صرخة من عمق التاريخ: هل تنقذ الدولة قصر “أولاد اسليمان” بفجيج قبل فوات الأوان؟

العرائش أنفو
صرخة من عمق التاريخ: هل تنقذ الدولة قصر “أولاد اسليمان” بفجيج قبل فوات الأوان؟
عبد الحفيظ بوبكري
في الوقت الذي تتجه فيه الجهود الوطنية والدولية نحو تثمين الموروث الثقافي المادي، يعيش قصر أولاد اسليمان بواحة فجيج وضعاً كارثياً يسائل الضمير الجمعي والمؤسسات الوصية على قطاع التراث ببلادنا.
فهذا الصرح التاريخي الشامخ، الذي صمد لقرون في وجه قساوة المناخ، يواجه اليوم تدهوراً مستمراً وتصدعات خطيرة في بنيته العمرانية، وهي الوضعية التي تفاقمت بشكل مفزع بعد التساقطات المطرية الأخيرة، حيث تحولت الأمطار من غيث ينتظره الفلاحون إلى تهديد مباشر يعجل بانهيار ما تبقى من جدرانه الطينية وسقوفه الخشبية، متسببة في تجريف حاد للتربة والتبليط الأرضي داخل الأزقة الضيقة بالقصر، مما ينذر بتعرية خطيرة لأساسات الجدران الطينية الحاملة.

إن قصر أولاد اسليمان لا يمثل مجرد تجمع سكني قديم، بل هو منظومة واحية متكاملة وفريدة تختزل عبقرية الإنسان الواحي في التكيف مع مجاله البيئي؛ حيث تتداخل فيه البيوت الطينية العتيقة بالمساجد الأثرية، والمقابر، والزوايا الصوفية ذات الإشعاع الروحي، وصولاً إلى شبكة الهندسة المائية المعقدة، غير أن الكارثة الكبرى التي خلفها الغيث الأخير تمثلت في حدوث انهيار بنيوي في مسار ساقية “لودارنة” الحيوية، مما تسبب في انقطاع تام لتدفق مياهها وعدم وصولها إلى البساتين والحقول المحيطة.
هذا الانقطاع يهدد بوعاء بيئي جاف يقتل شريان الحياة الفلاحية بالقصر، ويُضاف إلى تدهور شبكة “الخطارات” الأثرية.
هذا الغنى المعماري والثقافي هو ما جعل القصر يُصنف رسمياً كتراث مادي وطني، وهو تصنيف لا يجب أن يظل حبراً على ورق، بل هو اعتراف صريح يضع الدولة والجهات الحكومية والمنتخبة أمام مسؤوليتها القانونية والتاريخية والأخلاقية للتدخل العاجل لإنقاذ القصر، وضخ الاعتمادات المالية اللازمة لترميمه وتثمينه، وإصلاح قنوات الري المتضررة فوراً قبل أن يتحول هذا الإرث الحضاري بأكمله إلى ركام من الأتربة والطين، والأسقف الخشبية المنهارة بالكامل داخل قلب القصر، لتندثر معالمه الفريدة وتتحول إلى تلال من التراب تحت أعين الجهات الوصية.
ومع ذلك، فإن الوعي البيئي يفرض التأكيد على أن إحياء قصر أولاد اسليمان لا يمكن أن يقتصر على مقاربة تقنية جافة تعتمد فقط على ترميم الجدران والصباغة وتأهيل الساحات. إن الإنقاذ الحقيقي والدائم يتطلب رؤية تنموية شاملة تعيد الحياة والروح إلى هذه المنظومة الواحية. الحل يكمن في تحويل القصر من “متحف مهجور” إلى مركز جاذب للاستثمار المدر للدخل لفائدة الساكنة المحلية، وذلك عبر تشجيع المشاريع السياحية البيئية (كالمآوي ودور الضيافة…)، ودعم الفلاحة الواحية المستدامة لتثمين منتوجات النخيل وحماية السواقي، وفتح المجال أمام الصناعات الثقافية والحرفية.
إنها الصرخة الأخيرة لإنقاذ إرث وطني، فهل تجد آذاناً مصغية وإرادة سياسية حقيقية تتحرك قبل فوات الأوان؟
