ads980-90 after header
الإشهار 1

حين تتحول الهوية إلى مادة للضجيج الإعلامي

الإشهار 2

العرائش أنفو

حين تتحول الهوية إلى مادة للضجيج الإعلامي

في الآونة الأخيرة، تصاعدت موجة من الجدل الإعلامي والسياسي حول ما سُمّي بـ«منح الجنسية المغربية لأحفاد اليهود المغاربة المقيمين بالخارج»، حتى بدا وكأن المملكة المغربية تقف أمام أزمة قانونية أو معضلة وطنية غير مسبوقة. غير أن التمحيص الهادئ والقراءة المتبصرة للوقائع والقانون والتاريخ، تكشف أن الأمر لا يعدو أن يكون زوبعة إعلامية أُريد لها أن تكبر، وأن تتحول إلى مادة للتوظيف السياسي والاستهلاك الإعلامي أكثر من كونها قضية حقيقية تستوجب كل هذا الصخب.

فالقوانين المغربية، كما هو الشأن في مختلف دول العالم، واضحة وصريحة في ما يتعلق بقضايا الجنسية، سواء من حيث اكتسابها أو استرجاعها أو انتقالها عبر الأصول العائلية. والمغرب، الذي راكم تجربة قانونية وإنسانية عريقة في هذا المجال، لم يكن يوماً بلداً يميز بين أبنائه على أساس الدين أو العرق أو الخلفية الثقافية. فاليهود المغاربة كانوا وسيظلون جزءاً أصيلاً من النسيج الوطني المغربي، تماماً كما المسلمون، وكما كل مكونات الهوية المغربية الجامعة التي صهرتها قرون من التعايش والتسامح والوفاء للأرض والوطن والعرش.

إن الحديث اليوم وكأن المغاربة من معتنقي الديانة اليهودية يحتاجون إلى «استثناء» أو «امتياز خاص» في موضوع الجنسية، يحمل في طياته مغالطة عميقة، بل ويتعارض مع روح الدولة المغربية نفسها، التي لم تنظر يوماً إلى مواطنيها بمنطق التصنيف الديني أو الهوياتي الضيق. فاليهودي المغربي ليس «ضيفاً» على هذا الوطن، وليس «طارئاً» على ذاكرته، بل هو ابن من أبنائه، ساهم في بناء حضارته وثقافته واقتصاده وفنه وروحه الإنسانية.

والأكثر من ذلك، أن التاريخ المغربي الحديث يقدم شواهد إنسانية ووطنية عميقة تؤكد أن المملكة المغربية كانت دائماً وفية لقيمها الأخلاقية والإنسانية في التعامل مع قضايا الانتماء والجنسية والهوية. فالكثيرون يعلمون أن المغفور له الملك الحسن الثاني تدخل في مراحل سابقة لفائدة عدد من العائلات الفلسطينية ذات الأصول المغربية، ومكّنها من استعادة جنسيتها المغربية، انطلاقاً من رؤية إنسانية ووطنية تعتبر أن الانتماء للمغرب ليس مجرد وثيقة إدارية، بل علاقة وفاء وامتداد تاريخي وروحي.

وهنا يبرز السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه الرأي العام بكل شجاعة ووعي:لماذا كل هذه الضجة الإعلامية اليوم؟ولماذا يتم التركيز تحديداً على المغاربة من معتنقي الديانة اليهودية؟ولماذا يتم تقديم الموضوع وكأنه قضية استثنائية تمس فئة بعينها، في حين أن القانون المغربي واضح ويشمل الجميع دون تمييز؟.

ثم إن المتابعين للشأن العام يدركون جيداً أن هناك أيضاً من يسعى إلى الركوب على هذا الموضوع لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، خصوصاً ونحن على أبواب الاستحقاقات والانتخابات التشريعية المقبلة. فبعض الأطراف تجد في القضايا المرتبطة بالهوية والدين والانتماء مادة سهلة لإثارة الجدل، واستقطاب الرأي العام، وصناعة معارك إعلامية هامشية تُلهي المواطنين عن القضايا الحقيقية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والكرامة والعيش الكريم.

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في النقاش القانوني، بل في تحويل القضايا المرتبطة بالهوية والانتماء إلى أدوات للاستقطاب السياسي وإثارة الجدل المجاني. فحين تُستعمل الملفات الحساسة لإشعال مواقع التواصل الاجتماعي واستقطاب المشاعر وصناعة العناوين المثيرة، يصبح الوطن نفسه معرضاً لخطر الانقسام الرمزي والتشويش على أولوياته الحقيقية.

لقد كان المغرب عبر تاريخه الطويل أرضاً للتعايش والتسامح والعيش المشترك، حيث تعانقت المآذن مع المعابد، وتقاسمت الأسر المغربية، مسلمة ويهودية، الأفراح والأحزان والذاكرة المشتركة. ولم تكن الهوية المغربية يوماً هوية مغلقة أو متعصبة، بل هوية متعددة الروافد، قوية بتنوعها، عظيمة بانفتاحها، ومتماسكة بولائها الثابت للثوابت الوطنية الجامعة.
ومن المؤسف أن تتحول بعض المنابر أو الجهات إلى صناعة «جدل مصطنع» حول موضوع محسوم قانونياً وتاريخياً، في وقت تحتاج فيه الأمة إلى خطاب يوحد ولا يفرق، يبني ولا يهدم، ويزرع الثقة بدل الشكوك.
إن المغاربة، مهما اختلفت دياناتهم أو أصولهم أو أماكن إقامتهم، تجمعهم راية واحدة ووطن واحد وتاريخ واحد. والمواطنة في المغرب لم تكن يوماً رهينة العقيدة، بل كانت دائماً قائمة على الانتماء الصادق والوفاء للوطن.

ولذلك، فإن الحكمة تقتضي اليوم الابتعاد عن كل أشكال التهييج الإعلامي والاستغلال السياسي لهذا الملف، والوعي بأن قوة المغرب الحقيقية لم تكن أبداً في التجانس القسري، بل في قدرته التاريخية على احتضان التعدد داخل وحدة وطنية متماسكة، عنوانها:
الله، الوطن، الملك.

محمد اعبيدو

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5