اليسار الجديد المتجدد: محاولة لإنقاذ المعنى في زمن الهشاشة

اليسار الجديد المتجدد: محاولة لإنقاذ المعنى في زمن الهشاشة
بقلم: الأستاذة أمينة مراد
عضوة تيار اليسار الجديد المتجدد
ليست الأسماء دائماً مجرد علامات للتعريف، فبعض التسميات تُولد باعتبارها موقفاً من العالم، واحتجاجاً على زمن بكامله. ومن هذا الأفق تبرز تسمية تيار “اليسار الجديد المتجدد”، لا كاختيار لغوي عابر، وإنما كتعبير عن قلق فكري وسياسي عميق تجاه ما آلت إليه أوضاع اليسار الجديد منه والقديم، وتجاه التحولات العنيفة التي يعيشها الإنسان المعاصر.
إن اقتران “الجديد” بـ”المتجدد” ليس تكرارا لفظيا بقدر ما هو إعلان مزدوج:
إعلان الحاجة إلى يسار قادر على قراءة العالم الجديد، وإعلان ضرورة امتلاك الشجاعة النقدية لتجديد الذات باستمرار، حتى لا يتحول الفكر إلى عقيدة جامدة، والتنظيم إلى ذاكرة مغلقة تعيش خارج الزمن.
لقد دخل العالم مرحلة تتسارع فيها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية بشكل غير مسبوق، بينما يتوسع في المقابل شعور الإنسان بالعزلة والهشاشة وفقدان المعنى. جيل كامل من الشباب يعيش اليوم قلق المستقبل، وتآكل الأمان الاجتماعي، واغترابا متزايدا داخل عالم تحكمه السوق أكثر مما تحكمه القيم. فالعلاقات الإنسانية أصبحت أكثر هشاشة، والعمل أكثر هشاشة، وحتى الأحلام نفسها باتت مؤقتة ومهددة.
في هذا السياق، لم يعد السؤال: هل يحتاج العالم إلى اليسار؟ بل أصبح السؤال الأعمق: أي يسار يستطيع أن يفهم الإنسان الجديد في معاناته الجديدة؟
من هنا، يطرح “اليسار الجديد المتجدد” نفسه كمحاولة للخروج من حالة الجمود والتكلس التي أصابت جزءا من الفكر اليساري، وكدعوة لإعادة وصل السياسة بالحياة والفكر بالمجتمع والنضال بالأخلاق والمعرفة بالفعل التاريخي.
أولا- اليسار بوصفه حركة لا عقيدة مغلقة
استمد هذا التصور جزءا من خلفيته النظرية من الفهم الديناميكي للسياسة كما بلوره David Easton، حيث تفهم السياسة باعتبارها نسقا حيا ومتفاعلا مع محيطه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، لا بنية جامدة منفصلة عن المجتمع.
وعلى هذا الأساس، فإن اليسار لا يمكن أن يظل حيا إذا اكتفى بإعادة إنتاج شعارات الماضي أو التحصن داخل يقينيات أيديولوجية مغلقة. فالتحولات الكبرى التي يشهدها العالم تفرض على الفكر اليساري أن يمتلك القدرة على النقد الذاتي، وعلى مراجعة أدواته النظرية وأساليب اشتغاله التنظيمي والسياسي.
إن “الجديد” هنا ليس قطيعة مع التراث النضالي لليسار، بل رفض لتحويل ذلك التراث إلى مقدس سياسي خارج التاريخ. أما “المتجدد”، فهو الإيمان بأن الفكر الحقيقي هو الذي يعيد مساءلة نفسه باستمرار، وينفتح على الأسئلة الجديدة التي يطرحها الواقع.
ثانيا- الإنسان في قلب المشروع اليساري
لا معنى لأي مشروع سياسي إذا فقد صلته بالإنسان الحقيقي، بآلامه اليومية، بخوفه، بعزلته، وبحثه عن الكرامة والمعنى. فالإنسان المعاصر، وخاصة فئة الشباب، يعيش اليوم حالة مركبة من الهشاشة النفسية والاجتماعية والاقتصادية. شباب يحمل شهادات دون أفق.، ويعمل دون استقرار، ويتواصل رقميا لكنه يزداد وحدة داخليا. ويعيش داخل عالم يدفعه إلى الاستهلاك أكثر مما يساعده على بناء ذاته. لقد أنتجت النيوليبرالية إنسانا مرهقا، يشعر بأنه مطالب بالنجاح الفردي الدائم، بينما تسحب من تحته شروط العدالة والتضامن والأمان الاجتماعي.
ولهذا فإن تيار “اليسار الجديد المتجدد” لا ينظر إلى السياسة باعتبارها مجرد صراع على السلطة، بل باعتبارها دفاعا عن الإنسان في مواجهة التشييء والتفكك وفقدان المعنى. إنه يسار يسعى إلى إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية، للعدالة الاجتماعية، للهوية والثقافة الوطنية، وللكرامة بوصفها أساسا لأي مشروع تحرري.
ثالثا- البراكسيس… وحدة الفكر والممارسة
إن أحد أعطاب التجارب السياسية المعاصرة هو انفصال الفكر عن الممارسة، وتحول السياسة إلى خطاب مجرد أو تدبير تقني بارد. لذلك يؤكد هذا التصور على ضرورة الربط بين الفكر والثقافة والممارسة، وبين الأخلاق والسلوك النضالي، في استعادة واضحة لمعنى “البراكسيس” الماركسي؛ أي تحويل الفكر إلى قوة اجتماعية حية داخل الواقع.
فاليسار المتجدد لا يمكن أن يوجد فقط داخل النصوص أو المؤتمرات، بل داخل المجتمع نفسه:
في النقابات والحركات الحقوقية والمبادرات المواطناتية والفضاءات الثقافية والمعارك اليومية من أجل الحرية والعدالة والكرامة. إنه يسار يؤمن بالعلم والمعرفة العقلانية، لكنه يدرك في الآن نفسه أن الوعي لا يُنتج فقط داخل الكتب، بل أيضا داخل التجارب الإنسانية الحية.
رابعا- صراع الأفكار في مواجهة النيوليبرالية
إن المعركة ضد النيوليبرالية ليست مجرد رفض لسياسات اقتصادية معينة، بل مواجهة شاملة مع رؤية للعالم تختزل الإنسان في قيمته السوقية. فالنيوليبرالية لا تهيمن فقط عبر الاقتصاد، بل أيضا عبر الثقافة والإعلام وأنماط الحياة، حيث يصبح النجاح الفردي بديلا عن التضامن، والمنافسة بديلا عن العدالة، والاستهلاك بديلا عن المعنى. من هنا، فإن تيار ” اليسار الجديد المتجدد” يدعو إلى خوض صراع الأفكار مع ما يروجه دهانقة النيوليبرالية المتوحشة من أفكار في الأذهان، ويعتبره هذا الصراع جزء أساسي من المعركة الديمقراطية والاجتماعية. لأن المجتمعات لا تتغير فقط بالقوانين، بل أيضا بالوعي والثقافة وإعادة بناء المعنى الجماعي.
خامسا- الانفتاح على الديناميات المجتمعية الجديدة
إن اليسار الذي ينغلق على ذاته يفقد تدريجيا صلته بالمجتمع. لذلك يدعو هذا التيار إلى الانفتاح على مختلف الديناميات الاجتماعية والحقوقية والثقافية والمواطناتية، محليا وإقليميا وأمميا ، فالرهانات الجديدة التي تواجه المجتمعات اليوم، من قضايا البيئة والهجرة والعدالة الرقمية والحريات الفردية إلى التحولات الجيوسياسية العالمية، تفرض بناء يسار مرن، منفتح، قادر على الإصغاء والتفاعل والتجدد. إنه يسار لا يخاف من الأسئلة الجديدة، بل يعتبرها شرطا ضروريا لبقائه حياً ومؤثرا.
هكذا، فإن تيار “ليسار الجديد المتجدد” ليس عنوانا تنظيميا فحسب، أو محاولة لتجميل خطاب قديم بمفردات جديدة، وإنما تعبير عن حاجة تاريخية إلى إعادة بعث المعنى داخل السياسة نفسها. فالعالم اليوم لا يعاني فقط من الأزمات الاقتصادية، بل أيضا من أزمة إنسان، وأزمة قيم، وأزمة أفق. ولهذا فإن الحاجة إلى يسار جديد متجدد ضرورة الدفاع عن المستقبل. مستقبل يكون فيه الإنسان أكبر من السوق، والمعرفة أعمق من الدعاية، والسياسة أسمى من التدبير البارد للمصالح. إنه رهان صعب بلا شك، لكنه يظل ضروريا، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمعات ليس الاختلاف أو الصراع، بل الاعتياد على الجمود، والتصالح مع فقدان المعنى.
