العرائش لم تنم… والمغرب حين ينتصر، تنتصر الروح

العرائش أنفو
العرائش لم تنم… والمغرب حين ينتصر، تنتصر الروح

هناك انتصارات تُسجل في دفاتر النتائج، وهناك انتصارات تُكتب في ذاكرة الشعوب. وهناك مباريات تنتهي بصافرة الحكم، وأخرى تبدأ بعد الصافرة، حين تخرج الأمم إلى الشوارع لتعلن أن الوطن أكبر من مجرد تسعين دقيقة، وأن الراية التي ارتفعت في سماء الملاعب إنما ارتفعت أولاً في قلوب الملايين.
هكذا كان المغرب… وهكذا كان المغاربة.
لقد لم يكن عبور المنتخب المغربي إلى دور ثمن نهائي كأس العالم 2026 مجرد تأهل رياضي، بل كان إعلاناً جديداً بأن المغرب أصبح رقماً ثابتاً في معادلة كرة القدم العالمية، وأن أسود الأطلس لم يعودوا يطاردون التاريخ، بل أصبح التاريخ هو الذي يكتب أسماءهم في صفحاته المضيئة.
في مواجهة منتخب هولندا، أحد أعمدة الكرة الأوروبية، لم ينتصر المغرب بالحظ، ولم يتأهل بالمصادفة، وإنما انتصر بعقل يعرف كيف يقرأ المباراة، وبقلب لا يعرف الاستسلام، وبروح وطنية جعلت من كل لاعب مشروع مقاتل يحمل على كتفيه آمال أكثر من أربعين مليون مغربي، وملايين أخرى من أبناء الجالية المغربية المنتشرين في مختلف بقاع العالم.
ولذلك، لم يكن غريباً أن تتسابق كبريات الصحف ووكالات الأنباء العالمية إلى الإشادة بهذا الإنجاز التاريخي، وأن تعترف بأن المنتخب المغربي أصبح قوة عالمية تحظى باحترام الجميع، وأن ما يقدمه أسود الأطلس لم يعد مفاجأة عابرة، بل ثمرة عمل طويل ورؤية واضحة وإيمان لا يتزعزع بالقدرات المغربية.
أما الصحافة الوطنية، فقد عبرت عن فخرها بهذا المنتخب الذي أصبح مرآة لوطن بأكمله، منتخب لا يلعب باسمه فقط، بل يحمل في كل مباراة تاريخ المغرب، وحضارته، وكرامة شعبه، وطموح شبابه، وآمال أطفاله.
لكن الصورة الأجمل لم تكن في عناوين الصحف، ولا في استوديوهات التحليل، ولا في شاشات العالم، بل كانت في شوارع المغرب… هناك حيث خرج الشعب ليكتب هو الآخر ملحمة موازية لملحمة اللاعبين.
العرائش لم تنم … أجواء الانتصار
من طنجة إلى الكويرة، ومن وجدة إلى العيون، خرج المغاربة في الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء، لا يحملون سوى علم الوطن، ولا يرددون سوى اسم المغرب، في مشهد أعاد التأكيد أن هذا الوطن، مهما اختلفت الآراء وتباينت المواقف، يبقى قادراً على أن يجمع أبناءه حول راية واحدة، ونشيد واحد، وحلم واحد.
وكانت مدينة العرائش، المدينة التي تعشق الحياة كما تعشق البحر، واحدة من أجمل صور هذا العرس الوطني.
فمنذ إعلان نهاية المباراة، تدفقت أفواج المواطنين من مختلف الأحياء نحو قلب المدينة، ولم تمض دقائق حتى غدت ساحة التحرير فضاءً وطنياً استثنائياً، بعدما امتلأت بعشرات الآلاف من أبناء العرائش، رجالاً ونساءً، شباباً وأطفالاً، يرفعون الأعلام المغربية، ويرددون الأهازيج الوطنية، ويحتفلون بإنجاز أصبح ملكاً لكل المغاربة.
في تلك الساحة، لم يكن أحد يسأل الآخر عن انتمائه أو طبقته أو مهنته أو عمره. كان الجميع مغاربة فقط… وكانت الراية الحمراء تتحدث باسم الجميع، وكانت الفرحة أكبر من الكلمات، وأصدق من كل الخطب.
ولأن العرائش مدينة تعرف كيف تصنع الفرح، فقد بقيت مقاهيها عامرة حتى ساعات الفجر الأولى. لم تغلق أبوابها، ولم يخفت صخبها، لأن الليل تحول إلى عيد، ولأن الوطن كان يحتفل بأبنائه الذين رفعوا رايته بين كبار العالم. كانت المقاهي ملتقى للأصدقاء والعائلات، وكانت الشوارع فضاءات مفتوحة للبهجة، وكانت المدينة كلها تبدو وكأنها قلب واحد ينبض باسم المغرب.
إن كرة القدم، في مثل هذه اللحظات، تتجاوز حدود الرياضة لتصبح لغة للوطنية، ومدرسة للمواطنة، ورسالة للأجيال. فهي تعلمنا أن النجاح لا يولد من الصدفة، وإنما يصنعه الإيمان، والانضباط، والعمل الجماعي، والثقة بالنفس.
لقد منحنا أسود الأطلس درساً جديداً في معنى الانتماء، وأثبتوا أن الدفاع عن ألوان الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالعرق، والتضحية، والإصرار، حتى آخر ثانية.
واليوم، والمغرب يستعد لخوض محطة جديدة في هذا المونديال، فإن ملايين القلوب لا تنتظر مجرد نتيجة، بل تنتظر استمرار هذه الحكاية الجميلة التي أعادت إلينا الإيمان بأن الأوطان تكبر بأبنائها، وأن الرايات لا ترتفع إلا بسواعد المؤمنين بها.
سيكتب المؤرخون نتائج هذه البطولة، وستوثقها الأرقام والإحصاءات، لكن ما لن تستطيع الأرقام أن ترويه، هو تلك الدموع التي اختلطت بالابتسامات، وتلك الزغاريد التي اخترقت السماء، وتلك اللحظة التي تحولت فيها ساحة التحرير بالعرائش إلى وطنٍ مصغر، يحتضن عشرات الآلاف من العاشقين للمغرب.
إنها ليلة من ليالي المجد… ليلة أثبت فيها المغرب أنه لا يصنع الانتصارات في الملاعب فقط، بل يصنعها أيضاً في قلوب شعبه.
وسيظل هذا المشهد خالداً، لأن الأوطان لا تعيش بالخبز وحده، بل تعيش أيضاً بالأمل، وبالكرامة، وباللحظات التي تجعل شعباً بأكمله يقف شامخاً وهو يردد بصوت واحد:
عاش المغرب… عاش أسود الأطلس… وعاشت العرائش، المدينة التي لم تنم لأنها كانت تحرس فرحة وطن.
