ads980-90 after header
الإشهار 1

شتان بين التصحيح والتخريب

الإشهار 2

شتان بين التصحيح والتخريب

محمد إنفي

خرجت، في بعض المدن (فاس على سبيل المثال لا الحصر)، مجموعات من الأشخاص المحسوبين على الاتحاد الاشتراكي، يعتبرون أنفسهم حركة تصحيحية، وهم في الواقع حركة تخريبية تخدم مصالح أعداء الاتحاد وخصومه؛ إذ يطلقون شعارات ونداءات واتهامات ضد القيادة الحالية. وقد ساهم هؤلاء في تقليص حجم حضور الاتحاد الاشتراكي في المؤسسة التشريعية؛ وذلك بأساليب مختلفة. فمنهم من أطلق العنان للإشاعات المغرضة من قبيل “بيع” التزكية وترشيح أصحاب الشكارة وإقصاء المناضلات والمناضلين وغير ذلك من الترهات من قبيل ما أسماه الأخ الكاتب الأول ببهرجة الإشاعات حول “الغضب الداخلي”؛ ومنهم من شارك في الحملة الانتخابية مع الخصوم، وآخرون قاموا بالحملة المضادة داعين إلى عدم التصويت على مرشحي الاتحاد الاشتراكي وغير ذلك من الأساليب الخِسيسة.
وقد خطط لهذه الحركة بعض الوصوليين الجدد الذين لم يضفروا بالتزكية وكذلك، بعض القدامى من الذين انتهت صلاحيتهم بانتهاء مهامهم الرسمية (وزراء) أو التمثيلية (برلمانيون) أو الحزبية (قياديون إن على المستوى الوطني أو الجهوي أو الإقليمي أو المحلي). وأغلب هؤلاء معروفون عند الاتحاديات والاتحاديين الأصلاء الذين لم يلتحقوا بالحزب إلا عن قناعة فكرية وسياسية، وليس من أجل تحقيق مصالح شخصية. ولذلك ظل هؤلاء وسيظلون قابضين على الجمرة كيفما كانت الظروف، أسوة بالرعيل الأول وتمسكا برسائله للأجيال المتعاقبة عملا بمقولة أو شعار “رسالة جيل لجيل”.
فالاتحاد الاشتراكي مدرسة إبداعية في الفكر والسياسة والنضال المسؤول. وهو حزب مؤسسات وليس حزب الشعارات أو المزايدات وترويج المغالطات. ومن لم يستوعب هذه الحقيقة، سيظل دائما على الهامش، فكريا وسياسيا، سواء كان من المنتسبين إليه أو من الذين اكتفوا بصفة المتعاطفين. وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية صورة مصغرة من المجتمع المغربي، وتعكس عبارة “القوات الشعبية” هذه الصورة وهذه الحقيقة. ومن بين هذه القوات، نذكر الطبقات الوسطى والعمال والفلاحين المتوسطين والصغار والتجار الصغار والمتوسطين والطلبة وأصحاب الشهادات الجامعية العاطلين عن العمل والطبقات الهشة وفئات اجتماعية أخرى.
ونسجل داخل الاتحاد أن بعض الأشخاص لم يدركوا بعد ولم يستوعبوا التغييرات التي حصلت في المغرب سواء على مستوى الدولة أو المجتمع أو المجال السياسي. وفي اجتماع المجلس الوطني الأخير، لاحظنا، في بعض التدخلات، وجود بقايا تأثيرات الخطاب الاتحادي خلال سنوات الجمر والرصاص، بينما الوضع قد تغير كليا وأصبح خطاب السلفية الحزبية متجاوزا (أنظر مقالا لنا بعنوان “في السلفية الحزبية”، نشر بموقع “هيبة زوم” بتاريخ 25 مارس 2017) والمتمسكون به خارج السياق ويعيشون في الماضي بدل الحاضر بوابة المستقبل.
وإذا كانت أصوات بعض القوات الشعبية لم تعد تُمنح بقوة إلى الاتحاد الاشتراكي، فبسبب الفساد الانتخابي الذي ضننا أن القوانين الانتخابية الجديدة ستضع له حدا وتجعل صناديق الاقتراع بعيدة عما ألفناه في التجارب السابقة. لكن سماسرة الانتخابات من “الشناقة” و”الفراقشية” لهم أساليبهم الخاصة في التحايل على القانون وعلى المواطنين. فشراء الأصوات لم تسلم منه الانتخابات الأخيرة. لكن السماسرة والناخبين “المرتشين” يعرفون كيف يتحايلون على القانون وعلى المنافسين. وما دامت المخابرات الداخلية (ولم لا حتى الخارجية!) والشرطة القضائية لا تراقب عملية الانتخابات عن كثب، فلن تنفع لا المراقبة الحزبية ولا الملاحظة الدولية.
خلاصة القول، فإذا كان ما حدث في طنجة يمثل، بالفعل، حدثا معزولا، كما قال السيد وزير الداخلية، فإن مَنْ قاموا به، فقد تصرفوا بغباء بيِّن وأقاموا الحجة على أنفسهم، في حين من اعتمدوا على سماسرة الانتخابات ذوي التجربة في الفساد الانتخابي، وصلوا إلى أهدافهم الخبيثة بدون ضجيج فسلِموا من المتابعة القضائية وحرموا المنافسين من الدلائل ووسائل الإثبات التي تسمح لهم بتقديم طعونهم ضد الفائزين بالغش والرشوة.
أما فيما يخص التصحيح، فله شروطه وسياقه وأهدافه وسقفه. فالتصحيح لن يكون من خارج المؤسسات الحزبية التي تضمن للجميع حرية النقاش وحرية الرأي والتعبير، وتبقى الكلمة الأخيرة للديمقراطية الداخلية. أما غير ذلك، فهو يقود إلى التخريب وليس إلى التصحيح. وأصحابه بالضرورة سينتظرهم الإخفاق وسيتجرعون مرارة الفشل، كما تجرعها غيرهم. ولنا خير مثال في مَنْ مًنَّوْا النفس بتشكيل بديل عن الاتحاد الاشتراكي، لكنهم ظلوا مجرد أرقام ضخَّمتْ من عدد الأحزاب، وبقيت دون أثر أو تأثير في الساحة السياسية.
مكناس في 13 أكتوبر 2026

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
الإشهار 5

شاهد أيضا