ads980-90 after header
الإشهار 1

“إسرائيل أولا” وسوء إدارة الانحدار الأمريكي: عبء الكيان الصهيوني في مواجهة صعود الصين

الإشهار 2

العرائش أنفو

“إسرائيل أولا” وسوء إدارة الانحدار الأمريكي: عبء الكيان الصهيوني في مواجهة صعود الصين

العلمي الحروني – منسق تيار اليسار الجديد المتجدد

يبدو اليوم أن الولايات المتحدة لم تستفد بما يكفي من تجارب الإمبراطوريات السابقة. فهي تلجأ بصورة متزايدة إلى استعمال أدوات كانت تتجنبها في السابق، وعلى هذا الأساس، يتحول تشبثها بالهيمنة على النظام القائم إلى هدف يتقدم مصالحها البعيدة المدى. فترى أمريكا تحول بعض حلفائها إلى أدوات للضغط حتى على الحلفاء الذين لا يلتزمون بالكامل بالسياسات التي تريدها، يظهر هذا السلوك من خلال مكافأة الحلفاء الأكثر موالاة، وفي الوقت نفسه معاقبة الدول الحليفة التي تحاول الاحتفاظ بهامش مستقل من الحركة.
عبء العامل الإسرائيلي في السياسة الأمريكية
تفسير سلوك الولايات المتحدة الأمريكية باعتباره نتيجة لتراجع هيمنتها ليس كافيا. فهناك عامل آخر يرى منتقدو السياسة الأمريكية أنه أصبح أكثر تأثيرا بل وحاسما في صياغة القرارات، وهو العلاقة الاستراتيجية والسياسية العميقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني الإسرائيلي.
لا يمثل دعم إسرائيل مجرد ملف من ملفات السياسة الخارجية الأمريكية، وإنما أصبح عنصرا مؤثرا ومحددا في طريقة واشنطن في التعامل مع أوروبا وفلسطين وإيران ولبنان وسوريا، وكذلك مع عدد من الدول المغاربية والعربية. ويرى الباحثون أن واشنطن غالبا ما تتخذ سياسات تحمل كلفة ثقيلة على علاقاتها مع حلفائها من أجل الحفاظ على التزاماتها تجاه إسرائيل.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إلى علاقة الولايات المتحدة بشعوب غرب آسيا وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا وخاصة مع إسبانيا على خلفية مواقفها من الإبادة الجماعية التي يمارسها الكيان الصهيوني على شعب فلسطين أو عدم امتثالها برفع نسبة الدعم للناتو لتغطية تكاليف حربه بالوكالة على أوكرانيا… وقد بدا ذلك، كما سلف ذكره، في تورط قادة أمريكا في التمهيد السياسي والاعلامي لعملية النزوح الجماعي نحو سبتة المحتلة يومي 30 و 31 يوليوز 2026. كما أن الحروب في غزة والضفة ولبنان والسياسة الأمريكية تجاه إيران والدعم المستمر واللامشروط لإسرائيل، كلها ساهمت في خلق فجوة متزايدة بين الموقف الرسمي الأمريكي وبين قطاعات واسعة من الرأي العام في هذه المناطق. فحين تقدم واشنطن دعما سياسيا وعسكريا واسعا للكيان الإسرائيلي الذي يتعرض لانتقادات دولية متزايدة بسبب الإبادة الجماعية وسياسات التطهير العرقي في الأراضي الفلسطينية، فإن جزءا من هذا الرفض ينعكس تلقائيا سلبيا على الولايات المتحدة نفسها.
ثقل العنصر الإسرائيلي وتأثيره العميق في السياسة الخارجية الأمريكية، أضر جدا بعلاقة واشنطن مع شعوب غرب آسيا وشمال إفريقيا وجنوب أوروبا. لقد أصبح واضحا وضوح الشمس أن النظام الإسرائيلي عبء على الولايات المتحدة، وعنصر شديد التدمير في سياستها الخارجية في العالم وفي قدرتها على الحفاظ على قوتها، ولقد دمرها ماليا واقتصاديا وعسكريا.
لم يكن النظام الإسرائيلي يوما سوى عبء على الإمبراطورية الأمريكية، ولم يجلب لها سوى الضرر. هذا ما تظهره استطلاعات الرأي الأمريكية والدولية حول العالم بوضوح حيث تكشف عن تآكل متسارع في صورة إسرائيل ومكانتها. ففي الولايات المتحدة صرح السفير الأمريكي الأسبق لدى تل أبيب دان شابيرو بإن مكانة إسرائيل تشهد “تراجعا غير مسبوق” في الولايات المتحدة، وبالفعل ارتفعت النظرة السلبية إلى إسرائيل من 42% سنة 2022 إلى 60% سنة 2026، بينما تراجعت النظرة الإيجابية في نفس الفترة من 55% إلى 37%. كما تظهر استطلاعات أجرتها مؤسسات Gallup وPew حدوث انقسام داخل أمريكا وفجوة جيلية وحزبية غير مسبوقة حيث تراجعت نسب تأييد السياسات الإسرائيلية بشكل حاد بين الشباب (دون سن 30 عاما)؛ كما بلغت النظرة السلبية إلى الحكومة الإسرائيلية 62% مقابل 32% إيجابية. وعلى المستوى الدولي، بلغت النظرة السلبية إلى إسرائيل في 2026 نحو 75% في إيطاليا و73% في ألمانيا و69% في بريطانيا و65% في كندا و97% في تركيا. كما تصدرت باكستان وماليزيا وأندونيسا قائمة الدول ذات الآراء الأكثر سلبية تجاه إسرائيل بنسب 95% و89% و86% على التوالي.
أما في المغرب، أظهرت استطلاعات الرأي المتتالية الصادرة عن شبكات بحثية مستقلة (مثل البارومتر العربي والمؤشر العربي التابع للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات تآكلا حادا في الدعم الشعبي للعلاقات مع إسرائيل. فبعد أن كانت نسبة تأييد الاتفاق الثلاثي (المغرب-إسرائيل-أمريكا حوالي 41% سنة 2021، ثم 31%سنة 2022، هبطت النسبة بشكل حاد لتستقر ما بين 6% إلى 13% فقط، مما يعني أن ما يقرب من 87% إلى 89% من المغاربة يرفضون اليوم الاعتراف بإسرائيل أو التطبيع معها.
لم يقتصر الرفض على الدول ذات الأغلبية المسلمة، فقد أظهرت استطلاعات الرأي في اليابان تراجعا حادا في نسبة تأييد إسرائيل حيث بلغ 83%، وتبعتها كوريا الجنوبية بنسبة 70% من الآراء غير المؤيدة. داخليا أعرب أغلبية الإسرائيليين (62%) عن قلقهم الشديد من التراجع الحاد في مكانة إسرائيل الدولية وفق استطلاع نشرته صحيفة “معاريف” الإسرائيلية.
وتشير هذه الأرقام بوضوح إلى أن السياسة الإسرائيلية باتت تفرض كلفة متزايدة على صورة إسرائيل، وعلى صورتها في نظر قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي والدولي. هكذا، فإن الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل تحول من أصل استراتيجي إلى عبء سياسي ودبلوماسي متزايد.
إيران والحرب على النظام الدولي القائم
الأمر نفسه أكثر وضوحا في حالة إيران، ما يدمر صورة الولايات المتحدة في العالم بسبب إعطائها الأولوية القصوى لإسرائيل في ارتباط وثيق معها. فالتهديدات الأمريكية والإسرائيلية المتكررة والحديث عن تدمير قدرات إيران أو إعادتها إلى الوراء، و”أن إيران ستسحق وحضارتها ستمحى وستعاد إلى العصر الحجري وسيتم شطبها من الخريطة…” تعكس جميعها منطقا يقوم على محاولة إخضاع قوة إقليمية ترفض الانضواء الكامل تحت النظام الذي تقوده واشنطن. غير أن إيران، رغم تعرضها لضغوط هائلة، لم تختف من المعادلة الإقليمية. بل إن الصراع معها ساهم في تعميق الانقسام بين الولايات المتحدة وعدد كبير من شعوب المنطقة، كما عزز لدى خصوم واشنطن الاعتقاد بأن النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يستخدم القواعد بصورة انتقائية.
وبالطبع، فإن الحرب على إيران لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الصراع الأكبر على شكل النظام الدولي. لا تتعلق المسألة فقط ببرنامج نووي أو بأمن إسرائيل أو بموازين القوى في الخليج، وإنما تتصل أيضا بالسؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتمكن من الحفاظ على قدرتها على فرض قواعد اللعبة في مناطق استراتيجية، أم أن قوى إقليمية ودولية جديدة ستنجح في انتزاع مساحات أكبر من الاستقلال.
إدارة التراجع الأمريكي أم مقاومته؟
إذا كان صعود الصين يؤدي إلى انزياح تدريجي للقوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية العالمية من الغرب إلى الشرق، فإن أفضل استراتيجية أمريكية لا تتجلى في محاولة منع هذا الانزياح بأي ثمن، لأن مثل هذه المحاولة تؤدي حتما إلى استنزاف الموارد وإضعاف التحالفات التي تحتاج إليها واشنطن لمواجهة المنافسة الطويلة.
كما سلف أن ذكرناه، يقدم تاريخ الامبراطوريات السابقة المنهارة درسا مهما. فقد تستطيع القوة المهيمنة المحافظة على نفوذ كبير حتى بعد فقدانها جزءا من تفوقها، إذا نجحت في التكيف مع التغيرات وقبلت بإعادة توزيع النفوذ بصورة تدريجية. أما إذا اعتبرت كل تراجع تهديدا وجوديا، كما هو حال أمريكا، فقد تتحول المعادلة إلى عامل يسرع فقدان مكانتها. من المرجح أن الولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى وتحتفظ لها بموقع مركزي لفترة طويلة، لكن هل تنجح في إدارة انتقال النظام الدولي بطريقة تحفظ لها موقعا مركزيا، أم ستدفعها مخاوف فقدان الهيمنة إلى سياسات أكثر صداما تستنزف قوتها وتحول حلفاءها إلى خصوم؟.
كما يبقى الدرس الأكثر أهمية هو أن القوة العظمى لا تقاس فقط بقدرتها على فرض إرادتها، وإنما أيضا بقدرتها على معرفة متى تستخدم القوة ومتى تتكيف ومتى تقبل بتغير ميزان القوى دون أن تحول التراجع النسبي إلى هزيمة شاملة. يتجلى التحدي الحقيقي أمام واشنطن، إذن، في كيفية إدارة صعود الحلف الأوراسي بقيادة الصين وروسيا، بالتمييز بين الدفاع عن المصالح الأمريكية الحقيقية وبين الدخول في صراعات قد تخدم أولويات حلفاء محددين على حساب المصلحة الاستراتيجية الأمريكية بعيدة المدى.
غير أن الإدارة الأمريكية الحالية، من خلال تحليل مجريات سياسات الصراع الشامل الذي تقوده في إطار تدبير وإدارة هزيمتها وهزيمة الغرب عموما في الحرب الأساسية، حرب أوكرانيا، وقسوتها مع حلفائها الأوروبيين واستعدادها للتضحية بدول الخليج أيضا، فهي بذلك تضحي بعلاقاتها وحلفائها بدافع اللوبي الصهيوني العالمي والنظام الإسرائيلي. وعقاب إسبانيا أتى لكونها انتهجت سياسات معينة تتعلق بالحرب الأمريكية على إيران وبسلوك النظام الإسرائيلي في غرب آسيا. ( يتبع).

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
الإشهار 5

شاهد أيضا