ads980-90 after header
الإشهار 1

رحلة البحث عن حولي العيد من طقس ديني يكثّف معاني التضحية إلى عبء اجتماعي

الإشهار 2

العرائش أنفو

رحلة البحث عن حولي العيد من طقس ديني يكثّف معاني التضحية إلى عبء اجتماعي

لم يكن عيد الأضحى في الذاكرة الجماعية للمغاربة مجرد مناسبة موسمية لاستهلاك اللحم أو استعراض القدرة الشرائية، بل كان طقساً دينياً وروحياً واجتماعياً يختزل معاني التضحية والتكافل والفرح الجماعي. فقد كان “الحولي/ كبش التضحية” يدخل البيوت محمولاً بالبركة والطمأنينة، وتتحول الأحياء إلى فضاءات للألفة والتقاسم والتراحم، غير أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة جعلت رحلة البحث عن الأضحية تتحول تدريجياً من لحظة فرح روحي إلى مصدر ضغط نفسي وعبء اجتماعي ثقيل، خاصة بالنسبة للفئات الفقيرة والمتوسطة الدخل.

لقد أصبح كثير من الأسر المغربية يعيشون قبيل العيد حالة من القلق والترقب، لا بسبب البعد الديني للشعيرة، بل بسبب ارتفاع الأسعار، وهيمنة المضاربة والشناقة بكل أصنافهم، وضغط العادات الاجتماعية، والخوف من نظرة المجتمع. وهكذا انتقل “الحولي” من كونه رمزاً للتقرب إلى الله، إلى امتحان اجتماعي يكشف هشاشة العدالة الاقتصادية وتضخم النزعة الاستهلاكية داخل المجتمع وانقلاب القيم والمعاني، وبما أن الأضحية ارتبطت بقصة النبي إبراهيم وابنه إسماعيل، التي تختزل قيم الطاعة والتضحية والإيمان، لذلك لم يكن المقصود منها مجرد الذبح في حد ذاته، بل المعنى الأخلاقي والروحي الكامن وراء الفعل. فالغاية الأساسية من الشعيرة هي تربية الإنسان على الشكر والبذل والتضحية والتقاسم وتجاوز الأنانية، وهو ما تؤكده الآية القرآنية رقم 37 من سورة الحج : “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشري المحسنين”.

في المجتمعات التقليدية كان الاحتفاء بالعيد يتم ببساطة وعفوية، حيث تتقاسم الأسر اللحم مع الجيران والأقارب والفقراء، وتتحول المناسبة إلى فرصة لإحياء الروابط الإنسانية، وكان “الحولي” يحمل قيمة رمزية تتجاوز قيمته المادية، لأنه يجسد الانتماء الجماعي والفرح المشتر، غير أن التحولات التي عرفها المجتمع المعاصر أدت إلى تفريغ العيد من كثير من أبعاده الرمزية والروحية، فقد أصبحت الأسواق تتحكم في إيقاع المناسبة أكثر من القيم الدينية ذاتها، وقد نجحت الرأسمالية في تحويل المقدسات الدينية إلى أشياء خاضعة لمنطق السوق. ومع كل موسم عيد ترتفع الأسعار بشكل جنوني، ويزداد نشاط الوسطاء والمضاربين، ويتحول “الحولي” إلى سلعة تخضع لقانون العرض والطلب والمنافسة الاستهلاكية. كما أن وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي ساهمت هي الأخرى في تعميق هذا التحول؛ إذ صار البعض يقيس قيمة العيد بحجم الكبش وسعره وسلالته، لا بما يحمله من معاني الرحمة والتقاسم، وهكذا تحولت الأضحية لدى بعض الفئات إلى وسيلة للوجاهة الاجتماعية وإثبات المكانة الطبقية، الأمر الذي جعل كثيراً من الأسر تعيش ضغطاً نفسياً كبيراً حتى لا تظهر بمظهر العاجز أو المختلف عن الجماعة.

أمام هذا الوضع، أصبحت رحلة البحث عن الحولي رحلة شاقة مليئة بالقلق والحسابات المالية المعقدة. فالأب الذي كان يشتري الأضحية بفرح صار مضطراً إلى الاقتراض أو التضحية بحاجات أساسية لأسرته من أجل الحفاظ على صورته الاجتماعية. كما أن بعض الأسر تدخل بعد العيد في دوامة من الديون والأزمات الاقتصادية وحتى الاجتماعية بسبب المصاريف المرتبطة بالأضحية ومستلزمات العيد.

إن أزمة “الحولي” ليست أزمة دينية بقدر ما هي انعكاس لأزمة اجتماعية واقتصادية أعمق. فهي تكشف اتساع الفوارق الطبقية، وتآكل القدرة الشرائية، وهيمنة الثقافة الاستهلاكية التي تجعل الإنسان يقاس بما يملك لا بما يكونه، كما تكشف عن تحول بعض الطقوس الجماعية إلى آليات لإعادة إنتاج الضغط الاجتماعي والشعور بالنقص.حتى أن العيد صار بالنسبة إلى بعض الفقراء موسماً للإحراج والألم بدل الفرح، لأن المجتمع يفرض بشكل غير مباشر نموذجاً موحداً للاحتفال، دون مراعاة اختلاف الظروف الاقتصادية. وهنا يتحول الطقس الديني من فضاء للتراحم إلى شكل من أشكال العنف الرمزي الذي يثقل كاهل البسطاء، والأخطر من ذلك أن هذا التحول يهدد المعنى الأخلاقي للشعيرة نفسها؛ فحين تتحول الأضحية إلى مجرد استهلاك واستعراض، تفقد بعدها الروحي وتصبح خاضعة لمنطق السوق. وهكذا تنتصر المظاهر على الجوهر، ويصبح الإنسان أقرب إلى التضحية بنفسه وكرامته من أجل “الحولي”.

لذلك فإن تجاوز هذا الوضع لا يكون فقط عبر مراقبة الأسعار ومحاربة المضاربة، رغم أهمية ذلك، بل يحتاج أيضاً إلى مراجعة ثقافية وأخلاقية عميقة تعيد الاعتبار لجوهر الشعيرة. فالعيد ليس مناسبة للتفاخر الطبقي، بل لحظة للتكافل والتراحم والفرح الجماعي البسيط، كما أن المجتمع بحاجة إلى التحرر من سلطة الأحكام الاجتماعية التي تجعل قيمة الإنسان مرتبطة بقدرته على الاستهلاك. فليس من المنطقي أن تتحول شعيرة دينية قائمة على التيسير والرحمة إلى مصدر للديون والقهر النفسي، إن استعادة المعنى الحقيقي للأضحية تقتضي إعادة ربطها بقيم التضامن والاعتدال والكرامة الإنسانية، بدل اختزالها في المظاهر الخارجية والاستهلاك، لأن جوهر العيد لا يقاس بحجم الكبش، بل بحجم الرحمة التي يوقظها الإنسان داخله.

وهكذا فقد تحولت رحلة البحث عن الحولي في كثير من المجتمعات العربية والمغربية من تجربة روحية وإنسانية إلى معاناة اجتماعية تكشف أعطاب الاقتصاد والوعي والثقافة والقيم. وبين الأسواق الملتهبة وضغط التقاليد والخوف من نظرة المجتمع، أصبح كثير من الناس يعيشون العيد بوصفه عبئاً لا مناسبة للسكينة والفرح، ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً في استعادة البعد الإنساني والروحي لهذه الشعيرة، عبر بناء وعي جماعي جديد يفصل بين جوهر الدين ومنطق الاستهلاك، ويعيد للعيد معناه الحقيقي باعتباره احتفالاً بالرحمة والتضامن لا مناسبة للتباهي والضغط الاجتماعي.
شفيق العبودي
العرائش 26 ماي 2026

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5