ads980-90 after header
الإشهار 1

حين تُبتَر الخرائط… وتُجرَح الذاكرة: أيُّ رسالة أرادت الجزيرة الإنجليزية تمريرها؟

الإشهار 2

العرائش أنفو

حين تُبتَر الخرائط… وتُجرَح الذاكرة: أيُّ رسالة أرادت الجزيرة الإنجليزية تمريرها؟

بقلم: محمد اعبيدو

خلال نشرة الثالثة بعد الزوال التي بثتها قناة الجزيرة الإنجليزية يوم 11 ماي 2026، وفي سياق تغطيتها لخبر تضامن دولة قطر مع المملكة المغربية عقب الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة بثلاثة صواريخ، ظهرت على الشاشة خريطة للمملكة المغربية مبتورة من أقاليمها الجنوبية، في مشهد أثار موجة واسعة من الاستغراب والاستياء والتساؤلات العميقة حول خلفيات هذا السلوك الإعلامي ودلالاته السياسية والرمزية.

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أخطر من الرصاصة، والخريطة أبلغ من ألف خطاب، لم يعد ممكناً التعامل مع “التفاصيل البصرية” باعتبارها مجرد هفوات تقنية أو أخطاء مهنية عابرة. فحين تُعرض خريطةُ المملكة المغربية مبتورةً من صحرائها، داخل مادة إعلامية تتحدث عن تضامن دولة قطر مع المغرب، فإن السؤال لا يعود تقنياً فقط، بل يتحول إلى سؤال أخلاقي وسياسي وإعلامي عميق:
هل نحن أمام خطأ مهني؟ أم أمام رسالة مبطنة تتجاوز ظاهر الخبر إلى محاولة المساس بثوابت أمة ووحدة وطن؟.

لقد خرجت وزارة الخارجية القطرية ببيان واضح يدين الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة المغربية، ويجدد دعم دولة قطر الكامل لسيادة المغرب ووحدته الترابية. وكان المنتظر، مهنياً وأخلاقياً، أن تواكب التغطية الإعلامية هذا الموقف الرسمي الواضح، لا أن تناقضه بصورة تزرع الشك وتوقظ جراحاً لا تزال مفتوحة في الوجدان المغربي.
إن بتر الصحراء المغربية من خريطة الوطن ليس مجرد “تفصيل جغرافي”، بل هو مساس رمزي بذاكرة شعب، وجرح لمشاعر أمة قدّمت عبر تاريخها الطويل تضحيات جساماً دفاعاً عن وحدتها الترابية. فالمغاربة لا ينظرون إلى الصحراء باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للتفاوض في نشرات الأخبار، بل باعتبارها جزءاً من الروح الوطنية، وامتداداً طبيعياً للتاريخ والبيعة والانتماء والسيادة.

وما يزيد من عمق الاستغراب، أن هذا السلوك الإعلامي يأتي في سياق علاقات مغربية قطرية وُصفت دائماً بالأخوية والاستراتيجية. فالتاريخ القريب لم ينس بعدُ الموقف المغربي النبيل في أصعب اللحظات التي مرت بها دولة قطر خلال أزمة الحصار الخليجي.
لقد اختار المغرب، بقيادة محمد السادس، أن يقف موقف الحكمة والوفاء والأخوة الصادقة، بعيداً عن الاصطفافات الحادة. ولم يكن ذلك مجرد موقف دبلوماسي بارد، بل كان تعبيراً عن أخلاق دولة عريقة تؤمن بأن الأخوة الحقيقية تُختبر وقت الشدائد.

ولا تزال الذاكرة السياسية العربية تحتفظ بتلك الزيارة التاريخية لجلالة الملك إلى الدوحة، قادماً مباشرة من دولة الإمارات العربية المتحدة، في رسالة إنسانية وسياسية قوية أكدت أن المغرب لا يتخلى عن أشقائه حين تضيق بهم الظروف. كما أرسل المغرب مساعدات غذائية وطبية عاجلة إلى الشعب القطري الشقيق، في لحظة كان فيها الجميع يراقب، بينما كان المغرب يتحرك بمنطق الوفاء والمسؤولية الأخلاقية.
لهذا كله، يصبح من حق المغاربة أن يتساءلوا بمرارة وصدق:
كيف لقناة بحجم الجزيرة الإنجليزية، تُقدَّم للعالم باعتبارها منبراً إعلامياً دولياً، أن تسمح ببث خريطة مبتورة للمملكة المغربية في سياق يفترض أنه سياق تضامن؟
كيف يمكن أن يجتمع خطاب الدعم السياسي مع صورة إعلامية تناقضه؟
ومن المستفيد من هذا التشويش الرمزي المتكرر على الوحدة الترابية للمغرب؟.

إن الإعلام ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو صناعة للوعي الجماعي، وتشكيل للرموز والمعاني. والخريطة ليست رسماً بريئاً، بل تعبير عن موقف، وإعلان ضمني عن رؤية سياسية وثقافية. لذلك فإن احترام سيادة الدول ووحدتها الترابية ليس مجاملة دبلوماسية، بل واجب مهني وأخلاقي قبل أي شيء آخر.

إن الشعب المغربي، الذي ظل وفياً لعلاقاته الأخوية مع دولة قطر وشعبها، لا ينتظر من الإعلام القطري سوى الانسجام مع الموقف الرسمي المعلن، واحترام الثوابت الوطنية للمملكة المغربية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية التي تشكل جوهر الإجماع الوطني المغربي من طنجة إلى الكويرة.

قد يقال إن الأمر مجرد خطأ تقني أو اجتهاد فردي داخل غرفة التحرير. وربما يكون كذلك. لكن الأخطاء حين تتكرر في القضايا الحساسة، تفقد براءتها تدريجياً، وتتحول إلى مصدر مشروع للتساؤل والقلق. فالدول تُبنى بالثقة، والعلاقات الأخوية تُحمى بالاحترام المتبادل، والإعلام الحقيقي لا يكون جسراً للتضامن إذا كان يطعن الرموز الوطنية في العمق.
ويبقى السؤال معلقاً في ضمير الإعلام العربي والدولي:
هل آن الأوان لكي تدرك بعض المؤسسات الإعلامية أن قضية الصحراء بالنسبة للمغاربة ليست مادة للالتباس التحريري، بل قضية وجود وكرامة وسيادة؟
وإلى أن يأتي الجواب، سيظل المغاربة أوفياء لوطنهم، مؤمنين بعدالة قضيتهم، ومتشبثين بخريطتهم الكاملة التي لا تُختزل في نشرات الأخبار، لأنها محفورة في التاريخ والوجدان والدم.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5