من أين الطّريق إلى النبوغ المغربي؟!

العرائش أنفو
من أين الطّريق إلى النبوغ المغربي؟!
محمد الشرقاوي

وجدْتُني أذهب بعيدا في تأمّلاتي عندما أرسل إليّ أحد الأصدقاء وهو أستاذ في كلية الحقوق في السويسي بالرباط صورة لأقدم “إجازة في الطبّ البشري والبيطري” منحتها جامعة القرويين في فاس قبل 712 عاما خلت. كان شعورا مُربكا بين الفخر بحقبة حضارية لامعة والتمرّد على مفارقة مثيرة تختزل الفرق بين ما كانت عليه الجامعة المغربية الأصيلة في عنفوانها في القرن الثالث عشر الميلادي وما آلت إليه الجامعة الحديثة في عصر الانحطاط في مستهل القرن الحادي والعشرين بعد أكثر من ستة قرون من تأسيس جامعة محمد الخامس عام 1957 في الرباط. هي أزمنة مغربية تتباين في تألّقها وانحدارها بين فترات ازدهار حضاري وإشعاع فكري صنعه أهل العلم والاجتهاد لدى القدامى، وأخرى تنمّ عن انكماش العقل ونكوص القدرة على الابتكار العلمي والسياسي لدى المحدثين في الوقت الراهن. وأصبحت المرحلة الراهنة تنطوي على ضياع البوصلة في التعليم، والصحة، والعدل…، وحتى السياسة!

لست ماضويا يتعبد في أطلال الحكايات القديمة، أو يتخندق في التراث دون قبول الانفتاح على العصر ودورة الحضارة الكونية. بيد أني كلما تردّدت على زيارة المغرب في العامين الماضيين، يساورني الضّجر والقنوط بشكل متزايد بسبب ما آلت إليه أحوال المغرب وهي تتذبذب بين التعثر وإعادة إنتاج الفشل في أغلب الحالات:
1) جامعة ينخرها الفساد على أيدي “سماسرة المعرفة” ومن يتاجرون في قبول الطلاب الجدد في الماستر مقابل 20000 درهم أو الدكتوراه بسعر 40000 درهم، و “أساتذة” ارتفعت هرمونات “فحولتهم” إلى حد الانتشاء والشبق بتخيل المدرج بمثابة قفص “دجاجات” يحق لهم التربص بأنوثتهن. وحسب ميزان العرض والطلب، هناك سوق رائج لأبحاث إجازة وماجستير وأطروحات دكتوراه في السوق السوداء تحت الطلب، كل حسب سعره، ويبقى بعض “الأساتذة المتمرّسين” بفن التفاوض ميّالين لإنجاز أطروحات بأنفسهم نيابة عن طلابهم الخليجيين مقابل السعر الأعلى. على خلاف التنافس في نشر أفضل كتاب أو أهم دراسة أو أن يكون المرء النجم الأكاديمي في جامعته، أصبحت مقاييس النجاح لدى أغلب هؤلاء الأساتذة والعمداء هي قيمة المزرعة وعدد العقارات ونوعية السيارات التي يملكها هو وذريته، وحرصه على أن يشتري كلّ طالب نسخة من كتابه أو مجموعة نصوص أعدّها كمقرّر للمادة التي يدرّسها لهم.
2) مجتمع تغوغلت فيه مشاعر اليأس والسوداوية وعدم الثقة وسط ارتفاع معدل الجريمة والعنف والعزوف عن المشاركة في الحياة العامة. ولم يعد أغلب المغاربة يثقون ببلادهم، فيما تظل نسبة 91 في المائة من الشباب (بين سن 25 و34) تواقة للهجرة إلى أوروبا أو أمريكا.
3) فجوة يتسع عمقها بين المجتمع والدولة والأحزاب وسائر المؤسسات العامة بفعل تزايد عدم الثقة في البنية السياسية الراهنة. أما الخطاب الرسمي، فلا يشبه حال المغاربة في شيء وسط التلويح بخطط التنمية، والجهوية، والمواطنة الحقة، وسيادة القانون…! هي شعارات لمغرب معياري متخيل لم يتحقق في الحياة اليومية للمغاربة الذين يعرفون جيدا أن الواقع لا يرتفع، وأن السبيل الأنجح هو التدخل والوساطة والمحسوبية والتحزب وكل الصيغ الاخرى للتحايل وتجاوز القانون! لا غرابة أن ينشطروا إلى “مغاربة ما فوق القانون” و “مغاربة ما تحت القانون”!
4) أحزاب دخلت العهد “الكرتوني” نسبة الى فكرة الكارتون أو الحاوية بلا محتوى استراتيجي وسط تهافت زعمائها وأعضائها على شعارات وبرامج أصبحت متشابهة بين تيارات اليمين والوسط واليسار.
5) مثقفون يدخلون مرحلة الغياب الاختياري كمن يدفن رأسه في الرمل إسوة باستراتيجية النعامة. يفضلون الانزواء على أنفسهم ولا يحركون المياه الراكدة التي تسترخي لهجمة العفن الثقافي، فأصبحوا دعاة العقل المستقيل، وفريق آخر يغازل الدولة وكبار المخزنيين في حقبة الارتزاق والرقص على الإيقاع المطلوب ومواويل التجييش وتعبئة الجماهير.
6) إعلام حكومي ترهل بثلاث قنوات تلفزيونية في الرباط والدار البيضاء وطنجة، فأضاع الكرة بالتطبيل على سرديات وطنية مثالية لا تنتبه إلى الواقع الميداني، والحشو في خطاب لا ينم عن رؤية استراتيجية أو استشراق للمستقبل.
7) حركة عمران ومشاريع بناء تنتشر هنا وهناك، وخطاب رسمي يشيد بالتنمية وتشييد الطرق السريعة وقطار “البراق” وتهذيب المحطات والمطارات. لا أحد يجادل في الجدوى من تحسين هذه البنية الاساسية، لكن ثمة سؤال استراتيجي يختفي مع نشوة اللحظة: لماذا نستثمر في الحجر ولا نبني البشر؟! لا أحد يصمد في وجه المعضلة الرئيسيّة التي تنطوي على ثلاثية الانحدار وضبابية الرؤية:
* ضعف الرأسمال البشري وانسداد الآفاق أمام أجيال من المعطلين وحتى “الأساتذة المتعاقدين” في هذين الشهرين الأخيرين.
* تآكل الرأسمال السياسي بين الدولة والمجتمع في مرحلة تتكاثف فيها وتيرة الأزمات بين حراك الريف، ومأساة جرادة، وحركة “المقاطعة”، وسلسلة الإضرابات من الاطباء الى الأساتذة، والحبل على الجرار…!
* تراجع الرأسمال المجتمعي والالتفاف حول مصالح شخصية وعائلية وعشائرية ضيقة.
كنت مراهقا في مرحلة الثانوية أتصور أننا دولة “في طريق النمو” ستلحق بركب الدول النامية بعد سنوات قليلة. لكني اليوم أعلن سذاجتي وغبائي أمام الملاء. لسنا اسبانيا ولا تركيا ولا كوريا الجنوبية، وهي دول كانت في أوضاع مماثلة لأوضاعنا في حقبة الثمانيات. هي دول آمنت بأحلام أجيالها الجديدة، وأقرت سياسة المساءلة والمحاسبة ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، فحققت تنمية البشر والحجر معا.
فمتى سنبني بُرَاقا جديدا يوصلنا الى منطقة النبوغ المغربي تيمّنا بقناعة الراحل عبد الله كنون؟!
