دكاكين الجمعيات وحصار القبلية: تشريح لمعضلة الشأن المحلي في أحياء طراسة

العرائش أنفو
دكاكين الجمعيات وحصار القبلية: تشريح لمعضلة الشأن المحلي في أحياء طراسة
امين أحرشيون
تعيش أحياء الهجرة في مدينة طراسة الإسبانية، وعلى رأسها حي “كالينكلادا” (Ca n’Anglada)، على وقع مفارقة صارخة وتناقض حاد بين واقع ملموس يعيشه المواطن يومياً، وبين شعارات براقة تُرفع في الفضاءات الرقمية والتقارير الرسمية. إن التشخيص الدقيق لما يجري في هذا الحي يعود بالأساس إلى معضلة بنيوية تتجلى في إشراك المصالح الشخصية والضيقة بالمسؤولية والمصلحة العامة، حيث بات من الواضح، منذ فترة ليست بالقصيرة، أن مجموعة من الجمعيات المحلية المصنفة ضمن “جمعيات المهاجرين” قد انحرفت عن مسارها الإنساني والاجتماعي المفترض. هذه الكيانات، التي تدّعي ليلاً نهاراً الحفاظ على قيم الاندماج، التعايش، والمواطنة، تحولت في كثير من الأحيان إلى “جمعيات ربحية وتجارية” بامتياز، تكمن خطورتها في احترافية صياغة البرامج المسطرة على الورق وإدراجها في المخططات السنوية بذكاء تواصله مريب، بهدف تقديمها إلى الجهات المختصة ــ سواء كانت سلطات محلية في بلدية طراسة، أو جهات مركزية، أو حتى قنصليات وبعثات تابعة لبلدان الأصل ــ من أجل استقطاب الدعم المالي والامتيازات المعنوية والمادية، دون أن يكون لتلك المشاريع أي أثر حقيقي يعود بالنفع على الساكنة.
ولا تقف هذه الاختلالات عند حدود العمل الثقافي أو الاجتماعي فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على الحقل الديني بالمدينة، وهو الجانب الأكثر حساسية لتعلقه بالهوية والروحانيات، إذ يرى المتأمل في كواليس هذا الميدان بوضوح وجود قبلية متحكمة ومسيطرة تفرض أجندتها وتدير الشأن الديني بمنطق الإقصاء والاستقواء بالقرابة والجهة. إن تحكّم النزعة القبلية والعائلية في تسيير بيوت الله والجمعيات المشرفة عليها يُفقد هذه الأماكن قدسيتها ودورها الجامع، فبدل أن تكون مساجد طراسة ومراكزها الإسلامية فضاءات للوحدة، والتآخي، والارتقاء الروحي والأخلاقي، تحولت بفعل هذه العقليات الضيقة إلى مراكز نفوذ تُستغل لبناء وجاهة اجتماعية زائفة، وتحقيق مكاسب شخصية تحت غطاء الدين، مما يعمق الفرقة بين أبناء الجالية الواحدة ويزيد من نفور الشباب.
هذا الواقع المتردي يطرح علامات استفهام كبرى حول جدوى هذه الإطارات؛ فالقانون بطبيعته يضمن ويخول للعمل الجمعوي, الثقافي منه والديني، الحق في النشاط والدعم إذا ما أُدير بجدية، وحكمة، ونزاهة، والعمل النزيه يستحق كل الإشادة؛ لكن ما يُرصد على أرض الواقع في أحياء طراسة يعاكس تماماً تلك الصورة المثالية المروجة في المنصات التابعة لتلك الجمعيات. فكيف يعقل، منطقياً وأخلاقياً، لجمعية تدّعي السعي وراء إدماج المهاجرين في المجتمع الأوسع، أن تكون بنيتها الداخلية قائمة على الزبونية، أو العلاقات العائلية، أو الانتماءات القبلية والجهوية الضيقة؟ إن أعظم تناقض تسقط فيه هذه الهيئات هو ممارستها لسياسة الإقصاء الممنهج ضد المواطنين والجيران الذين لا ينتمون إلى دائرتهم المغلقة والمستفيدة، مما يحول الجمعية من أداة لتوحيد وتأطير المجتمع إلى أداة لتقسيمه وتعميق عزلة أفراده.
وإذا ما فُتحت أرشيفات الحقل الجمعوي بمدينة طراسة وجرت مراجعتها بعين فاحصة، سينكشف حجم الخروقات بالجملة؛ وهي خروقات لا تقف عند سوء التدبير المالي والإداري فحسب، بل تمتد إلى التلاعب بالآمال والملفات الحساسة للجالية. وبناءً على ذلك، فإن تنظيف هذا الحقل وإصلاحه يمر حتماً عبر مسارين متلازمين: الأول يتجلى في تشديد الرقابة والمحاسبة البَعدية من طرف المؤسسات الإسبانية والجهات المانحة لضمان مطابقة مشاريع “الورق” مع الواقع الميداني في كالينكلادا، والتأكد من ديمقراطية تسيير الحقل الديني والثقافي. والثاني يكمن في رفع وعي الساكنة لرفض الوصاية والانتهازية والقبلية المقيتة، مع تشجيع جيل جديد من الكفاءات الشابة والمستقلة لأخذ المشعل، وإعادة الاعتبار للعمل التطوعي الحقيقي الذي يضع مصلحة الحي والمواطن فوق كل اعتبار شخصي
