانتخابية؟.
2- انتخابات القبيلة والعائلة الممتدة:
وتعني الدعاية والتصويت على ابن العائلة بالدرجة الأولى، بدل الدعاية والتصويت للكفاءة والصلاح، والحزب اليقظ من يستثمر الحمية والتحالفات..، وقد تجمع لمحظوظها 15 أو 20 ألف صوت، فتنجح القبيلة ولكن تخسر القرية، وتتراجع في كل شيء وهي التي كان طموحها أن تصبح مدينة مزدهرة فإذا بها قد مرت عليها ولايات وولايات وهي من شدة الفقر وخنق الجفاف لم يتمكن أبناؤها البررة الذين لم يجرؤوا على كسر “عهد القبيلة والحط بكلمتها” حتى لا يصبحوا مساخيطها، لم يجدوا بدا إلا أن يرحلوا نحو المدينة في مغامرة عيش يقتلعهم من جذور الجذور؟.
3- انتخابات الصورة الشعبوية للأعيان الجدد:
انتخاب على من عنده خطاب عاطفي جياش، يتحدث ببراعة عن المكبوت من يأس الناخبين ويفجر بؤسهم، ويقنعهم أنهم يستحقون الأفضل ومن حقهم، وأن ذلك الأفضل سيأتي على يده، فقط إذا ساروا وراءه وكانوا معه كما هو معهم الأن في الأسواق يأكل “الهندي” و يركب معهم “التريبوتور” إلى المقهى يكرمهم صاحبه بالمشروب “البلدي” ..، وبعدها ينجح الرجل ولا شيء يتحقق من كل وعوده الانتخابية، لأن السياسات والميزانيات والتصويت على القرارات أعقد من كل الرغبات والنوايا الطيبة، بل أعقد حتى من المظالم الواضحة والمرافعات الصادقة؟.
4- انتخابات المقاطعة تلو المقاطعة:
تحت شعار سوسيولوجي خطير تجسده عبارة: ” أولاد عبد الواحد كلهم واحد” و ” أصلا الأحزاب ما عندهاش لا سلطة ولا حكم”، وكم عقودا أمضيناها وراءهم نجتر الكلام تلو الكلام في نفس القضايا، هي تزداد استفحالا وتعقيدا ونحن نزداد ضعفا ويأسا، فأصبحنا اليوم 50% يهتمون بالسياسة والإصلاح و 50% لا يهتمون بأي شيء كان إصلاحا أو إفسادا؟. متناسين أن الانتظار لا يسوي المعضلات فما بالك بتطوراتها وتعقيداتها عبر الزمن وأدوات الاشتغال؟.

ما أضيق السوق الانتخابية إذا ظلت غارقة في الضحل المادي الآسن، ولو تنحت شيئا ما جانبا، لرأت أن هذا الوحل المادي الصرف هو الذي يغرقها وينتنها ويفسدها حتى ما عاد الناس يأملون شيئا في وعودها فكيف في إنجازاتها؟، وإن الأمر ليس من قلة السياسات والمخططات ولا من قلة البرامج والميزانيات، ولكن أكثر شيء -لو رأيتم- هو من قلة القيم الأخلاقية والإنجازات المعنوية والتي قد لا تتطلب غير الإرادة الصادقة دون فلس واحد من الميزانية، وهي مرتكزات كل الشعوب والزعماء في معاركها السياسية وتنميتها الاجتماعية وعدالتها المجالية، الحرية، الكرامة، الانصاف، العدالة، الحقوق والمساواة، وحتى التمييز الإيجابي إذا لزم أحيانا..؟. فهذا “Barack Obama” في رئاسياته الأمريكية اتخذ له شعار: ” Yes we Can” أي “نعم نستطيع”، وهو شعار غير مادي بسيط وعميق سرعان ما جمع حوله ملايين من الأنصار، أعاد إليهم الثقة وفتح أمامهم الأبواب الموصدة خاصة في مواجهتهم للأزمة المالية 2008، البعبع الذي أرعب الأمريكيين فواجهوه وهزموه لا بالأرصدة المادية بقدر ما كان ذلك بالثقة والأمل وهي قيم معنوية؟.

وهذا “Jean-Luc Mélenchon” المرشح الاشتراكي اليساري للرئاسيات الفرنسية 2027 والأوفر حظا حسب استطلاعات الرأي والتجاوب الميداني، وهو يرفع شعار: ” L’insoumission” يعني ” التمرد وعدم الخضوع” وهو شعار معنوي أيضا لا يعني الدعوة إلى الفوضى في شيء، بل له أصول من التاريخ الفرنسي وما امتلأ به من قيم الحرية والتمرد على كل ما هو غير شرعي وغير منطقي وعقلاني، ومن ذلك اليوم، التمرد المالي على مالية الاتحاد الأوروبي التي تخنق الفرنسيين وتحرمهم من الزيادة في الأجور وهم يستطيعون ذلك ومحتاجون إليه؟، التمرد ضد السياسة الليبرالية المتوحشة للجمهورية الخامسة التي جعلت كل السلط متمركزة في يد الرئيس، بدل يد الشعب كما يقتضي ذلك حلمهم في ميلاد الجمهورية السادسة التي ستحرر فرنسا من التبعية لأمريكا وإسرائيل والخضوع لهما بالسكوت عن جرائمهما في غزة/فلسطين و كركاس/ فينزيلا وفي غيرهما من بقع العالم؟. وأخيرا، عدم الخضوع لإعلام أوليغارشي في يد الأقلية الثرية وخدمتها وهو يزور حقيقة الأحداث على غير ما هي عليه تهوينا وتهويلا، ومن ذلك أوضاع المسلمين والمهاجرين الذين يسعى النظام المأمول إلى استيعابهم وتسوية أوضاعهم والتصالح معهم ومع نمط زيهم وعيشهم خاصة وأن ضجيج الأرقام اليوم يقول بأن من بين كل ثلاثة فرنسيين هناك أجنبي واحد أو له أصل بذلك، بما يعادل نسبة 30% أو 20 مليون نسمة؟.

في الأخير، أحيانا وخلال بعض الحملات الانتخابية وبرامجها تتردد بعض الشعارات الأخلاقية الراقية من مثل: الحرية للمعتقلين، الشغل للجميع، الهوية الوطنية، الديمقراطية، التنمية، العدالة الاجتماعية، الأسرة، المدرسة، التضامن، الكرامة الإنسانية، الجهوية واللامركزية.. لكن أثناء الحملات الميدانية والبرامج الإعلامية، لا أحد يعبىء على أساسها أو يخوض في مفهومها وتطورها، لوازمها ومستلزماتها، تمثلاتها ومعيقاتها..، وسرعان ما تختفي في الحملة ككل وتطغى عليها البرامج المادية الصرفة والأرقام السحرية التي قد يقرأ فيها رقم 9 مجرد رقم 6 والعكس، ويتحول الشارع إن أتى ولمن أتى إلى مجرد رصيف بالإسفلت أو الزليج (أنت وزهرك)، والمسجد إلى مجرد مآراب أمامه ساحة..، ذلك أن التصويت كان قبليا وعلى غواية مادية إن لم نقل على بياض انتخابي تم فيه البيع للمرشح المادي، أرى الناس من الربح قنطارا وسلب منهم رأس تنميتهم دون حس أخلاقي، ومن أين له بالحس الأخلاقي وهو من أتاح لنفسه استغلال فقر المواطن في الانتخابات وشراء ذمته بالقليل أو الكثير؟، من شرع لنفسه استغلال جهل الناخب وأميته وانتماؤه القبلي وهو عنده أمر مشروع الاستباحة؟، وهل ما سبق تسجيله من مثل تدخل بعض الشيوخ والمقدمين وبعض رجال السلطة لصالح أحزاب ومرشحين في عصر الذكاء الاصطناعي، هل هو من شفافية الاستحقاق أم من الفساد والبهتان والسحر الذي طالما انقلب على الساحر دون جدوى؟.

إن الزعماء الذين نجحوا في ثوراتهم التغييرية والاصلاحية والتنموية وتعبأت لهم شعوبهم ونقلوا بفضلها بلدانهم إلى مصاف الدول المتقدمة والشعوب المزدهرة، إنما كانت شعارات معاركهم أخلاقية، وعبر الأخلاق كان الفائض المادي الذي تمتعت به البلاد والعباد، وليس العكس، فهذا “غاندي” كان شعاره الذي أخرج به الاستعمار البريطاني من بلاده 1944: “Quit India ” أي “أخرجوا من الهند”؟. وهذا “مانديلا” كان شعاره ضد الميز العنصري: “Amandla Ngawethu” أي ” السلطة للشعب”، و”ماو تسي تونغ” كان شعاراته 1963: ” Let the rose bloom ” أي ” دع الوردة تينع”، و”أردوغان” حرر شعبه من القبضة الحديدية للعلمانية سنة 2002 بشعار: “Yeter, söz milletindir!” أي ” كفى، الكلمة للشعب”، وكلها شعارات معنوية أخلاقية استطاعت تعبئة الشعوب أكثر من أي شيء مادي قد يأتي ولا يأتي ما دامت هناك عوائق أخلاقية كثيرة تحول دون تحقيقه، وإلا فليس عبثا ينادي الناس ب”العدالة” وب”التضامن” وب”المساواة” وب”الإنصاف”.. وكلها عناوين أخلاقية لمعنى واحد أو إثنين أساسيين فيهما كل شيء مادي ومعنوي وهما “الثقة” و”الكرامة”، ولمن لم يدرك بعد هذا فليحاول الإجابة بصدق على مجرد هذا السؤال: “هل نحن في المغرب نعاني صدقا من قلة الإمكانيات أم من سوء توزيعها ولا حكامة تدبيرها؟، وإلا كيف بهده الإمكانيات المنعدمة تظهر بقدرة قادر إذا تعلق الأمر بمشاريع كبرى من حجم ملاعب 5G وقطار TGV؟، وهل هذا الاشكال سيعالج حقا بالوعود المادية أم بالقيم الأخلاقية تتشبع بها عقولنا ويتأثر بها إيجابا واقعنا؟.

الحبيب عكي

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5