ads980-90 after header
الإشهار 1

هل نحن مريدون أم مواطنون؟ وهل ننتمي إلى زواية أم إلى حزب؟

الإشهار 2

العرائش أنفو

هل نحن مريدون أم مواطنون؟ وهل ننتمي إلى زواية أم إلى حزب؟

الأستاذ الباحث عبد الله عنتار عضو التنسيقية الوطنية لتيار اليسار الجديد المتجدد

1ـ نحو تحديد دلالي
بادئ ذي بدء لابد من شرح المفاهيم التالية:
أولا: من هو المريد؟
يجيب عبد الله حمودي في كتابه: “الشيخ والمريد” أن هذا الأخير هو السالك الذي يشرع في رحلة التلاشي والانصهار في شيخ أو مرشد روحي، ويلتزم المريد بطاعته، ويجاهد نفسه لإفناء نفسه في الغير حد الانمحاء، ويؤدي أورادا وأذكارا ليصل إلى مقام الذوبان، كما أن الشيخ بالنسبة للمريد، لا يختلف عن علاقة الطبيب بالمريض، إنها علاقة تقوم على التبعية والخضوع، والولاء الأعمى بلا أفق أو حدود.
ثانيا: من يكون المواطن؟ .

ترى أن جاكلين روس في كتابها: “نظريات السلطة ” أن المواطن هو فاعل قانوني وسياسي يتمتع بحقوق وواجبات متساوية ضمن دولة ديمقراطية، كما يتمتع بحقوق منها حرية التعبير والتصويت والمحاكمة العادلة، وملتزم بواجبات كاحترام القانون ودفع الضرائب، إضافة إلى كونه مشاركا فعالا له الحق في التأثير على القرارات العامة سواء بالاعتراض السلمي أو بالانتخاب، دون نسيان الحق في المساواة أمام القانون دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الرأي … وبهذا المعنى يختلف المواطن بشكل جذري عن المريد، ولئن كان المواطن ينتمي إلى الحزب، فإن المريد ينتمي إلى الزواية، فما الفرق يا ترى بين الزاوية والحزب؟
الزاوية هي مؤسسة دينية واجتماعية في دول العالم الإسلامي ومن ضمنها المغرب، إنها مقر لطريقة صوفية حيث يجمع الشيخ حوله ثلة من المريدين والأتباع، وترتكز ثقافة الزاوية على الطاعة المطلقة والولاء الخالص للشيخ بشكل عمودي تراتبي، ورأي الشيخ لا يخضع للمساءلة، وشخصه لا يمكن تنحيته أو تحييده، أما الحزب، فهو أداة للتعبير عن الإرادة الشعبية، كما ينبني على التداول السلمي للسلطة ويقوم على الشفافية ويخضع رئيسه للمساءلة، ويستمد شرعيته من الصندوق بشكل أفقي، وبالتالي يمكن تنحية رئيس الحزب.

2ـ هل نحن مريدون أم مواطنون داخل الحزب الاشتراكي الموحد؟
من خلال أوراق ووثائق الحزب الاشتراكي الموحد يعرف هذا الحزب نفسه أنه حزب يساري وتقدمي فاصلا نفسه عن الزاوية وعن النظام السياسي عن باقي الأحزاب التي يسميها بالأحزاب المخزنية والإدارية والإسلامية التي تنهل من ثقافة الزاوية، إنه يدعو إلى حرية التعبير وفصل صارم للسلطات ومحاربة الريع والفساد، والتوزيع العادل للثروة الوطنية.
لكن هل الحزب يقاس بأوراقه ووثائقه ؟ أم يقاس بممارساته ؟ وخاصة ممارسات مكتبه السياسي الذي يعتبر الأداة التنفيذية للحزب ؟ .
لا يبدو لي أن المنحى الذي يسير فيه الحزب منحى يساريا وتقدميا، بل ينحو منذ المؤتمر الأخير نحو ثقافة الزواية على غرار النظام المخزني والأحزاب الإدارية والإسلامية، إذ تم التخلي عن الحق في التسيير أي الحق في تكوين تيارات داخلية، ومعنى ذلك مركزة القرار الحزبي في يد الشيخ لا في يد الرئيس الذي يجوز نقده وتنحيته وتحييده كلما انحرف عن السكة الصحيحة.
وبالعودة إلى كتاب “الزاوية والحزب ” للسوسيولوجي نور الدين الزاهي يتضح أن التنظيم الحزبي (بما فيه اليساري) في المغرب لم ينشأ من فراغ، بل هو امتداد مباشر لنموذج الزاوية، ويتجلى ذلك في ثلاث خصائص:
أ‌) نموذج للسلطة والطاعة: استنسخت الأحزاب العلاقة المركزية داخل الزاوية القائمة على خضوع المريد للشيخ، فتحولت إلى نفس الهرمية الصارمة والولاء المطلق للزعيم (ة)، بمعنى لا يجوز معارضة الأمين العام أو المكتب السياسي، أو المساءلة حول من كان سببا في تشتيت الحزب واستئصال الشبيبة وعدم الاندماج في فيدرالية اليسارعام 2021، أو الخوض في شخصنة الحزب وبلقنته لمصلحة عائلات بعينها.
ب‌) إرث المرجعية الدينية: هذا الحزب لم يستورد الشكل التنظيمي من الزاوية فحسب، بل ورث المرجعية الدينية كذلك، إنه ليس حزبا يساريا، ولا صلة له باليسار، فمن يتحكمون في رقابه يخافون حتى من التفوه بكلمة العلمانية، ويمارسون أسلوب التقية ولا قدرة لهم على مصارحة الجماهير بجدوى العلمانية باعتبارها مرتعا للتسامح والاختلاف والتعايش ونبذ الوثوقية والتعصب.

ت‌) تحول السياسي إلى مقدس: يؤدي هذا الميراث إلى طمس الحدود بين الديني والسياسي، حيث يقدس المكتب السياسي وكأنه شيخ، ويختزل العمل الحزبي في علاقة طاعة وإيمان لا علاقة نقدية أو ديموقراطية، ويكفي أن نذكر تجميد فروع بكاملها في جهة سوس، وإقالة عضو في المجلس الوطني والممثل الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد بسبب ندوة صحفية أزال فيها كل الحدود والتابوهات، وعرى عن الأخطاء التي ارتكبها المكتب السياسي منذ المؤتمر الأخير إلى اليوم، والحال أن الفكرة لا تضارعها إلا الفكرة المضادة كما يقول المفكر عبد الله القصيمي، أما الإقالة وتكميم الأفواه لا تعبر عن الأخلاق اليسارية والعلمانية والديمقراطية، بل تعبر عن أخلاق الزاوية حيث الإذعان لسلطة الشيخ التي تأبى التقويم والمراجعة والنقد…

3ـ من الزاوية إلى الحزب: تحول النموذج
لئن كانت الزاوية تقوم على خضوع المريد المطلق للشيخ، فإن هذا النموذج يمتد إلى عمق البنية الحزبية، بما فيها الحزب الاشتراكي الموحد، وخاصة مكتبه السياسي الذي أضحى يمارس التعسف والاستبداد ضد أي فكرة مضادة، ويخشى من الرأي الآخر، وفي هذا المعطى يتقاطع مع النظام المخزني الذي يدعي أنه يعارضه وينادي بالحرية، والحال أنه نسخة منه، أي مخزن صغير يمارس الحجر والوصاية على أي رأي مخالف، ويقيل كل من تجاوز الخطوط الحمراء حفاظا على منظومة الاستبداد داخل الحزب وخارجها، وتكمن العلاقة بين هذا الحزب – المخزن والزاوية فيما يلي:
ـ التشابه في العلاقة: يكشف الأنثربولوجي عبد الله حمودي أن المريد يخضع لشيخه ليحظى بقربه وولائه، كما الوزراء يخضعون للحاكم طمعا في مناصبه وعطاياه، وكذلك الحال لمريدي الحزب يخضعون للزعيم (ة) طمعا في امتيازات …
ـ الولاء المطلق: الحزب يحول المعارضة الحزبية والعمل بالتيارات إلى خيانة للحزب وللزعيم (ة) والمكتب السياسي، ولا يمكن نقد هذا الأخير أو معارضته، لأن ذلك يعتبر خروجا على الحزب ذاته، وفي الواقع هو خروج عن انحراف المكتب السياسي وعن وأده للكلمة الحرة، وهذه هي الحقيقة التي لا مرية فيها.
ـ التعسف كأدة تربوية: فكما يختبر الشيخ مريده بالقسوة “لتهذيب نفسه “، كذلك يتعامل الحاكم مع رعاياه، وهو الأسلوب نفسه الذي يلجأ إليه المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد عن طريق المجالس التأديبية الصورية، وحل الفروع وطرد المناضلين الصادقين.

خلاصة القول، حين الحديث عن مفاهيم الحزب والزاوية والمواطن والمريد والمخزن لا نتحدث عن أشخاص، وإنما عن نماذج تعيد تشكيل السياسة بالمغرب، إنها التبرير الثقافي لنظام سياسي معين، والسياسة لا تقاس بالشعارات، ولكن بالممارسات والأفعال باعتبارها مقياسا لكل شيء، وهكذا فالحزب الاشتراكي الموحد وخاصة مكتبه السياسي لم يقطع مع الخطاطة الثقافية السائدة في المجتمع المغربي والقائمة على علاقة الشيخ بالمريد، بل هو منغمس فيها حتى النخاع ويعيد إنتاجها من خلال طرد المناضلين وحل الفروع، وإيقاف العمل بالتيارات ومركزة القرار الحزبي، وهيمنة بعض العائلات، وفي هذا المعطى يتقاطع مع النظام المخزني والأحزاب الإدارية والإسلامية، وبالتالي يعيق بناء الديمقراطية في المغرب، ويعطل ثقة الأفراد في جدوى العمل الحزبي، وخاصة الجانب اليساري منه.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5